تحقيقات وتقارير

أزمة حضرموت والمهرة: المسار والتحول

أزمة حضرموت والمهرة: المسار والتحول

أحمد الأغبري

 

صنعاء ـ : اجتياح ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) وادي حضرموت ومحافظة المهرة في الثالث والرابع من كانون الأول/ديسمبر، وتمكنه من السيطرة على مساحة تتجاوز نصف جغرافيا اليمن، كان حدثًا فارقًا على مسار الأزمة اليمنيّة، التي دخلت، من خلاله، منعطفًا جديدًا يُفضي إلى تحول مختلف، لكن هذه المرة خصمًا من حساب الوحدة اليمنيّة.

ما شهده شرق اليمن، خلال الأسبوعين الماضيين، من تحولات لم تكن مفاجئة، لكنها عميقة التأثير في مسار العملية السياسية في نطاق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، وسيترتب عليها تطورات سيتزايد معها ضعف الحكومة وانحسار نفوذها، التي لم تملك إزاء مواجهة تلك التطورات سوى المغادرة إلى العاصمة السعودية؛ واستمرار تواتر تصريحات الرفض لما تسميه «التصرفات الأحادية» للانتقالي، والمطالبة بخروج قوات الأخير من المحافظتين حضرموت والمهرة.
لم تقتصر تلك الأحداث على اجتياح قوات المجلس الانتقالي (المطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله) لوادي حضرموت ومحافظة المهرة، واستكمال السيطرة على ما تبقى من محافظة شبوة شرقي البلاد، بل امتدت إلى تعزيز الانتقالي لنفوذه العسكري والأمني في محافظة عدن، التي غادرتها قوة الحماية الرئاسية والقوات السعودية والسودانية إثر ذلك، بالتوازي مع تنفيذه عملية إعادة انتشار لوحداته هناك، مُسيطرًا على كافة المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها القصر الرئاسي، واسقاط رمزيات الدولة، ليفرض الانتقالي رمزياته على طريق دولته المزعومة دولة الجنوب العربي.
كما نفذ إعادة انتشار وتموضع عسكري في المحافظات الجنوبية الأخرى؛ بالتوازي مع استمرار التحشيد وتعزيز قواته في وادي حضرموت ومحافظة المهرة؛ وبالتالي أصبحت الموانئ والمطارات ومعسكرات الدولة (سابقًا)، بما فيها من عتاد في حوزة الانتقالي في جميع محافظات جنوب وشرق البلاد، باستثناء وجود محدود لقوات درع الوطن، التابعة لوزارة الدفاع والممولة سعوديًا، والتي ينتمي معظم أفرادها للتيار الديني السلفي.
كان الانتقالي (أُنشئ عام 2017 ويتلقى دعمًا من أبو ظبي) وعقب الإعلان عن نفسه ومشروعه؛ وسبقها تشكيل وتسليح وحدات مستقلة عن قوات الدولة (قوات الأحزمة الأمنية والنُخب)، قد بدأ فعلاً في تنفيذ خطته، في السيطرة على المحافظات الجنوبية والشرقية؛ أو إسقاطها إن جاز القول، على مرأى ومسمع من الدولة القائمة، فسيطرت قواته على عدن، لدرجة أصبحت الحكومة المعترف بها دوليًا هناك لا تستطيع تنظيم فعالية عامة إلا بموافقته، بل لقد تراجع الاحتفاء بالوحدة اليمنية حد اختفاء الإشارة إليها تمامًا في الخطاب الحكومي والأخبار الرسمية، بما فيها خطابات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي بدا وكأنه متسامح مع مشروع الانتقالي.
في عمليات متوالية سيطر الانتقالي على محافظات أرخبيل سقطرى وأبين ولحج والضالع وشبوة؛ وهذه الأخيرة سقط معظمها مع محافظة أبين عام 2022 في عملية تفاصيلها تُخجل الحكومة، واستكمل الانتقالي في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، بالتوازي مع إسقاط وادي حضرموت، السيطرة التامة على محافظة شبوة النفطية المجاورة لحضرموت.
عقب سيطرته على محافظة شبوة، كان قد سبق له السيطرة في وقت مبكر على ساحل محافظة حضرموت، من خلال المنطقة العسكرية الثانية (بعد إعادة هيكلتها)، بما فيها ما تُعرف بقوات النُخبة الحضرمية المدعومة من أبو ظبي، التي ما تزال تحتفظ بقوة عسكرية في مطار الريان في المكلا عاصمة المحافظة الأكبر مساحة والأغنى نفطًا في اليمن. بالإضافة إلى ذلك يوجد للانتقالي قوات أخرى محسوبة عليه بشكل مباشر كلواء بارشيد المتمركز غرب المكلا.
لم يكن قد بقي للانتقالي لإحكام سيطرته على الجنوب والشرق اليمنيّ سوى وادي حضرموت ومحافظة المهرة (مساحتهما تتجاوز60 في المئة من مساحة الجغرافيا اليمنية؛ إذ تبلغ مساحة المحافظتين 275 ألف كيلومتر مربع) وبعضًا من محافظة شبوة.

المنطقة الأولى

في وادي حضرموت ومعظم محافظة المهرة كانت تنتشر ألوية ومعسكرات المنطقة العسكرية الأولى، وهي آخر ما تبقى في جنوب وشرق اليمن من قوات الجيش الحكومي، الذي يعود في تكوينه لما قبل الحرب، أما بقية المناطق العسكرية في الجنوب والشرق؛ فكان قد تمت السيطرة عليها وإعادة هيكلتها خارج العقيدة العسكرية للدولة؛ لهذا لم يكن مفاجئا خلال أحداث اجتياح الانتقالي لوادي حضرموت ومحافظة المهرة أن ظهر وزير الدفاع في الحكومة المعترف بها، محسن الداعري، في أحد اجتماعات المجلس الانتقالي.
خطة الانتقالي في التوجه نحو وادي حضرموت ومحافظة المهرة لم تكن مفاجئة؛ بل كانت أنشطة الانتقالي في ساحل ووادي حضرموت ومحافظة المهرة تؤكد نزوعه وإصراره على المضي نحو هدفه، ممثلًا في استكمال السيطرة على تلك المناطق؛ وخاصة منطقة وادي حضرموت باعتبارها ورقة الجوكر الاقتصادية والسياسية في مشروعه الانفصالي الرامي إلى إنشاء دولته المزعومة (دولة الجنوب العربي) على جغرافيا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي كانت قائمة في جنوب وشرق اليمن قبل 22 أيار/مايو 1990.
علاوة على فرض سيطرته عليها كان يستهدف، أيضًا، التخلص مما تبقى من قوات الجيش التابعة للدولة، ممثلًا في المنطقة العسكرية الأولى والاستيلاء على عتادها، والهدف الآخر كان يتمثل في مواجهة مشروع حلف قبائل حضرموت (أنشئ عام 2013)، الذي ظهر في العامين الأخيرين مناهضًا بقوة لمشروع الانتقالي في الوادي، ومتبنيًا مطلب الحكم الذاتي لحضرموت.

حلف حضرموت

كان الحلف قد تصدّر المشهد السياسي في المحافظة، وتحديدًا منذ منتصف 2024، من خلال وقوفه خلف الاحتقان السياسي والاستنفار القبلي ضد السلطة المحلية والحكومة المركزية، على خلفية مطالب حقوقية وسياسية تتعلق بالأوضاع المعيشية لأبناء المحافظة.
وهي الأزمة التي تصاعدت بين الحلف ومؤتمر حضرموت الجامع (مكون سياسي مواز للحلف يرأسهما الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول المحافظة) من جهة، والسلطة المحلية والحكومة المركزية من جهة ثانية. قاد الحلف والجامع تصعيدهما ضد السلطة المحلية والحكومة، بشكل واضح، منذ تموز/يوليو 2024، جراء ما اعتبره الحلف والجامع «سوء إدارة الشأن العام» في المحافظة، وتدهور الخدمات؛ وهو ما عبّر عنه بيان مؤتمر حضرموت الجامع في 13 تموز/يوليو، والذي منح السلطة المحلية مهلة شهر لتلبية مطالبه الخدمية. تلا ذلك بيان للحلف بتاريخ 31 منه طالب فيه بـ«تثبيت حق حضرموت في نفطها قبل أي تصرف فيه». وقبل ذلك «المطالبة باعتراف مجلس القيادة الرئاسي بحق حضرموت، وتفعيل دور الشراكة الفاعلة والحقيقية، ممثلة في مؤتمر حضرموت الجامع».
هدد الحلف بـ«وضع اليد على الأرض والثروة» عقب انتهاء مهلته، التي منحها لمجلس القيادة الرئاسي، ومدتها 48 ساعة، وبدأ، بالفعل، عقب المهلة، في نشر مسلحيه والسيطرة على مواقع حقول الإنتاج النفطي بموازاة استمرار الاستنفار القبلي في الهضبة الحضرمية، وصولًا إلى إعلان الحلف في 28 تشرين الأول/أكتوبر، أن تحقيق الحكم الذاتي الذي يحفظ لحضرموت الاستقلالية، بات «حاجة ملحة»، فيما تم في 25 كانون الأول/ديسمبر 2024 إعلان الحلف تشكيل «قوات حماية حضرموت» كقوة مسلحة غير حكومية. وفي 12 نيسان/أبريل 2025 عقد الحلف «لقاء حضرموت»، وانتهى إلى تأكيد المطالبة بالحكم الذاتي لحضرموت.
وكان مجلس القيادة الرئاسي قد أعلن في كانون الثاني/يناير «خطة تطبيع الأوضاع في محافظة حضرموت»، وتضمنت ما يمكن اعتبارها تلبية بعض مطالب الحلف؛ إلا أن المجلس تأخر في وضع خطة تنفيذية مزمّنة لها، وفي المقابل ارتفعت نبرة خطاب الحلف.
في21 أذار/مارس نشر رئيس الحلف، عمرو بن حبريش، على حساب الحلف في منصة «فيسبوك» خبرًا عن لقاء جمعه في جدة بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. وفي 12 أيار/مايو أعلن رئيس الحلف، تشكيل، ما سماه، فريقًا مختصًا لإعداد، ما اعتبرها «كافة الوثائق الأساسية لبناء الحكم الذاتي»، الذي يتطلع الحلف أن تناله حضرموت. جاء ذلك بالتزامن مع إعلان عضو مجلس القيادة الرئاسي، فرج البحسني، أن المجلس كلفه بالإشراف على وضع الحلول اللازمة لاحتواء الأوضاع في محافظة حضرموت. وفي 24 حزيران/يونيو الجاري أعلن الحلف «وثيقة المبادئ الأساسية للحكم الذاتي في حضرموت».
في أيلول/سبتمبر أعلن الحلف، استحداث ثلاثة ألوية في قوام فصيله المسلح؛ وذلك بعد ثلاثة أشهر من إعلان تشكيل اللواء الأول في «قوات حماية حضرموت»، التي أعلن الحلف عنها في كانون الأول/ديسمبر 2024 كفصيل مسلح خاص به، ويعزز من قوة مشروعه السياسي.
وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر، نظّم الحلف، عرضًا عسكريًا لقوات فصيله المسلح، وكان الهدف من العرض إرسال رسالة، وعلى ما يبدو أنها وصلت للانتقالي؛ فسرّع من خطاه نحو الوادي؛ فبدأ في إرسال قوات إلى ساحل حضرموت من محافظات مجاورة؛ لتظهر لاحقًا في حضرموت ما تُعرف بـ«قوات الدعم الأمني» وهو فصيل مسلح جديد تابع للانتقالي.
بالإضافة إلى قوات الحلف يتواجد في المحافظة فصيلان مسلحان كل واحد منهما مدعوم من إحدى دولتي التحالف، فبينما أنشأت وتدعم الإمارات قوات «النخبة الحضرمية» وفصائل أخرى كقوات الدعم الأمني، أنشأت السعودية وتدعم قوات «درع الوطن»، لتشكل «قوات حماية حضرموت» عنوانًا ثالثًا للحضور المسلح في المحافظة، التي برزت لعقود طويلة ضمن قائمة أكثر المحافظات اليمنيّة مسالمة وبُعدًا عن مراكز الاحتراب.
ينطلق مشروع حلف قبائل حضرموت من النزعة الحضرمية، ويعبّر عنها من خلال رفع راية الحكم الذاتي؛ وهو المشروع الذي يمثل تهديدًا وجوديًا لمشروع المجلس الانتقالي، الذي يرى في حضرموت جزءًا مهمًا مما يُسميها «الهُوية الجنوبية» لمشروع دولته.
لكن في كل الأحوال؛ فإن المشروعين مشروع الحلف ومشروع الانتقالي، يمثلان تهديدًا لما تبقى من كيان الدولة اليمنيّة، لاسيما وأن المشروعين يتحدثان بوضوح عن أهدافهما.

استعدادات

يمكن القول إن ظهور مقدمات الاجتياح قد أعلنت عن نفسها في بيان الحلف بتاريخ 16 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، من خلال ظهور فصيل مسلح جديد باسم «قوات الدعم الأمني» التابع للانتقالي، وقد صار متواجدًا في حضرموت، وفي البيان أدان الحلف ما حصل في منطقة الكعدة، محذرًا، «تلك المجاميع المسلحة المسماة بـ(الدعم الأمني) من غزو حضرموت والعبث بأمنها واستقرارها»، معربًا عن رفضه «لتواجدها رفضًا قاطعًا».
وأوضح إن «أرتالاً مسلّحة خرجت بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وعشرات الأطقم والعربات التابعة لمجاميع معظم أفرادها من خارج حضرموت، وليس لهم أي صفة شرعية أو دستورية، وقد قامت تلك المجاميع بعمليات استفزازية متكررة، وأطلقت النار على المواطنين المارّين في الطرقات».
وأضاف أن تلك المجاميع قامت أيضًا «باعتقال مجموعة من المارّة الذين كانوا عابري سبيل، والزج بهم في السجون، ولا يزال بعضهم في عَدَاد المفقودين».
وصدرت روايتان أخريان للحادث تكادان تتطابقان؛ أولاها رواية المنطقة العسكرية الثانية، وفيها قوات النخبة الحضرمية. الرواية الأخرى كانت للهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت.
في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، تحدث رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، عن «تطبيع الأوضاع في عدد من المحافظات»؛ غداة بيان مثير للجدل نشره عضو مجلس القيادة الرئاسي، عوض البحسني، أتهم فيه رئيس المجلس، بالوقوف وراء ما آلت إليه الأوضاع في محافظة حضرموت، حد قوله.
وفي محافظة المهرة، جددت لجنة الاعتصام السلمي (مناهضة للانتقالي)، رفضها لوجود ما تسمى بـ«قوات درع الوطن» (المدعومة سعوديًا) في المحافظة؛ لأن التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، تتحول إلى أدوات صراع داخلي، وتفتح الباب أمام النفوذ الخارجي، حد تعبير ما صدر عن الناطق باسم اللجنة.
تصاعد التوتر في وادي حضرموت، وخاصة عقب التهديد الصادر على لسان قائد ميليشيا ما تسمى «قوات الدعم الأمني» التابعة للانتقالي، صالح بن الشيخ أبوبكر (أبو علي الحضرمي)، خلال فيديو متداول في اجتماع له بمنطقة قصيعر. وكان التهديد موجهًا ضد حلف قبائل حضرموت، ورئيس الحلف، عمرو بن حبريش، وتضمّن اتهامًا للحلف بقطع الطرقات وتجارة المخدرات، متوعدًا بقطع طريق الإمدادات عن قوات الحلف.
وأكدَّ أبو علي الحضرمي استعدادهم للهجوم على قوات الحلف، انطلاقًا من قوله إن حضرموت مرتبطة بما تسمى «دولة الجنوب العربي»، التي يزمع الانتقالي انشائها في جنوب وشرق اليمن، وإن القوات التي ستحفظ أمن واستقرار المحافظة هي فقط القوات المسلحة الجنوبية التابعة للانتقالي؛ وأن أي قوات أخرى لن تكون موجودة.
مثّل هذا التهديد تحولًا خطيرًا في مسار الأزمة، التي تعيشها هذه المحافظة، منذ نحو عامين تقريبًا.
ظهور لغة التهديد لا يأتي من فراغ؛ إذ لابد من أن الانتقالي تلقى دعمًا وضوءًا أخضرًا بالضم القسري لوادي حضرموت لخريطة نفوذه.
بالمقابل، أعلن حلف قبائل حضرموت عن لقاء قبلي موسع في الهضبة، دعا إليه كافة زعامات قبائل حضرموت، «لتدارس الموقف تجاه المستجدات التي تهدد أمن واستقرار المحافظة».
انطلاقًا من حساسية الوضع، استشعرت محافظة المهرة، المحادة لعُمان والمجاورة لحضرموت، خطورة ما تشهده المحافظة، وأصدرت لجنة اعتصام أبناء المهرة السلمي، بيانا، أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء «ما تشهده محافظة حضرموت من تصعيد خطير، عقب التهديد الصريح الذي أصدره المدعو أبو علي الحضرمي موجهاً ضد حلف قبائل حضرموت، في خطوة تنذر بمحاولة إشعال فتنة واسعة قد تدفع بالمحافظة إلى أتون صراع وفوضى غير محسوبة النتائج».
في 26 تشرين الثاني/نوفمبر، أعربت السلطة المحلية في حضرموت، في بيان، عن قلقها «مما تشهده الساحة من دعوات التصعيد والحشد وتهدف للنيل من وحدة الصف وتماسك المجتمع».

استمرار التحشيد

بالتزامن استمر الانتقالي في التحشيد العسكري صوب حضرموت؛ حتى وصل قوام قواته الوافدة هناك نحو ثمانية ألوية، وفق مصادر في الحلف.
في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، صدر قرار رئاسي بتعيين سالم الخنبشي محافظًا جديدًا لحضرموت، لعله يستطيع نزع فتيل التوتر.
فيما أقرّ البيان الختامي الصادر عن اللقاء العام لزعماء ومشايخ ووجهاء قبائل محافظة حضرموت، «المقاومة بكل الطرق والوسائل دفاعًا عن حضرموت وثرواتها»، في الرد على التصعيد والتحشيد المسلح للمجلس الانتقالي .
مع استمرار التحرك لقوات الانتقالي صوب وادي حضرموت استبقت قوات حلف قبائل حضرموت في 29 تشرين الثاني/نوفمبر، وسيطرت على مقر شركة بترومسيلة (كبرى الشركات النفطية في اليمن)، والواقعة في الهضبة النفطية، وبالتزامن أعلنت الشركة إيقاف عملها.
كانت قوات الانتقالي قد وصلت إلى بعض مديريات الوادي، وبدأت في تعزيز حضورها العسكري في محيط الشركات النفطية، حتى أصبحت على مقربة من قوات الحلف.
إزاء ذلك؛ قال رئيس حلف قبائل حضرموت، في تصريحات تلفزيونية، إن «حضرموت تتعرض لغزو خارجي من قبل قبائل من محافظات أخرى؛ وهي قبائل مسلحة دخلت المحافظة بحشود كبيرة، وسيطرت على مصب الضبة النفطي في البحر العربي، كما سيطروا على مواقع كثيرة في الساحل، بالإضافة إلى تهديد قوات النخبة الحضرمية واستبدال بعض الألوية بقوات من خارج المحافظة».
وأوضح: «نحن قمنا بخطوة استباقية، وسيطرنا على المنشآت النفطية لشركة بترومسيلة وتعزيز حمايتها وأمنها».
في الثاني من كانون الأول/ديسمبر كانت قوات الانتقالي قد وصلت إلى مشارف مدينة سيئون عاصمة وادي حضرموت.

أحداث ومسارات

في صباح الثالث من كانون الأول/ديسمبر أعلن الانتقالي عن سيطرة قواته على وادي حضرموت من خلال عملية اسماها «المستقبل الواعد» سقطت خلالها مدينة سيئون، بعد مواجهات محدودة تراجعت معها قوات المنطقة العسكرية الأولى، وخلال وقت قصير كانت قوات الانتقالي في مقر قيادة المنطقة، في تطور دراماتيكي مازالت تفاصيله مجهولة.
استمرت قوات الانتقالي في فرض سيطرتها على بقية مواقع ومعسكرات المنطقة العسكرية الأولى على امتداد المديريات في الوادي والصحراء بعد سقوط آخر معاقل القوات الحكومية اليمنيّة في جنوب وشرق البلاد.
في الأثناء، أسفرت لقاءات الوفد الأمني والعسكري السعودي الزائر لحضرموت عن التوصل إلى اتفاق بين حلف قبائل حضرموت وقيادة السلطة المحلية، ممثلة بالمحافظ، سالم الخنبشي، ينتهي بموجبه التوتر والاحتقان، وحل مشكلة وجود قوات الحلف في محيط شركة بترومسيلة النفطية.
وقال رئيس الحلف، على حسابه في منصة «إكس»:»إننا من جانبنا على استعداد للبدء في خطوات التنفيذ بموجب ما نصت عليه بنود الاتفاق الموقع من الطرفين، وذلك وفق آلية التنفيذ المتفق عليها».
بالتزامن؛ أكدَّ الانتقالي سيطرة قواته على معسكر «عارين» في مديرية عرماء بمحافظة شبوة، في سياق ما اعتبره خطوة هامة لقطع خطوط الإمداد بين شبوة ووادي حضرموت؛ ومن خلال تلك الخطوة استكمل سيطرته على محافظة شبوة.
في صباح الرابع من كانون الأول/ديسمبر؛ قالت قوات حلف حضرموت إنها تعرضت لهجوم غادر من قوات الانتقالي خلال انسحابها من مواقع الشركات تنفيذًا للاتفاق، ما اضطرها للدفاع عن نفسها واستكمال الانسحاب؛ وبالتالي سيطرت قوات الانتقالي على مواقع الشركات النفطية؛ وعندئذ كانت محافظة حضرموت كلها قد صارت في سلة نفوذ المجلس الانتقالي.
في ذات اليوم، أعلنت وسائل إعلام دخول قوات الانتقالي مدينة الغيضة عاصمة محافظة المهرة، عقب إعلان قائد محور المهرة العسكري ولائه للانتقالي. سيطرت قوات الانتقالي على المؤسسات الحكومية، كما فعلت في وادي حضرموت، وبالتالي أحكم الانتقالي سيطرته دون قتال على المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية الحكومية في عاصمة المحافظة، وصولًا إلى المنافذ البرية مع سلطنة عُمان، وميناء نشطون على البحر العربي، وإنزال علم الجمهورية اليمنية واستبداله بعلم الانتقالي من على كل المؤسسات والمنافذ.
جاء هذا التطور بالتزامن مع استكمال الانتقالي فرض سيطرته على جميع الألوية العسكرية في جغرافيا وادي وصحراء حضرموت.
بالسيطرة على محافظة المهرة (82.405 كيلومتر مربع) استكمل الانتقالي السيطرة على محافظتين تمثل الأولى عمقًا استراتيجيًا لحدود اليمن مع السعودية، وتمثل الثانية ظهيرًا أمنياً استراتيجيًا لسلطنة عُمان، وفي حال تم إضافة محافظة شبوة، التي وقعت في سيطرة الانتقالي عام 2022، يكون شرق البلاد قد صار تحت هيمنة الانتقالي، بالإضافة إلى الجنوب. عقب ذلك غادر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عدن إلى الرياض معلنا رفضه لما سماها التصرفات الأحادية؛ متهمًا قوات الانتقالي بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في حضرموت، مشددًا على «عودة أي قوات مستقدمة من خارج المحافظات الشرقية، إلى ثكناتها».
الانتقالي لم يتوقف بل قام بإعادة تموضع وانتشار لقواته داخل مدينة عدن عقب سيطرته على القصر الرئاسي، التي غادرتها أيضًا قوة الحماية الرئاسية والقوات السعودية والسودانية.
خلال الأيام اللاحقة لاجتياح قوات الانتقالي وادي حضرموت ومحافظة المهرة نشرت وسائل إعلام محلية وثيقة تحمل توجيهات من قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي بالسماح بمرور موكب قائد المنطقة العسكرية الأولى (الحكومية)، اللواء صالح الجعيملاني، في النقاط العسكرية من حضرموت حتى مدينة عدن، في دلالة على ما يمكن اعتباره تواطؤ قيادة المنطقة مع الانتقالي عند دخول قوات الأخير مدينة سيئون ومديريات الوادي.
في التاسع من كانون الأول/ديسمبر أعلن رئيس الوفد السعودي الزائر لمحافظة حضرموت، محمد القحطاني، «تم التوصل مع أطراف السلطة المحلية وحلف قبائل حضرموت إلى صيغة مبدئية لضمان استمرار تدفق إنتاج النفط في بترومسيلة، وعدم تعطيل مصالح الناس، وتحييد مواقع النفط بعيدًا عن الصراع من خلال خروج القوات المسيطرة المتواجدة حاليًا في بترومسيلة، وأن تحل محلها قوات حضرمية تحت إشراف مباشر من السلطة المحلية بالمحافظة بما يضمن تطبيع الحياة».
لكن الانتقالي رفض الانسحاب من مواقع الشركات النفطية أو غيرها في حضرموت والمهرة مما يعتبرها مكاسب ميدانية حققتها قواته، ولن يتخلى عنها.
وفي محافظة المهرة، أعربت لجنة الاعتصام السلمي لأنباء المهرة، في أول بيان لها، منذ سيطرة قوات الانتقالي على المحافظة، عن أدانتها واستنكارها بشدة «لما أقدمت عليه الأدوات التابعة للإمارات من اقتحام وتمدد عسكري داخل محافظة المهرة، المحافظة التي عُرفت تاريخيًا بالأمن والسلام والوئام الاجتماعي»، فيما أتهم حلف قبائل حضرموت، قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي باقتحام مستشفيات بمدينة المكلا واختطاف جرحى من قوات الحلف والمقاومة الشعبية، واقتادتهم إلى جهة مجهولة.

الضحايا والانتهاكات

في 14 كانون الأول/ديسمبر، أعلن بيان للسلطة المحلية في وادي وصحراء حضرموت شرقي اليمن، إنه وفقًا لبيانات مكتب وزارة الصحة العامة، فقد قتل 35 عسكريًا وجرح 67 عسكريًا و7 مدنيين «في حصيلة أولية للأحداث والتحركات العسكرية التي شهدتها مديريات الوادي والصحراء منذ 3 كانون الأول حتى تاريخ 14 منه».
في المقابل، أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، توثيق 4071 واقعة انتهاكات جسيمة في محافظة حضرموت خلال الأيام الماضية، «والتي ترقى إلى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبتها قوات تابعة للمجلس الانتقالي».
لم يكن الهدف من سيطرة الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة استكمال السيطرة العسكرية جغرافيًا وميدانيًا، بل بالتوازي معه تعزيز دوره في السلطة كصاحب القرار في معظم المساحة الجغرافية لمناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، وهو ما سيدفع نحو الترتيب لاتفاق جديد يتجاوز اتفاق الرياض 2019، اتفاق يعكس الواقع الحقيقي في الميدان؛ ويفرض هيمنة الانتقالي على القرار بصفته صاحب السلطة في الميدان مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 3 كانون الأول/ديسمبر؛ وهو ما سيمعن في إضعاف مكانة ودور الحكومة فوق ما كانت عليه من ضعف.
وردًا على بيان رئاسة هيئة الأركان العامة التابعة للحكومة، الذي تحدث عن 32 قتيلًا من قوات المنطقة العسكرية الأولى و45 جريحًا وغيرهم من المفقودين جراء هجوم ما سماه البيان مجاميع من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي؛ قال الأخير «إننا، ونحن ننفي ونرفض وندين هذا الادعاء الكاذب والتضليل المتعمد، نؤكد أن قواتنا المسلحة الجنوبية التابعة للانتقالي تؤدي واجباتها الوطنية والمسؤوليات الملقاة على عاتقها في ميادين القتال وفق قواعد الاشتباك المعتمدة».
لم تكن إسرائيل بعيدة عما يحدث؛ وتحت عنوان «قوات انفصالية في جنوب اليمن، مدعومة من الإمارات، تسعى للحصول على دعم إسرائيل للاستقلال» قالت هيئة البث الإسرائيلية، «إن القوات في جنوب اليمن، المدعومة من الإمارات، توسع سيطرتها بشكل ملحوظ على حساب القوات المدعومة من السعودية، وتسعى الآن للحصول على دعم إسرائيل».
ونقلت عن «مصدر دبلوماسي في قيادة الانتقالي» تحدث لقناة كان نيوز قوله «إن الدعم الإسرائيلي لإقامة دولة في جنوب اليمن، وعاصمتها عدن، من شأنه أن يعزز الأجندة المشتركة للأطراف: حماية الممرات الملاحية الدولية في خليج عدن ومضيق باب المندب، ومكافحة تهريب الأسلحة الإيرانية».
ويتبنى المجلس الانتقالي، بموازاة الانفصال الجغرافي عن شمال اليمن، مشروع انفصال هوياتي يتنكر فيه ليمنية جنوب وشرق البلاد.
ويُعدُّ الانتقالي شريكًا في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا منذ توقيع اتفاق الرياض عام 2019. كما أصبح، منذ عام 2022، جزءًا من مجلس القيادة الرئاسي.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب