إيران بين الضغوط الاقتصادية وخيار التسوية مع واشنطن

إيران بين الضغوط الاقتصادية وخيار التسوية مع واشنطن
طهران- “القدس العربي”: تجاوز سعر الدولار الأمريكي في السوق الحرة الإيرانية، أمس الإثنين، حاجز مليوني ريال، أي ما يعادل 200 ألف تومان، لتصل قيمة الريال إلى أدنى مستوى تاريخي لها. والريال هو العملة الرسمية في إيران، إلا أن الإيرانيين يستخدمون التومان في معاملاتهم. وكل 10 ريالات تعادل توماناً واحداً.
وشهد الدولار خلال الأيام الأخيرة مساراً تصاعدياً، بعدما تراوح سعره خلال الشهر الماضي بين 180 ألفاً و197 ألف تومان.
وسجّل سعر الدولار في إيران هذا الارتفاع القياسي قبل إعلان واشنطن حزمة العقوبات الجديدة على طهران وشركائها الاقتصاديين.
ووصف سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، حزمة العقوبات هذه بأنها “أكبر حرب مالية شُنّت على الإطلاق ضد عدو”.
وفي أول رد فعل، وصف محافظ البنك المركزي الإيراني ارتفاع سعر الصرف بأنه مؤقت. وقال عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي: “واجهنا خلال الأشهر الستة الماضية ظروفاً صعبة للغاية (…) ومنذ شباط/ فبراير، توقعنا الظروف الصعبة وبدأنا في تخزين العملات الأجنبية في أماكن مختلفة. وقد مكّننا هذا الإجراء من الإعلان بثقة أن العملة الأجنبية اللازمة لتوفير السلع الأساسية والأدوية ستكون متاحة”.
وأضاف: “تحمل الصعوبات يختلف عن الانهيار وما تسعى إليه الولايات المتحدة. والحديث عن المشكلات لا يعني رسم صورة قاتمة، والشعب يدرك ظروف البلاد جيداً”. وأشار همتي إلى التهديد الجديد الذي أطلقه وزير الخزانة الأمريكي بشأن زيادة الضغوط الاقتصادية بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران، وقال: “لقد فعلوا حتى الآن كل ما كان بإمكانهم فعله، والادعاءات الأخيرة لن تفرض قيوداً أو ضغوطاً جديدة تؤدي إلى انهيارنا”.
وقال أيضاً: “توقعنا الحرب منذ شباط/فبراير، وقمنا بتخزين العملة الأجنبية من أجل تأمين سبل عيش الشعب. وفي هذا الصدد، كتبت أيضاً رسالة إلى المرشد الأعلى”.
وألحقت الحرب والضغوط الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني. وتسود مخاوف من استمرار ارتفاع سعر الدولار وتراجع قيمة العملة الإيرانية.
وبالتالي، فإن تجاوز الدولار حاجز 200 ألف تومان يشكل مؤشراً على تزايد الضغوط على قيمة العملة الوطنية وتفاقم الظروف الاقتصادية في إيران.
وبدأت الولايات المتحدة، في 14 تموز/يوليو 2026، حصاراً بحرياً على موانئ جنوب إيران، ولا يزال مستمراً. وقد أدى ذلك، حسب عبد الناصر همتي، إلى وصول صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر. وأضاف أن “إيرادات الحكومة من بيع النفط وصلت إلى الصفر، موضحاً أن إيران، خلافاً لدول مثل قطر والعراق، لا تستطيع الوصول إلى احتياطياتها المالية، لأن جزءاً من هذه الاحتياطيات مجمد في الخارج، والولايات المتحدة لا تسمح بسحبها”.
وفي الوقت نفسه، قال مسؤولون إيرانيون إن العقوبات الجديدة لن تتمكن من إجبار طهران على تغيير سياساتها. واعتبر عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، التهديدات الأمريكية الجديدة مؤشراً على تصاعد الضغوط التي تمارسها واشنطن، وقال إن هذه الإجراءات لن تؤدي إلى هزيمة إيران.
إلا أن رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، حذر، منذ أيام، من مغبة الاستخفاف بالضغط الاقتصادي الذي تتعرض له البلاد، معتبراً أنه “مهما بلغت قوتنا العسكرية، فإننا لن نصمد إذا كان الناس جائعين، وإذا لم تكن لدينا حركة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج وطني”. واستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذلك ناشراً عبر منصته “تروث سوشال” تقريرا لشبكة “نيوزماكس” يحمل عبارة “رئيس البرلمان الإيراني: نحن جائعون ولا نستطيع البقاء”. واختار قاليباف السخرية رداً على الرئيس الأمريكي، ناشراً تصميم يحاكي شعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”، لكنه حمل عبارة “لنجعل أمريكا جائعة من جديد”، وأرفقه ببيانات عن الجوع وانعدام الأمن الغذائي في الولايات المتحدة، قائلا: “لا يمكنكم التستر على هزائمكم بادعاءات لا أساس لها”.
ومنذ اندلاع الحرب التي استمرت 40 يوماً بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 شباط/فبراير 2026، انخفض سعر الدولار في إيران من 163 ألف تومان إلى نحو 145 ألف تومان. وبعد إعلان وقف إطلاق النار، بدأ سعر الدولار بالارتفاع تدريجياً خلال الأشهر الستة الماضية، إلى أن بلغ 200 ألف تومان.
وعلى الرغم من تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة 200 ألف تومان، لا تزال الأسعار الرسمية بعيدة بصورة ملحوظة عن أسعار السوق الحرة. ويبلغ السعر الحكومي للدولار في إيران نحو 150 ألف تومان، أي ما يعادل ثلاثة أرباع سعره في السوق الحرة.
ولا يقتصر انخفاض قيمة الريال على سوق الصرف، بل يؤثر بصورة مباشرة في تكاليف معيشة الأسر. ويأتي ارتفاع سعر الصرف في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تضخماً حاداً وتراجعاً في النشاط الاقتصادي، فيما شهدت أسعار بعض السلع الأساسية، ومنها الأرز واللحوم، ارتفاعاً كبيراً. وقد تجاوز التضخم في إيران 80 %، بينما تجاوز تضخم أسعار المواد الغذائية 100 %، ويُعد كلا المعدلين الأعلى والأكثر ارتفاعاً على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ونظراً إلى اعتماد جزء كبير من المواد الأولية والسلع الوسيطة والمعدات والسلع الاستهلاكية في إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على العملات الأجنبية، فإن انخفاض قيمة الريال يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الواردات، وبالتالي زيادة التكلفة النهائية للعديد من السلع والخدمات.
ويأتي انهيار قيمة الريال في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الإيراني متأثراً بتداعيات الحرب والعقوبات والقيود التجارية وتراجع إمكانية الوصول إلى موارد النقد الأجنبي.
ومنذ انتهاء الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، في الفترة من 13 حزيران/يونيو إلى 24 حزيران/يونيو 2025، ارتفع سعر الدولار حتى الآن إلى نحو ضعفين ونصف.
ودعا حسن الخميني، حفيد الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائد الثورة الإسلامية عام 1979، في كلمة ألقاها أمام رئيس الجمهورية والوزراء، إلى دعم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. ويأتي ذلك في وقت يعارض فيه المتشددون بشدة أي اتفاق مع واشنطن أو العودة إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
ويتولى حسن الخميني، وهو رجل دين أيضاً، حالياً إدارة ضريح جده في جنوب طهران، كما يدير مؤسسة تُعنى بالحفاظ على آثار الإمام الخميني. ويُعرف بدعمه للإصلاحيين وتأييده تحسين العلاقات بين طهران والغرب.
وفي كلمة جديدة تناولت التفاهم الأخير بين إيران والولايات المتحدة، دافع حسن الخميني عن نهج التفاوض والتسوية، واستشهد، لتوضيح أهمية القرارات السياسية في الظروف الحرجة، بواحد من أبرز الأحداث في التاريخ الإسلامي المبكر، وهو صلح الحديبية، الذي أُعلن بين النبي محمد والمشركين في مكة.
وقال حسن الخميني، مؤخراً، خلال مراسم تكريم رئيس الجمهورية والوزراء للإمام الخميني في ضريحه: “قد تؤدي تسوية صحيحة في بعض الأحيان إلى نتائج أكبر بكثير من الانتصار في حرب”.
وأشار إلى سورة الفتح، قائلاً إن “الفتح المبين” لا ينبغي البحث عنه حصراً في الانتصارات العسكرية للنبي محمد. ووفقاً له، فإن هذا المفهوم يرتبط بصلح الحديبية أكثر مما يرتبط بحروب مثل بدر وأحد والخندق وتبوك.
وقال حسن الخميني: “الفتح المبين لا يتعلق بأحد وبدر والخندق وتبوك؛ بل يتعلق بصلح الحديبية”، ثم خلص إلى أن “ثمار التسوية الصحيحة قد تكون أكبر من ثمار مئات الحروب”.
وتكتسب هذه الحجة أهمية سياسية كبيرة، إذ يحاول الخميني عملياً فصل مفهوم “التسوية” عن معنى التراجع أو الاستسلام، وتقديمه بوصفه أداة لتحقيق أهداف سياسية وتاريخية طويلة الأمد.
وجاءت تصريحات حسن الخميني في وقت تدافع فيه حكومة مسعود بزشكيان عن مذكرة التفاهم الأخيرة مع الولايات المتحدة، وهي اتفاق تقول الحكومة إنه جاء نتيجة حوارات طويلة وتوافق الخبراء في المجلس الأعلى للأمن القومي. وقال بزشكيان أيضاً خلال المراسم نفسها إن البلاد لا يمكنها أن تبقى إلى الأبد في حالة حرب أو في حالة “لا حرب ولا سلام”، وإنه ينبغي اتخاذ قرار للخروج من هذا الوضع.
ولشرح حجته، أشار الخميني إلى موقف أحد أبرز أصحاب النبي محمد من صلح الحديبية. وقال إن أحد كبار صحابة النبي، والذي أصبح لاحقاً شخصية محورية في تحولات مهمة في التاريخ الإسلامي، ساوره الشك للحظة بشأن قرار النبي خلال أحداث صلح الحديبية. وتساءل هذا الصحابي: إذا كان المسلمون على الحق، فلماذا ينبغي لهم قبول مثل هذا الاتفاق؟ ووفقاً لرواية الخميني، أكد النبي في رده وجود “مصلحة إلهية” في هذا القرار. ثم ذكّر بأن فتح مكة وقع بعد أقل من ثلاث سنوات، وأن الطريق نحو الانتصار النهائي للإسلام أصبح ممهداً.
ويطرح الخميني دعمه لبزشكيان وللتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بهذه اللغة لمواجهة استناد المعارضين للاتفاق بالاستناد إلى الشريعة والتاريخ الإسلامي، تبريراً لمواقفهم.
لكن ليس جميع أفراد عائلة الإمام الخميني، أول قائد للجمهورية الإسلامية، يتبنون هذا الرأي. فقد تحدث علي الخميني، الحفيد الأصغر للإمام الخميني، في موقف حديث له بشدة ضد الاتفاق، وقال: “كل من يريد التفاوض من أجل الوصول إلى السلام مع أمريكا هو خائن”.



