الصحافه

هآرتس: كيف يبدو مفهوم “وحدة الساحات” بعد اغتيال “ضيف طهران” ورئيس أركان “حزب الله”؟

هآرتس: كيف يبدو مفهوم “وحدة الساحات” بعد اغتيال “ضيف طهران” ورئيس أركان “حزب الله”؟

“هبوا ننتقم للحسين”… كلمات ظهرت على الأعلام الحمراء التي رفعت على مساجد إيران بعد تصفية هنية، وفي جنازة فؤاد شكر في بيروت.
دعوة الانتقام لموته تظهر أن استراتيجية “وحدة الساحات” تتجاوز خطوط الحدود الطائفية والدينية، وكلها مجندة للنضال الوطني الفلسطيني، لا سيما نضال حماس. تحول عنصر الانتقام هذا الأسبوع إلى عنصر رئيسي بعد اغتيال هنية وشكر، ودفع إلى الزاوية العناصر الاستراتيجية التي أمْلت ميزان القوى الإقليمي والعلاقة التي أنشأها حزب الله بين لبنان وقطاع غزة، بل صممت أيضاً “معادلة الرد” التي هي أساس قواعد الصراع حتى الآن، وعلى رأسها تلك التي صيغت في الحرب بين حزب الله وإيران، وبين إسرائيل.
جدول الأعمال الذي استخدمته كل من إسرائيل وحزب الله لتنظيم “حجم الرد ونطاقه”، حدد خطوطاً حمراء أشارت إلى وقت بدء التصعيد الذي يحتاج إلى رد شديد، لكنه فقد أهميته بعد قتل شكر وهنية. أمس، نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية المقربة من حزب الله مقالاً شديداً اتهمت فيه الوسيط الأمريكي عاموس هوكشتاين مباشرة، بشراكة كاملة في جريمة تصفية شكر. كاتب المقال المجهول، وكما يبدو كتبه محرر الصحيفة إبراهيم الأمين، كتب أن هوكشتاين نقل رسالة واضحة تقول إن بيروت والضاحية والمطار لن تهاجم رداً على قتل الـ 12 طفلاً وفتى في مجدل شمس.
وكشف كاتب المقال أيضاً أن هوكشتاين نقل إلى حزب الله عبر الوسطاء اللبنانيين، من بينهم رئيس البرلمان نبيه بري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، اقتراحاً يقضي بامتناع إسرائيل عن الرد على مقتل الأطفال مقابل موافقة الحزب على الانسحاب إلى شمال الليطاني. الحزب رفض هذا الاقتراح ورفض مناقشة الموضوع. باختصار، كانت هذه خدعة. تصفية شكر، كما بين الكاتب، “رسمت خطاً فاصلاً بين ما كان قبلها وما سيكون بعدها”. هذه الأقوال تعكس موقف رئيس حزب الله، حسن نصر الله، لأن الحزب في نهاية المطاف يدير الآن معركتين مع إسرائيل: الأولى باسم “وحدة الساحات” التي تشترط وقف إطلاق النار في لبنان بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والثانية معركة منفصلة بين حزب الله وإسرائيل غير مرتبطة بالتطورات في غزة. المعنى أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، فما زال حزب الله ملزماً بالانتقام لدماء شكر. كيف ومتى سيرد حزب الله؟ أجاب أمس نصر الله على ذلك في خطابه عندما قال “التطورات في الميدان والفرص العملياتية هي التي ستحسم”.
لكنها لن تكون وحدها العنصر الحاسم؛ لأنه بعد مقتل هنية في إيران بعد بضع ساعات على احتفال تنصيب الرئيس مسعود بزشكيان، تم بناء “وحدة ساحات” جديدة، ليس من أجل غزة، بل وحدة قد تخطط وتبادر وتنسق وتنفذ الرد المناسب على عملية الاغتيال التي اعتبرتها طهران مساً شديداً بسيادتها. إلى جانب ضرورة جباية الدين الذي هي مدينة به لمن كان ضيفها. حسب وكالة “رويترز”، هذا تنسيق بدأ يتبلور، وممثلون كبار من الحوثيين والمليشيات الشيعية في العراق وحزب الله، اجتمعوا أمس في إيران مع قادة كبار في حرس الثورة لمناقشة تنسيق الرد ضد إسرائيل.
الحساب المنفرد الذي فتح بين إسرائيل وحزب الله سيكون جزءاً لا يتجزأ من حساب الحسابات الذي تعده إيران، سواء بشكل مباشر، أي المهاجمة من أراضي إيران كما أمر الزعيم الأعلى علي خامنئي (حسب تقرير “نيويورك تايمز”)، أو بالمشاركة الفعالة لوكلاء إيران في العراق اليمن ولبنان. في هذه الأثناء، هذا هو السيناريو الذي تستعد له إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى. في الوقت نفسه، تريد طهران التمهيد من أجل الحصول على دعم سياسي وإقليمي للعملية التي تخطط لها.

العلاقات الاستراتيجية

وزير الخارجية المؤقت في إيران، علي باقري – قاآني، أجرى أمس سلسلة محادثات مع نظرائه في السعودية ومصر وتركيا وقطر. لم يرد فقط التوضيح لهم وإقناعهم بالرد على قتل هنية في إيران، بل بالأساس ضمان ألا تمس العملية الإيرانية بشبكة العلاقات واستراتيجية التقارب مع دول المنطقة التي سعى إليها النظام في طهران. لم يتبين بعد كيفية رد من تحدث معهم وزير الخارجية، لكن كل زعيم من زعماء هذه الدول أجرى محادثات مع جهات رفيعة في الإدارة الأمريكية. وطلب هؤلاء منهم منع أي رد لإيران قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة، أو على الأقل إقناع إيران بالرد بصورة “محسوبة ومحددة”.
شبكة العلاقات التي بنيت بحرص وجهود في السنتين الأخيرتين، شملت استئناف العلاقات مع الإمارات والسعودية، وتطلع إيران إلى استئناف العلاقات مع مصر، التي للمرة الأولى أرسلت مبعوثاً للمشاركة في احتفال تنصيب الرئيس الجديد في إيران، ربما يكون لها تأثير كبير على حجم رد إيران، التي تعتبر أن لهذه العلاقات مع هذه الدول أهمية استراتيجية كبيرة، وحتى “ساحة منافسة” بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة.
محللون في إيران يعتبرون شبكة العلاقات هذه أداة ضرورية ليس فقط لإخراج إيران من العزلة السياسية، بل أيضاً صد نية الغرب في تأسيس تحالف عسكري استراتيجي ضدها، مثل التحالف الذي يناقش بين السعودية والولايات المتحدة، الذي بقي على الرف في هذه الأثناء.
الرئيس بزشكيان مدعوم من الحركات الإصلاحية، وفي الوقت نفسه يحظى بدعم خامنئي، حتى الآن. هو أعلن عن رغبته في إدارة سياسة خارجية “ودية”، حتى إنه أشار إلى الاستعداد لمناقشة موضوع المشروع النووي في بلاده. انتخابه كرئيس يلزم إيران بفحص تداعيات عملية عسكرية كبيرة والانجرار إلى حرب إقليمية على استراتيجيتها السياسية، لا سيما أمام إمكانية انتخاب ترامب لرئاسة الولايات المتحدة في تشرين الثاني القادم.
إن فتح جبهة إقليمية عنيفة قد يقوض جهود إيران السياسية، ويضعها كهدف أمام الولايات المتحدة، ويرسخ كتلة الدول الغربية إلى جانب الولايات المتحدة، وبشكل ضمني إلى جانب إسرائيل. كتاب أعمدة في إيران ينشرون في وسائل الإعلام الرسمية، تحدثوا عن الحاجة إلى إعادة الردع وتعليم إسرائيل والولايات المتحدة درساً. ولكن إلى أي درجة ستكون طهران مستعدة لتعريض مكانتها للخطر للثأر لدماء زعيم حماس، حتى لو تعلق الأمر بجباية دين لكرامتها الوطنية؟ إيران ملزمة أيضاً بفحص تداعيات الرد العسكري على موقف أذرعها، لا سيما حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية في العراق، التي تعرضت هذا الأسبوع لقصف الجيش الأمريكي.
الطموحات المشتركة بين إيران وحزب الله بتسوية الحساب مع إسرائيل يجب أن تأخذ في الحسبان رد إسرائيل في لبنان، الذي يمكن لإيران وحزب الله في أعقابه فقدان المعقل الاستراتيجي الأهم بالنسبة لهم. حتى إنه لا يمكنهم الاعتماد على الاعتقاد السائد الذي كان في مركز استراتيجية “معادلة الرد” التي بحسبها لن تشن إسرائيل حرباً شاملة مع لبنان، لا سيما أن على إيران وحزب الله في هذه المرة الاستعداد كي لا تكون أي منطقة أو موقع لبنى تحتية خارج الحدود.
حسن نصر الله بنى معادلة الرد على فرض أن إسرائيل لا تريد أو لا تستطيع إدارة حرب على جبهتين. في هذا الأسبوع، كان يمكنه قراءة تحليلات الصحف اللبنانية التي أوضحت بأن قرار تصفية شكر في قلب بيروت وهنية في قلب طهران، لا يدل فقط على استعراض قوة إسرائيل الاستخبارية والعملياتية، بل يدل على قرار استراتيجي لإظهار الاستعداد لشن حرب شاملة.
لا تأكيد على أن هذا قرار استراتيجي لإسرائيل، لكن الأهم هو الطريقة التي تنظر فيها إيران وحزب الله إلى عملياتها. وهذا لا يعني أن الاعتبارات هذه، مهما كانت موزونة، ستمنع الرد من لبنان وإيران، لكن ربما يكون لها وزن كبير على حجمه، وفي الأصل حجم الرد الذي تتوقعه إسرائيل. عندما تنتقل الساحة الرئيسية إلى لبنان وإيران، فإن غزة -ذريعة وجود “وحدة الساحات” والمواجهة بين إسرائيل وحزب الله- ستغدو على هامش الساحة. ولكن دون اختفائها. قد تدعي إسرائيل بأن حماس تفككت، وأن معظم قيادتها تمت تصفيتها، وأن قدرتها العسكرية تقلصت ولم تعد تشكل أي “تهديد وجودي” على إسرائيل، ولكن مفتاح تحرير المخطوفين الـ 115 في يد السنوار وليس في يد حسن نصر الله أو طهران.
حسن نصر الله فتح حساباً منفصلاً مع إسرائيل، لكن نهاية المواجهة مع لبنان تتعلق بوقف إطلاق النار في غزة. هذه المعادلة لم تغيرها أي تصفية حتى الآن.

تسفي برئيل
هآرتس 2/8/2024

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب