مقالات

إدمان التسوّق جزء من مشكلة العنف…

إدمان التسوّق جزء من مشكلة العنف…

سهيل كيوان

خلف الصور اللامعة، توجد حياة مليئة بالتوتر والاختناق. عمل من الصباح حتى الليل فقط لتغطية أقساط. قلق يبدأ من الوالدين وينتقل إلى الأولاد. شبان يدخلون سوق العمل مثقلين أصلًا بديون أو التزامات تفوق قدرتهم، ورواتب محدودة وتكاليف حياة تفوقها بكثير

في أكثر البيوت في مجتمعنا العربي، تدخل القروض قبل أن يدخل الأثاث، وتصل الأقساط قبل أن يصل الراتب. لم يعد الناس يشترون فقط ما يحتاجونه، أو ما بقدرتهم على شرائه، بل يشترون ما أعجبهم دون أن يحسبوا قدرتهم الحقيقية على اقتنائه، أو ما إذا كان هذا المقتنى ضروريًا وملحًا إلى درجة اقتنائه ولو كان فوق طاقة دخل الأسرة، أو ما إذا كان لا يمكن تأجيله لبضعة أشهر حتى تخف وطأة الديون. هنالك أسر كأنها أقسمت ألّا تدع قرضًا ينتهي حتى تجدّده.

لقد تحوّل الاستهلاك من وسيلة حياة إلى أسلوب نجاة اجتماعي، ومن حاجة معقولة إلى سباق لا ينتهي. لقد تحوّل التسوق من حاجة ملحّة للبيت إلى حالة نفسية، وبدلًا من شاطئ البحر أو أحضان الطبيعة، صار التسوّق هو النزهة، والجولة وشمّة الهواء، والتي تنتهي بالدفع، فالبطاقات جاهزة وحتى الشيكات، وفي كل زاوية صراف آلي يناديك بأن تعال.

في الماضي، كانت العائلة تخجل من الدَّين، أو تتجنّبه وتحاول إخفاء كونها مدينة، أما مع عصر التسوق وفنونه فقد أصبح الدَّين جزءًا طبيعيًا وواحدًا من تفاصيل الحياة اليومية.

كل شيء بالتقسيط، وهذا مفهوم ومتعارف عليه، ولكن المشكلة أن التقسيط يخلط الأمور ويعقّدها عندما يتفوق بكثير على حجم الدخل.

لم يعد السؤال: “هل أستطيع أن أشتري هذا الغرض الآن؟ وهل الأسرة بحاجة قصوى لهذا الغرض؟”. المشكلة عندما تكون هذه الحاجات غير ضرورية ولا حتى كمالية، بل ما بعد الكماليات، من زينة وأثاث بيت و”شغلات” خاصة خطرت على البال صدفة، ولكن من السهل الحصول عليها من خلال الشراء الرقمي والتوصيل إلى البيت.

إنها عملية نفسية مركبة: إدمان التسوّق، وحب المظاهر، وفقدان القدرة على التحكم بغريزة التملك.

المأساة الحقيقية أن مجتمعًا كاملًا بدأ يعيش تحت ضغط صورة: “كيف أبدو؟”، وليس تحت منطق الحاجة الملحّة.

يمكن أن تسمع أحدهم يشكو من قلة العمل والدخل بسبب عدم الاستقرار في المنطقة واحتمالات تجدّد الحرب، وفجأة ينشر صورته إلى جانب سيارته الجديدة من الوكالة. طبعًا المصدر هو التقسيط الشهري لبضع سنوات.

وعندما تسأله كيف ولماذا الآن؟ يفسّر الأمر على أنه أجدى اقتصاديًا من سيارته القديمة، إضافة إلى متعة الراحة.

في العقود الثلاثة الأخيرة حدثت طفرات اقتصادية داخل المجتمع العربي لم تُرافقها ثقافة مالية حقيقية.

الناس انتقلوا بسرعة من حياة بسيطة نسبيًا قبل عقود قليلة إلى عالم استهلاكي مفتوح على مصراعيه، تحاصره الإعلانات ومواقع التواصل الاجتماعي والمقارنات اليومية والتوصيل حتى البيت، والسفر للنقاهة ولو بالدَّين، إضافة إلى بذخ الأعراس. البيت الذي كان يكفيه ما يستر أهله صار مطالبًا بأن يتحول إلى معرض دائم لإثبات المكانة الاجتماعية المميّزة.

هنالك من يقول: وما شأنك أنت وغيرك؟

هذا سؤال شرعي، إلا أن هذه الحالة هي واحدة من أسباب العنف في مجتمعنا، وهذا واضح ومُثبت.

خلف الصور اللامعة، توجد حياة مليئة بالتوتر والاختناق. عمل من الصباح حتى الليل فقط لتغطية أقساط. قلق يبدأ من الوالدين وينتقل إلى الأولاد. شبان يدخلون سوق العمل مثقلين أصلًا بديون أو التزامات تفوق قدرتهم، ورواتب محدودة وتكاليف حياة تفوقها بكثير.

تبدأ المشكلة الأخطر حين يغلق البنك أبوابه، ليصبح الانتقال إلى السوق السوداء أسهل، ويبدأ الأمر بقرض صغير لتمرير الأزمة، ثم يتحوّل إلى فخ.

فوائد مرعبة، تهديدات، خوف، وضغط نفسي قد يدفع بعض العائلات إلى الانهيار الكامل، وهنالك قصص عن هروب شبان من البلاد. وعنف وجرائم بدأت من ديون صغيرة خرجت عن السيطرة، يكون ضحاياها من العائلة وليس المتورط وحده مع السوق السوداء.

الجريمة المنظمة تتسع في بيئة يغيب فيها الأمان الاقتصادي وفوضى التسوّق. حين يشعر الإنسان أن حياته كلها قائمة على الأقساط والخوف من السقوط الاجتماعي، يصبح أكثر هشاشة وأكثر قابلية للوقوع في شبكات الاستغلال.

المؤلم أن كثيرًا من الناس لا يستهلكون لأنهم يملكون، بل لأنهم يخافون أن يظهروا غير قادرين أو فقراء.

هذا واحد من أخطر التحوّلات النفسية في مجتمعنا. السيارة أفخم من صاحبها أحيانًا، والعرس أهم من مستقبل العروسين، والهاتف أحدث من القدرة الحقيقية على دفع ثمنه.

لا أدعو إلى الزهد أو حرمان الناس من الفرح والراحة ومتعة الحياة، لكن الفرق كبير بين حياة كريمة وهادئة وحياة تُبنى على الاستنزاف المادي المستمر والتوتّر. المجتمع الذي يشتري أكثر من قدرته، قد يستيقظ يومًا ليكتشف أنه دفع ثمن الأشياء من راحته وأمانه وعلاقاته العائلية واستقراره، وفي خربطة أولوياته.

عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب