الصحافه

استدلالاً بـ “مجزرة كفر قاسم”.. لزامير وجنوده: سيأتي يوم يحملكم السياسيون مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

استدلالاً بـ “مجزرة كفر قاسم”.. لزامير وجنوده: سيأتي يوم يحملكم السياسيون مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

غال ليبرتوف

في تشرين الثاني 1948 نشر نتان ألترمان في العمود السابع قصيدة بعنوان “حول هذا الموضوع”، بشأن جندي إسرائيلي شاب قرر تجربة بندقيته، فأطلق النار وقتل عجوزاً في مدينة محتلة. لم يعط ألترمان أي تفاصيل تمكن من تشخيص القاتل أو القتيل أو ساحة القتل. مناحيم فنكلشتاين يذكر بأن هذه القصيدة نشرت بعد فترة قصيرة من عودة الشاعر نفسه من القتال في المنطقة الجنوبية. ربما عرف عن الحادثة هناك، وربما حدثه عنها إسحق سديه. في كل الحالات، كتب الشاعر في النسخة المحدثة للقصيدة: “لأننا نحمل سلاح الحرب نحن معهم/ البعض فعلياً والبعض بموافقة جزئية/ يتم دفعهم بتمتمة “الضرورة” و”الانتقام”/ إلى عالم مجرمي الحرب”.

إن أقوال بصيغة “لا يوجد خيار” و”لا يوجد أشخاص غير مشاركين” بعد 7 أكتوبر، ما زلنا نسمعها، ليس بتمتمة، بل إن المختلف يزيد على المتشابه. ونذكر بأن ألترمان حذر مما اعتبره أموراً شاذة، “مقموعة”، قد تتحول وتصبح قاعدة، لأن الأعشاب الضارة ربما تنتشر إذا لم تتم معاقبتها.

في الواقع الحالي، ما يروي الأعشاب الضارة ويرعاها ويسمدها حكومة تحتقر القانون. والمواطنون الغزيون الذين يجمعون الطعام يتم إطلاق النار عليهم، ليس من أجل “تجربة السلاح”، بل حسب روحية القائد الذي يجلس في القدس. رئيس الحكومة في حينه، دافيد بن غوريون، أمر بطباعة قصيدة ألترمان وتوزيعها على جنود الجيش الإسرائيلي. يسهل تخمين ماذا سيفعل بقصيدة مثل هذه القصيدة الآن، ولا نريد التحدث عما سيتم فعله بكاتبها. الجميع في حينه لم يحبوا قصيدة ألترمان، لكنهم أيدوه بسبب أقواله، ومدحوا حرية التعبير والنقاش. الفنانون الآن، الذين يتجرأون على إسماع صوتهم حول ما يتم فعله في غزة، يلاحقون ويقاطعون. بعد مرور 77 سنة على سيادته، فقد الخلود أي بوصلة وضمير. المنارة للأغيار أصبحت ظلاماً على شفا الهاوية. في هذا الواقع الفظيع، حيث يتم التخلي عن المخطوفين، وحيث ينتحر عشرات الجنود ويُقتل المئات منهم ويصاب الآلاف وينهار عشرات الآلاف، وحيث ترسل الحكومة إخوتهم الذين يتضاءلون إلى موتهم، بينما تعفي الكثير من ناخبيها من المصير نفسه، وعندما يضحي رئيس الوزراء بدولته وبحياة جنوده ومواطنيه من أجل بقائه السياسي – لم يعد أي معنى للتحدث عن الأخلاق، والصهيونية، واليهودية، والقيم.

السطور التالية نخصصها للقضاء

مثلما نذكر، قضية كفر قاسم تناولت قتل عشرات سكان القرية على يد جنود حرس الحدود، سكان المكان الذين كانوا يخضعون في حينه للحكم العسكري، كان من المفترض فرض حظر التجول عليهم من الساعة التاسعة مساء، لكن قائد اللواء 17 في قيادة المنطقة الوسطى قرر تقديم حظر التجول إلى الساعة الخامسة مساء. وقد تم إبلاغ المختار بذلك قبل نصف ساعة فقط. والنتيجة أن عدداً كبيراً من السكان الذين لم يعرفوا وقت حظر التجول الجديد عادوا إلى بيوتهم بعده. الجنود الذين تم وضعهم هناك أُنزلوا من السيارات، وحسب الأمر الذي حصلوا عليه من قائدهم، بدأوا يطلقون النار عليهم. قتل 47 شخصاً، وأصيب عدد كبير. من أطلقوا النار تم تقديمهم للمحاكمة في محكمة عسكرية. أما ادعاؤهم بأنهم محقون وأنهم نفذوا الأمر، فقد تم رفضه. نص قرار الحكم على “اختبار الراية السوداء” الذي يرفرف فوق أمر غير قانوني، ويلزم الجندي بعدم طاعته. إذا أطاعه يحاسب جنائياً على أفعاله. وحكم القضاة بأنه ليس مخالفة شكلية ظاهرة فقط، بل مخالفة تدمي العين وتؤلم القلب، “إذا لم تكن العين عمياء والقلب قاسياً أو فاسداً”.

شارون ايفيك، الذي يشغل الآن منصب نائب المستشارة القانونية للحكومة، كتب حين كان مدعياً عسكرياً عاماً أنه من جهة تصعب ترجمة “اختبار الراية السوداء” إلى تعليمات ملموسة في الحياة العملية (المحكمة العسكرية للاستئناف حاولت فعل ذلك، لكن بنجاح جزئي جداً)، ومن جهة أخرى، كان هناك من قالوا بأن العلم الأسود تحول إلى رمادي مع مرور السنين، حيث استخدمت المحاكم العسكرية الحكم حتى في حالات أقل تطرفاً وحسماً، خاصة مقارنة مع قضية كفر قاسم.

اليوم، كما قلنا، نقف أمام واقع مختلف: إذا كان هناك من عبروا عن تخوفهم من بهتان العلم الأسود وتحوله إلى اللون الرمادي، فالكثيرون الآن أصبحوا يستخفون حتى بما هو أسود من السواد.

الآن حان الوقت لتوضيح الأمور كي يسمعوا وإزالة الشك. طوال الوقت الذي يستخدم فيه الجيش معظم الوسائل لمنع المس بالمدنيين عند إطلاق النار على المسلحين، فالحديث لا يدور عن جرائم حرب أو عن جريمة بشكل عام، حتى لو أصيب مدنيون. في المقابل، إطلاق النار المتعمد على المدنيين الذين لا يشكلون أي خطر على أحد هو جريمة حرب. إن أمر إطلاق النار على المدنيين الذين يبحثون عن الطعام جريمة حرب وغير قانوني. تجميع السكان ونقلهم من أماكنهم بالإكراه بهدف عدم تمكنهم من العودة لبيوتهم، هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. والأمر بفعل ذلك هو أمر غير قانوني بشكل واضح.

هذه هي هراءات نتنياهو في الرد على تحذير المستشارة القانونية للحكومة بأن الدولة هي المسؤولة عن سكانها عندما تسيطر على منطقة عسكرية، وهي المسؤولة عن جوعهم حين يجوعون. إن امتناع إسرائيل عن توفير الطعام في هذه الظروف يعتبر تجويعاً، وهو جريمة ضد الإنسانية وأمر غير قانوني بشكل واضح. خلافاً للادعاءات المدحوضة التي أسمعت ضد إسرائيل بشأن ارتكاب جرائم حرب في بداية عملية “السيوف الحديدية”، فثمة الآن أساس من الأدلة والشهادات على ارتكاب هذه الجرائم كما يبدو في عملية “عربات جدعون”، لكنها ستكون لا شيء مقابل الجرائم التي ستترتب على تنفيذ أمر الكابنت احتلال مدينة غزة.

نقول لرئيس الأركان: سيأتي يوم وتقدم فيه الشخصيات الرفيعة في إسرائيل الحالية للمحاكمة بسبب ارتكاب جرائم حرب في غزة. سيحدث هذا في إسرائيل إذا بقيت قائمة بعد الحكام الحاليين، لمنه سيحدث حتماً في لاهاي وفي دول أوروبية كثيرة. رجال المستوى السياسي الحالي سيلقون المسؤولية عليك وعلى جنودك. سيقولون بأنك عملت على مسؤوليتك، وأنك لم تمسكهم. اطلب منهم تعليمات مفصلة وواضحة، وثقها، أبلغ الجمهور عنها. إذا كانت غير قانونية بشكل واضح أرفضها. ليس هذا من حقك، بل واجبك.

أما أنتم، جنود الجيش الإسرائيلي، فحافظوا على التمييز بين واجب الطاعة وعدم الطاعة. إذا أطلقتم النار على مواطنين غير محميين، وإذا طردتم سكاناً من أراضيهم مع معرفة أنه غير مسموح لهم بالعودة، فلن يسمعكم أحد حين تقولون بأنكم كنتم تنفذون الأوامر، سواء في المحاكم في الخارج أو في المحاكمة الجنائية في إسرائيل.

ليس من نافل القول إنهاء هذا المقال بكلمات المحكمة العسكرية للاستئنافات في قضية كفر قاسم: “ما هو التفوق الروحي الذي نتمتع به على الأعداء المحيطين بنا، الذي بفضله أقيمت دولتنا: ليس فقط روح التضحية لدى جنودنا، أو قدرتنا التقنية، بل أيضاً، وربما الأهم من كل ذلك، المستوى الأخلاقي للدولة وجيشها ومواطنيها”.

 هآرتس 20/8/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب