عربي دولي

إلى موعد آخر يا صوت الجنوب

إلى موعد آخر يا صوت الجنوب

كانت اللقاءات مع الشهيدة آمال خليل محدودة في الجريدة، فهي «مراسلة الأخبار» في الجنوب التي لا تهدأ من نقطة إلى نقطة إلى أن وصلت إلى نقطة الرحيل

وفاء أيوب

إنّها الرابعة والدقيقة السادسة والخمسون من بعد ظهر يوم 12 تشرين الثاني 2021… لم يكن قد مرّ سوى أيام قليلة على بدء عملي في جريدة «الأخبار»، كنت عائدة إلى منزلي… تصلني رسالة: «مرحباً كيفك؟ أنا آمال خليل»، تلك كانت الأولى بيننا لتحديد موعد أول لقاء.
كان عملي يقتضي التواصل شبه اليومي معها بهدف تنسيق المواد المُنتجة من شبكة المراسلين.

أذكر جيداً ذلك اللقاء… تحدّثنا في عدة جوانب من العمل، فهي لم تكن مُلِمّة بأخبار الجنوب فقط، بل كانت مطّلعة على مواضيع شتى. كانت متكلّمة لبقة، مثقفة، امرأة أنيقة… في ذلك الوقت لم يكن قد مضى سوى بضعة أشهر على استشهاد شقيقي، حضنتي وحاولت مواساتي بكلماتها رغم عدم معرفتها السابقة لي.

لا أذكر تحديداً ما قالته لي حينها، لأنّني كنت، لدى الحديث عن الواقعة، أنفصل لا إرادياً عن الواقع فأتوقف عن سماع شيء، لكنني رغم ذلك كنت شديدة الامتنان لمواساتها لي. ومنذ ذلك الوقت، بدأت علاقتي بها، فباتت جزءاً من يومياتي في العمل.

رغم أنّ لقاءاتنا كانت معدودة لعدم وجودها الدائم في الجريدة، إلا أنّها كانت كلما حضرت تضيء المكان بابتسامتها وبألوان ثيابها الجميلة، فإذا ما رأتني تبادر إلى إلقاء التحية وإلى السؤال عن أحوالي. وهي كانت تفعل ذلك مع كل الزملاء.

لم تكن مُلِمّة بأخبار الجنوب فقط بل كانت مطّلعة على مواضيع شتى، وكانت متكلّمة لبقة ومثقّفة وامرأة أنيقة

أمّا «عن بُعد»، فكانت آمال في رسائلها ذات خُلق عظيم، فكانت شديدة الحرص على عدم الإساءة إلى أحد أو أن يُفهم كلامها بطريقة خاطئة، فتعمل لاحقاً على توضيحه. أذكر جيداً، كيف عملت يوماً على توضيح كلام لم أشكّ للحظة أنّها لم تكن تستهدفني فيه، لكنها رغم ذلك قالت لي: «أنا بعزك وبخاف يكون في زعل من قبلك». كنت أخجل أمام أخلاقها العالية.

كانت نشيطة إلى أبعد الحدود… لم تكلّ يوماً من العمل. حتى في أيام الأعياد والعطل، كانت «مراسلة الأخبار» تملأ منصات الجريدة موادّ ومقاطع مُصوّرة خاصة… إلى أن حلّ ذاك اليوم المشؤوم: نتلقّى، زملائي وأنا، أخباراً تفيد بتعرّض آمال لقصف معادٍ في بلدة الطيري الجنوبية، فتسارع إلى طمأنتنا: «أنا منيحة الاستهداف لسيارة قدامي». فيبرد القلب قليلاً، لكن… آمال لم تعد تجيبنا. فتبدأ ساعات الانتظار، عسى أن نتلقّى خبراً يطمئننا إلى أنّها بخير، إلى أن حانت ساعة الحقيقة: آمال خليل شهيدة!

أعرف، يا آمال، أنّ شهادتي بكِ «نقطة في بحر» مئات الشهادات التي تتحدّث عن شجاعتك وثباتك وخصالك واستقامتك… لكن، يا عزيزتي، أحببت من خلال تدوين ذلك، أن أقول لك إنّني أيضاً «أعزّك»، وكان شرفاً لي أن مررتِ في حياتي… وإنّ الأنقياء يعيشون ويرحلون كما عشتِ ورحلتِ، وكما عاش ورحل شقيقي، ومن سبقكم وسيلحقكم من الشهداء… فإلى موعدٍ آخر يا صوت الجنوب!

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب