تحقيقات وتقارير

استمرار نظام فنزويلا يضع إعادة إحياء عقيدة مونرو الأمريكية على المحك

استمرار نظام فنزويلا يضع إعادة إحياء عقيدة مونرو الأمريكية على المحك

حسين مجدوبي

تشير معطيات إلى وجود عوامل مضادة تحول دون القرار الأمريكي في تغيير نظام فنزويلا، بين فشل الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية ومواقف دول أمريكا اللاتينية.

 انخرطت الولايات المتحدة في حرب اقتصادية وسياسية وشبه عسكرية ضد فنزويلا، وأصبح مسار هذه الأزمة هو الكفيل بإظهار إلى أي حد تستطيع إدارة البيت الأبيض بزعامة دونالد ترامب إعادة تطبيق عقيدة مونرو. يحدث هذا في وقت، يبدو أن فنزويلا تصمد في مواجهة الإعصار القادم من الشمال، وبدأت دول ترفض هذا التدخل مثل البرازيل والمكسيك خوفا من تكرار السيناريو معها.
وعليه، لا تزال الأزمة الفنزويلية واحدة من أخطر الأزمات على الساحة الدولية الحالية، مع احتمال حدوث تصعيد جديد والانفجار الإقليمي وترقب كيف ستتصرف الصين وروسيا. ودخلت الأزمة مرحلتها الثانية، بعد فشل الاستراتيجية التي دفع بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب (2017-2021) خلال ولايته الأولى، والتي سعت إلى تنصيب خوان غوايدو رئيسا ليحل محل نيكولاس مادورو. بدأت هذه المرحلة الجديدة في أواخر آب/أغسطس الماضي، عندما استأنفت واشنطن اتهاماتها للحكومة الفنزويلية، موجهة أصابع الاتهام إلى الرئيس مادورو بحماية شبكات تهريب المخدرات المتجهة إلى الولايات المتحدة. وخلال الأسبوع الجاري، كرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن أي تدخل في فنزويلا يأتي استجابة لضرورة حماية الأمن القومي الأمريكي من تهريب المخدرات، واتهم الرئيس الفنزويلي بالتعاون مع المنظمات الإجرامية. وتضاف إلى هذه الاتهامات عناصر سياسية وجيوستراتيجية، حيث يتم اتهام حكومة كاراكاس بإقامة علاقات مع جماعة حزب الله اللبنانية وإيران لضرب استقرار الكاريبي.
وتشير المعطيات حتى الآن إلى فشل واشنطن الرهان على تغيير النظام من داخل النظام نفسه، استنادا إلى حركة من داخل الجيش، لأنه بدون الجيش لا يمكن انتظار أي تغيير في فنزويلا. ورغم الضغط لاسيما بعدما أرسل ترامب أكبر حشد عسكري للمنطقة، لم تشجع أي حركة تمرد للضباط. ولعل هذا يعود إلى أن عددا من الضباط الذين انقلبوا أو تمردوا أو فروا إلى الخارج ضد الرئيس السابق هوغو تشافيز والحالي نيكولا مادورو باءت محاولاتهم بالفشل وجرى الانتقام من عائلاتهم، بل بعضهم جرى اعتقاله في دول غربية بتهمة التورط في المخدرات، وحدث هذا للجنرال هوغو كارباخال مدير الأستخبارات العسكرية الأسبق الذي انشق على مادورو ووجد نفسه لاحقا معتقلا في الولايات المتحدة بتهمة المخدرات. في الوقت ذاته، يتخوف غالبية ضباط الجيش الفنزويلي من الملاحقة والانتقام إذا جاء نظام جديد موال لواشنطن.
ومن جهة أخرى، أظهرت تجربة العقوبات الاقتصادية المفروضة على فنزويلا محدودية فعاليتها في إحداث انهيار واسع في توفر المواد الغذائية والأدوية، إذ كشفت الوقائع أن المجتمع الفنزويلي استطاع، بدرجات متفاوتة، التكيف مع الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، مستندًا إلى شبكات بديلة للتأمين والمعيشة، ما قلّص من قدرة هذه العقوبات على تحقيق أهدافها السياسية. ويدرك الحزب الحاكم خطورة العقوبات، لهذا قام بتصميم شبكة من توزيع المواد الغذائية لتفادي وقوع احتجاجات.
وانضافت إلى ما يمكن تسميته الفشل المؤقت للإدارة الأمريكية في إسقاط النظام الحاكم في فنزويلا، المواقف الجديدة لدول أمريكا اللاتينية. وعلاقة بهذا، تراقب دول أمريكا اللاتينية بقلقٍ بالغ الحملةَ الأمريكية ضد فنزويلا، وفي مقدّمتها المكسيك. وفي هذا السياق، بادرت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، إلى تصعيدٍ دبلوماسي ذكي دفاعًا عن سيادة فنزويلا، موجّهة في الوقت ذاته إشارة غير مباشرة مفادها رفض امتداد أيّ هجمات محتملة ضد «المهرّبين المفترضين» إلى الأراضي المكسيكية، وهو سيناريو لمح إليه دونالد ترامب في أكثر من مناسبة ضمن استراتيجيته لمكافحة تهريب المخدرات القادمة من أمريكا اللاتينية. ولم تكتفِ شينباوم بدور المتفرّج، إذ دعت، في هذا الإطار، الأممَ المتحدة إلى التحرّك من أجل «تجنّب إراقة الدماء»، بل وعرضت الأراضي المكسيكية بوصفها مكانًا محتملاً لاستضافة مفاوضات بين الولايات المتحدة وفنزويلا. وطالبت جريدة «لاخورنادا» المكسيكية في افتتاحيتها يوم الخميس من الأسبوع الجاري بضرورة تحرك المكسيك أمام الأمم المتحدة والمنتظم الدولي لتفادي حالة اللاستقرار التي قد تترتب عن هذا النزاع الفنزويلي-الأمريكي.
ومن جانبها، لا تدعم البرازيل مادورو كرئيس شرعي ولا تؤيد نظامه سياسياً بشكل غير مشروط، بل لا تعترف به بشكل رسمي وتعتبر الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم تكن شفافة. لكنها تحافظ على العلاقات الدبلوماسية والحوار، وتشجع الحلول التفاوضية، وتنتقد العقوبات أو التدخلات الخارجية، وتسعى إلى تجنب تصعيد الصراع الإقليمي. ولا ترتاح البرازيل إلى سياسة ترامب لاسيما بعدما ضغط على القضاء البرازيلي من أجل تبرئة الرئيس السابق بولسورانو المتهم بمحاولة الانقلاب منذ ثلاث سنوات. وبدورها تتبنى «مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي» المعروفة بـ «سيلاك» موقفا يقترب من موقف البرازيل، ذلك أن هذه الدول تتخوف من استراتيجية «الرمح الجنوبي» التي أعلنها البنتاغون الشهر الماضي مخولا للجيش الأمريكي ضرب عصابات المخدرات في مجموع باقي أمريكا باستثناء كندا.
ورغم الحشد العسكري الأمريكي التاريخي في الكاريبي، والضربات ضد القوارب التي أفضت إلى مقتل أكثر من مئة شخص يفترض أنهم من عصابات تهريب المخدرات، تشير معطيات إلى وجود عوامل مضادة تحول دون القرار الأمريكي في تغيير نظام فنزويلا بين فشل الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية ومواقف دول أمريكا اللاتينية. وبما أن واشنطن وضعت أجندة طموحة وهي إعادة إحياء عقيدة مونرو في القارة الأمريكية، يبقى نجاحها مرتبطا بنتائج الصراع مع فنزويلا. وإذا استمر النظام الفنزويلي ستكون واشنطن الخاسرة، ما سيشجع دول المنطقة على مواجهة الكثير من قراراتها، ووقتها لا يمكن الحديث عن عقيدة مونرو جديدة. وإذا سقط نظام الرئيس نيكولا مادورو، وقتها ستعرف القارة الأمريكية منعطفا جيوسياسيا حقيقا. ولهذا، ترى واشنطن أن عملية عسكرية ولو صغيرة لزعزعة نظام مادورو في أفق إسقاطه واردة. وذلك على ضوء تصريحات ترامب الذي قال هذه الأيام أن الخيار العسكري وارد ولم يتم استبعاده.
وتعتبر عقيدة مونرو ركيزة أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة حيث أعلنها عام 1823 الرئيس الأمريكي جيمس مونرو. وتتجلى في اعتبار الأمريكتين مجال نفوذ واشنطن، وهو البعد الذي تطوّر لاحقًا وأصبح أساسا للتدخل الأمريكي في شؤون دول أمريكا اللاتينية.

ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب