
محاكمة نيرون …
من كتاب ” إعدام السجان ” ..
رابط تحميل الكتاب
كتاب ” إعدام السجان ” .. كتبه الدكتور عصمت سيف الدولة بعد خروجه من السجن في عهد أنور السادات بتهمة تشكيل تنظيم ثوري يهدف إسقاط النظام الحاكم في مصر ومن ثم الإطاحة بكافة الأنظمة العربية في الوطن العربي .. نشرت طبعته الأولى سنة 1978 ..
لماذا العنوان .. ” إعدام السجان ” .. ؟ ؟
باختياره ” إعدام السجان ” عنواناً للكتاب ، لم يكن الدكتور عصمت يقصد إعدام السجان بمفهوم القصاص ( القتل ) بأي شكل من اشكال القصاص ، إنما بمعنى آخر مختلف .. معنى فلسفي مستوحى من فكرة العدم بالفلسفة الوجودية كما يقول في مقدمة الكتاب : (( .. قد أدركت من تجربتي في السجن كيف يستطيع الإنسان في قيوده أن ” يعدم ” السجن والسجان وجنوده ، وأنّ في الإنسان لقوى لا يدركها إلى أن يكاد الخطر يدرك إنسانيته ، حينئذٍ تجتمع قواه التي كان يعيها مع قواه التي كان يجهلها في دفقة إنسانية واحدة .. تدفع عنه ما يمس إنسانيته .. ويرى الإنسان ملكاته وملكات أخرى لا يراها .. قد تمردت على القيود التي لا تستطيع أن تحطمها .. فتدفنها تحت ركام من النشاط البدني والفكري والفني )) ..
بهذا المفهوم أعدم عصمت سيف الدولة السجن والسجان وجنوده داخل السجن .. فرأى ملكاته كإنسان وملكات أخرى لم يكن يراها قد تمردت على أغلال السجن وجدرانه ، فأطلقت بين جنباته المظلمة أشكالاً وألواناً أخرى من إبداعات عصمت الإنسان .. هذه المرة ليس كتاباً في الأيديولوجيا والفكر والفلسفة والسياسة ، إنما بألوان إبداعية أخرى لكنها مستوحاة من كل ذلك وتتضمن كل ذلك : شعر .. مسرح .. رسم .. نحت ..
ابرز ما تضمنه الكتاب في مجال المسرح مسرحيتين ، الأولى كتبها داخل السجن ، تحت عنوان ” هو ” ، نسبها إلى كاتب وهمي أطلق عليه اسم ” د . علي التغلبي ” … الثانية كتبها وهو حرٌ طليق خارج السجن بعد الإفراج عنه تحت عنوان ” محاكمة نيرون ؟
لماذا محاكمة نيرون ؟
(( .. داخل السجن .. كان الحديث عن مستقبل الحياة في مصر العربية قد انتهى إلى نتؤ القاهرة .. القاهرة ناتئة في جسد مصر كالورم الخبيث .. إنها دولة أخرى تنتمي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحضارياً إلى دول القرن العشرين .. قائمة لتكون عاصمةً لشعب ما يزال يعيش في مستوى القرن السابع عشر .. إنها ( القاهرة ) دولة أوروبية في شعب عربي : تستنزف أرزاقه لتشيد مبانيها وطرقاتها ووسائل الرفاهية فيها .. تبعث بعملائها من الشرطة والصيارفة إلى ريفنا ليجمعوا لها الضرائب والمحاصيل لتشبع هي ويجوع الفلاحون .. إنها دولة أنشأها المستعمرون على ما يتفق مع ضرورات الحياة الأوروبية …. فلما تولاها ” الوطنيون ” دخلوا بها مباراة التقدم مع باريس ولندن وبرلين .. فبرزت وتورمت بقدر ما امتصت من دماء الشعب .. وفي كل عام تتسع الفجوة الحضارية التي تفصل العاصمة عن المعصومين .. إنها كما كنت أسمّيها ” مملكة القاهرة المتحدة ” .. التي حلت محل المملكة المتحدة / انجلترا في استغلالها لجموع شعبنا العربي في الريف .. ولم تزل .. فما العمل ؟ ..
قال صديق مرح في حالةٍ من يأس : تُحرق كما أحرق نيرون روما .. وضحكنا …
ولكن … هل أحرق نيرون روما حقاً ؟
هكذا قال المؤرخون …
ويلٌ للمؤرخين ..
إذا كان التاريخ المعاصر ، تاريخنا ، يُزيّـف علناً وبدون حياء … فما بال المؤرخين الأقدمين ..
انتقلنا إلى المكتبة ( مكتبة السجن ) نبحث عن تاريخ نيرون .. أو تاريخ الرومان .. وانقضى اليوم فانقضى اليوم المرِح .. لكنه علق برأسي لا يفارقه .. وكان ذلك يعني – كما يحدث عادة – أن الأمر قد تحول من الهزل إلى الجد ، وأن عليّ أن أكابد لأعرف الإجابة الصحيحة عن السؤال : هل أحرق نيرون روما فعلاً ؟ ….
وهكذا اتجهت دراسة نيرون اتجاهاً جديداً .. فإذا بالمفاجأة تأتي من مراجع التاريخ في مكتبة السجن .. إن اتهام نيرون بالاستبداد لم يكن إلا شائعة أطلقتها الثورة المضادة لاتجاهه التقدمي في روما حينئذٍ .. فولّدت في نفسي بذرة مسرحية .. مسرحية ” محاكمة نيرون ” ..
وبعد السجن نبتت وترعرعت عندما أمدتها المراجع المتاحة بما يؤكد الخطأ الجسيم الذي تعبر عنه شائعة الاستبداد التي أطلقها أعداؤه .. إن نيرون في ظروفه التاريخية كان أكثر أباطرة روما إنسانية وعدالة وتقدماً .. بالرغم من كل ما قاله وروّجه مجلس الشيوخ الروماني الذي قاد الثورة المضادة ضد نيرون ..
المسألة تتعلق بمنهجية قراءة وفهم التاريخ ..
مجرد تصحيح المنهج يقدم الإجابة الصحيحة على الأسئلة التاريخية )) .
ذلك هو الدافع عند الدكتور عصمت وراء كتابة المسرحية …
المحور الأساسي الذي تدور حوله وقائع ومشاهد المسرحية وكل ما جاء فيها من أفكار هو مسألة تزوير التاريخ وإعدام الحقيقة ..
تضمنت المسرحية كل إبداعاته الفكرية والمنهجية والفلسفية وقناعاته ومواقفه السياسية : أركان منهج جدل الإنسان وهو مبدع جدل الإنسان .. فلسفته في القانون وهو رجل القانون .. نظرية تغيير الواقع المستوحاة من المنهج ، وهو صاحب نظرية الثورة العربية ..
محاكمة تاريخية .. لم يكن الهدف منها تأكيد براءة نيرون من تهمة إحراق روما وباقي الاتهامات ، أو دحض الأكاذيب والافتراءات التي أطلقها معارضو نيرون وخصومه ، حتى دوّنها المؤرخون في مراجع التاريخ على أنها هي الحقيقة .. ولا زالت حتى اليوم بعد ألفي عام من رحيل نيرون هي الشائعة التاريخية التي أصبحت وكأنها هي الحقيقة … وإن كان نيرون ضحية الكذب والافتراء والتزييف … فالضحية الأولى والأكبر هي … الحقيقة .
أبرز ما أراده من خلال المسرحية :
– توجيه رسالة إلى الجيل الجديد من أبناء الأمة العربية ..
– التأكيد على قاعدة منهجية في قراءة وفهم التاريخ :
الرسالة :
– البحث عن الحقيقة في المراجع والمصادر المختلفة بعيداً عن منطق الشائعات والنقل والتقليد والقال والقيل .. لتظهر الحقيقة على حقيقتها عارية تماماً من أي اتهام أو زيف وافتراء .. أو على الأقل ليقترب من الحقيقة كما حصلت في إطار موقعها الحقيقي في الزمان والمكان .
القاعدة :
لفهم اي ظاهرة بأي مرحلة من مراحل التاريخ ، فهماً علمياً موضوعياً ، بعيداً عن الأهواء والمواقف الخاصة ، أن تضعها بموقعها الحقيقي في الزمان والمكان ، وسط الظروف والعوامل التي أنشأتها أو أسهمت بإنشائها ، وأن تقرأ وقائع وأحداث التاريخ في إطار ما أطلق عليه في منهج جدل الإنسان ” المربع الذهبي ” : ( لماذا ؟ متى ؟ اين ؟ كيف ؟ ) .. أخيراً أن تحاكمها وتحكم عليها وفقاً لمعايير موقعها التاريخي زماناً مكاناً ، لا بمعايير اليوم الذي تعيش فيه .
نهاية المسرحية :
لم تصدر هيئة المحكمة أي حكم في القضية ، خاصة أنها قضية تاريخية أصبحت في ملفات الماضي البعيد .. إلا أنها قبل أن يُسدل الستار في نهاية الفصل الأخير من المسرحية ، تَعرِض على المتهم نيرون قبول حكم الناس .. فيقبل نيرون طائعاً بكل رحابة صدر ، ثقة بحكم الناس .. وهو الذي عمل منذ اعتلائه عرش السلطة من أجل الناس .. بل من أجل تحرير طبقة العبيد طبقة الأغلبية الساحقة في مجتمع روما ، وانتشالها من مستنقعات الفقر والذل والعبودية …
ليبقى في النهاية حكم الناس هو القرار النهائي ، بعد أن كشفت مداولات المحاكمة أبرز الحقائق المتعلقة بالقضية وفقاً لمنهجية المربع الذهبي : لماذا ؟ متى ، اين ؟ كيف ؟ .
(( لم يكن في المسرحية أداءً مباشراً ، لا في الأشخاص ، ولا في الأحداث ، ولا في المعاني … أعني أنها لم تكن مسرحية رمزية .. ولقد نُشِرتْ المسرحية .. وفهمها كلّ من أراد كما يشاء )) ..
لتبقى الحقيقة عند طلاب الحقيقة هي الغاية والهدف ..
تحية إلى كل من يبحث عن الحقيقة من أجل ” إعدام ” قوى الافتراء والتضليل .. وتحرير طبقة الغافلين المغفلين من ظلمات التزييف والضلال والتضليل .