مقالات

أوروبا والانتخابات التشريعية!

أوروبا والانتخابات التشريعية!

بكر أبوبكر

في فلسطين تتقابل المتناقضات في نفس المساحة بشكل عجيب. فما بين شعب مقهور تحت الاحتلال يعاني من العدوان الإسرائيلي المستمر حيث تواصل الإبادة الجماعية والجحيم في غزة، وإعادة احتلال كامل الضفة والاستيلاءعلى كل شبر فيها، يطالب الغرب والشرق من الفلسطينيين بإجراء الانتخابات؟ وكأنها الحل السحري لتحقيق استقلال دولة فلسطين؟

هذا المطلب على أهميته وباعتباره أصلًا مطلبًا وطنيًا مستحقًا يماثل وضع أولويات مخالفة لحقيقة المطلوب كما تفعل بعض صناديق الدعم والتمويل للمنظمات غير الحكومية في فلسطين أو غيرها، حيث تطالب بجدول أعمال يتضمن: الوصول الآمن لوسائل منع الحمل أو حق الاجهاض! أو غيرها من مطالب لا تمثلنا أو لاترقى لحقيقة المطالب الحياتية الأساسية للمجتمع الذي يعاني أساسًا من رسوخ الاحتلال بكل أبعاده الكارثية واعتداءات الجيش وبطش عصابات المستوطنين، وكأن الممولين يستشرسون لتحقيق مطالبهم، ولو على حساب الأولويات الحقيقية عوضًا عن فرض الشروط والاملاءات كتغيير المناهج وماسواه.

في الوضع السياسي يجتهد ذئاب الدول الغربية بمطالبة الفلسطينيين بالانتخابات وهذا ما لا يضر، ولكن ما لا يكفي هو أن المطالبات من هؤلاء لا ترتقي لردع الكيان الإسرائيلي عن ممارسات الإبادة والقتل المتواصلة التي من المفترض أن يتم التصدي لها، ولجميع الإجراءات القمعية والعقابية ضد الشعب والسلطة التي من المفترض سيخوض شعبها الانتخابات النيابية والرئاسية.

المطلب الفلسطيني العادل بالانتخابات يرتبط بثبات وصمود جماعي لا مثيل له، رغم أن عصابات المستوطنين المتوحشة وصلت لعتبة كل باب بيت بغض النظر عن تصنيفات ألف وباء وجيم الظالمة إذ أن كلها فلسطين، ولو سولت لأحد نفسه برمي حجر أو الاعتراض فإن رصاص الجيش هو الوسيلة الوحيدة للردع للمظلوم! وليس للإرهابي الظالم الا الضحك والاستمرار بالقمع والاعتداء بخفة وسفه.

الانتخابات ضرورة نعم، ونحن كشعب عربي فلسطيني سنعمل على انجاحها رغم ما قد يشوبها من عمليات إسرائيلية تعطيلية تطمح لقتل أي تمثيل فلسطيني ما هو تحقيق لهدف تدمير استقلال دولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والتاريخي والسياسي، والذي أعلنه نتنياهو وزمرته المتعصبة جهارًا نهارًا.

الانتخابات -على ما في القانون من مثالب سنتعرض لها لاحقًا- واجبة، رغم الاحتلال لكنها توجب على الدُعاة والرُعاة الذين يساهمون فعليًا بحصار الشعب الفلسطيني أن يستفيقوا ويلتزموا بالمواثيق الدولية والقرارات الدولية وقرارات المحاكم الدولية، وحقوق الانسان التي صاغوها للعالم، ولقّموها لهيئة الأمم المتحدة! وفي الجزء الذي ننتمي إليه بالعالم لا نجد منهم التفاتًا ولا نظرًا ذا رؤية إنما تلك العيون الحولاء أو العوراء.

إن الدول الأوربية التي اتخذت مواقف متقدمة من دولة فلسطين مشكورة، عليها واجب الانتصار لمباديء العدل والحرية والمساواة التي تنادي بها كما التحرر من الاستخراب (الاستعمار)، وهو أوجب الواجبات التي تنطلق أولًا من وقف “الاستيطان” الشرس ومعاقبة الإسرائيلي المعتدي اقتصاديًا، وسحب الاعتراف بكيانه بالأمم المتحدة، ووقف الإبادة والجحيم في غزة، وبالضفة فورًا ليتاح للناس التنفس بحرية، ثم ليكون لدى هذا المجتمع الدولي بعض المصداقية.

إن المطلوب من المحيط العربي والإقليمي ألا يقف متفرجًا من الشعب الفلسطيني ومن قيادته يوجّه اللوم والتقريع ويطلب ويطالب (وأحيانًا يأمر بلا خجل) دون أن يلقي على الجمل الأجرب بالدعاء ولا بالقطران!

إن أوربا مطلوب منها الكثير في مقابل أمريكا التي تعيش التسلط والاستبداد والرعونة والتخبط المرتبط بشخص رئيسها الذي عنده “كلام الليل يمحوه النهار” أو كلام الساعة يتغير بعد ساعة ما جعل الانهيار القادم للبلد متوقعًا، وفي ظل صعود البديل الرصين، وما جعل التعويل فقط على الأمريكي كالحرث في الماء.

لسنا من دُعاة المقاطعة أو التنكيل بالسياسات العربية أو الأوربية أو أي من دول العالم وإنما من المتوجب أن تتطابق الأفعال مع الأقوال التي باتت لا تتوقف عند حد التنديد أو الإدانة الخجولة وإنما حتى هذه تلاشت الى أن أصبحت مشاركة حقيقية في إحكام الحصار على شعب يعيش الجحيم اليومي ويحتاج من الأشقاء كما من دعاة حقوق الانسان والقوانين الدولية بالعالم أن يتحركوا وليس أن يلقوا الأوامر فقط دون أي تقدم الى الأمام.

إن توفير البيئة المناسبة لتحقيق العدالة لفلسطين والحرية لشعبها واستقلال دولة فلسطين، ومنها ضرورة إجراء الانتخابات المطلوبة يجب أن ينتقل من  الشاشات، ومن الوثائق والمبادرات  السياسية التي نحترمها الى مجال الفعل والتنفيذ، وليس أجدر من أن تقوم أنظمة العرب، والدول الأوربية ودعاة الحرية وحقوق الانسان معًا بوقف اللوم ضد المظلوم وإصدار الأوامر له، فما بالك بضرورة إعادة تنشيط دعمه! كما الأجدر القيام بالتحرك ضد المحتل الظالم بتفعيل القرارات  على الصُعُد الاقتصادية والسياسية والثقافية والتقانية (التكنولوجية) بمواجهة الوحش الإسرائيلي، والا سنظل نسير “محلك سر”! فلا مطالب أو كلام ذو أثر بلا خيال جامح وفعل طامح يتم استدعاؤه لتحقيق استقلال دولة فلسطين.

 بكر أبوبكر

Baker AbuBaker

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب