اعتقال عضو المجلس البلدي المنتخب في طولكرم ؟؟؟ بين سيادة القانون وضمان حرية التعبير السياسي قراءة قانونية وسياسية ودبلوماسية في السياق الفلسطيني

اعتقال عضو المجلس البلدي المنتخب في طولكرم ؟؟؟ بين سيادة القانون وضمان حرية التعبير السياسي
قراءة قانونية وسياسية ودبلوماسية في السياق الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أثار موضوع توقيف عضو المجلس البلدي المنتخب في طولكرم الأستاذ سهيل السلمان، على خلفية شكوى مرتبطة بتصريحات قيل إنها صدرت خلال مناظرة انتخابية أثناء فترة الدعاية للانتخابات البلدية، حالة واسعة من الجدل القانوني والسياسي والإعلامي والنقابي، نظرًا لما تحمله القضية من أبعاد تتصل بحرية التعبير السياسي، وحدود المساءلة القانونية، وطبيعة المناخ الديمقراطي في الحالة الفلسطينية.
وتأتي هذه القضية في ظرف وطني شديد الحساسية، يعيشه الشعب الفلسطيني في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية، وما نتج عن ذلك من أزمات انعكست بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الصحي والتعليمي والخدمات العامة، إلى جانب الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، وما رافقها من حالة تذمر شعبي وارتفاع في سقف النقد السياسي والمطالبات الشعبية بالإصلاح والمساءلة وتحسين الأداء العام.
وفي هذا السياق، تصبح حرية التعبير السياسي والنقاش العام جزءًا طبيعيًا من المشهد المجتمعي والسياسي، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية التي تُعد بطبيعتها مساحة مفتوحة للتنافس الديمقراطي، وعرض البرامج، وتبادل النقد والمساءلة بين المرشحين والقوى السياسية المختلفة.
المناظرات الانتخابية وأهمية المجال الديمقراطي
تُعتبر المناظرات الانتخابية إحدى الأدوات الأساسية في أي نظام ديمقراطي، إذ تتيح للمرشحين التعبير عن رؤاهم وبرامجهم، وتمنح الجمهور فرصة تقييم الأداء والخطاب السياسي بصورة مباشرة. ومن طبيعة هذه المناظرات أن تتضمن نقاشات حادة أو نقدًا سياسيًا مباشرًا أو استخدام تعبيرات مجازية تدخل ضمن إطار الخطاب الانتخابي المتعارف عليه، طالما بقي ذلك ضمن حدود القانون ولم يتضمن تحريضًا أو تشهيرًا أو إساءة يعاقب عليها القانون.
ومن هنا، فإن أي انتقال للخلاف السياسي أو الانتخابي إلى مسار قانوني أو جزائي يستوجب قدرًا عاليًا من التوازن والحذر، حتى لا يُفهم الأمر باعتباره تضييقًا على حرية المشاركة السياسية أو تقييدًا للمجال العام الديمقراطي.
الإطار القانوني لحرية الرأي والتعبير
لقد كفل القانون الأساسي الفلسطيني حرية الرأي والتعبير باعتبارها من الحقوق الدستورية الأساسية، حيث نصت المادة (19) على أن:
“لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون.”
كما أكدت المادة (27) من القانون الأساسي ضمان حرية وسائل الإعلام والطباعة والنشر، بما يعزز الحق في تداول المعلومات وإبداء الرأي ضمن الإطار القانوني.
وعلى المستوى الدولي، أكدت المادة (19) من الأمم المتحدة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه دولة فلسطين، أن:
“لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة، ولكل إنسان حق في حرية التعبير.”
وفي المقابل، فإن ممارسة حرية التعبير تبقى مقيدة بالضوابط القانونية التي تحظر التشهير أو التحريض أو المساس بحقوق الآخرين أو النظام العام، وهو ما يشكل التوازن الطبيعي بين الحرية والمسؤولية في أي دولة قانون.
ومن الناحية القانونية، فإن الخطاب السياسي والانتخابي يتمتع عادة بهامش واسع من الحماية القانونية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم دون مساحة حقيقية للنقد والمساءلة والحوار المفتوح حول القضايا العامة.
بين الحق القانوني ومتطلبات التوازن السياسي
إن احترام سيادة القانون وهيبة القضاء يمثلان ركيزة أساسية من ركائز النظام السياسي الفلسطيني، غير أن تطبيق القانون في القضايا المرتبطة بالتعبير السياسي يتطلب دائمًا مراعاة مبدأ التناسب، بحيث يتم التمييز بين:
النقد السياسي المشروع،
وبين الأفعال التي تشكل جرمًا جزائيًا واضحًا وفق أحكام القانون.
وفي هذا الإطار، فإن معالجة القضايا المرتبطة بخطاب انتخابي أو نقاش سياسي عام تستوجب مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، خاصة في ظل ارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي الناتج عن الأوضاع المعيشية والخدماتية والمالية المعقدة.
كما أن الشخصيات العامة والمسؤولين والمرشحين في الحياة السياسية يكونون بحكم مواقعهم أكثر عرضة للنقد السياسي من غيرهم، طالما بقي هذا النقد ضمن الأطر القانونية ولم يتحول إلى تحريض أو إساءة شخصية مباشرة.
التداعيات السياسية والمجتمعية للقضية
إن أي إجراء قانوني يتعلق بشخصية منتخبة أو ناشطة سياسيًا ونقابيًا يترك بطبيعته انعكاسات تتجاوز البعد القانوني البحت، خاصة في مجتمع يعيش ظروفًا سياسية ووطنية استثنائية كالحالة الفلسطينية.
فالقضية لا تُقرأ فقط من زاوية قانونية، بل تُفسَّر أيضًا في سياق أوسع يتعلق بالمناخ الديمقراطي، ومستوى الحريات العامة، وطبيعة العلاقة بين المجال السياسي والإجراءات القانونية.
ومن هنا، فإن استمرار مثل هذه القضايا دون معالجات متوازنة قد يؤدي إلى:
زيادة حالة الاستقطاب السياسي،
وتعميق الشعور بالاحتقان المجتمعي،
والتأثير على الثقة بالمؤسسات،
وخلق مخاوف لدى بعض القوى السياسية أو المرشحين بشأن حدود حرية التعبير أثناء الحملات الانتخابية.
وفي المقابل، فإن المعالجة القانونية الهادئة والمتوازنة تعزز الثقة بسيادة القانون، وتحافظ على استقرار المجتمع، وتكرس صورة النظام السياسي الفلسطيني باعتباره نظامًا يحترم الحقوق والحريات العامة في إطار القانون.
خصوصية الحالة الفلسطينية ومتطلبات الحكمة الوطنية
لا يمكن فصل هذه القضية عن الواقع الفلسطيني العام، حيث يعيش المواطن الفلسطيني تحت ضغوط مركبة ناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وتعطل قطاعات حيوية، وارتفاع نسب البطالة والفقر، إضافة إلى الأزمات المتراكمة التي أثرت على مستوى الخدمات العامة، بما فيها الصحة والتعليم والبلديات.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح النقد السياسي والتعبير عن حالة الغضب أو التذمر الشعبي جزءًا من المشهد الطبيعي في أي مجتمع يواجه أزمات وضغوطًا متواصلة.
ومن هنا، فإن الحكمة السياسية والقانونية والوطنية تقتضي تعزيز مساحة الحوار والتعبير المسؤول، واحتواء الخلافات السياسية ضمن الأطر الديمقراطية والقانونية، بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
خاتمة وتوصية
إن حماية حرية الرأي والتعبير لا تعني الخروج عن القانون، كما أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تقييدًا للحياة الديمقراطية أو تضييقًا على المجال السياسي، بل إن جوهر الدولة القانونية الحديثة يقوم على تحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون الحقوق والحريات الأساسية.
واستنادًا إلى أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وروح العدالة ومتطلبات المصلحة الوطنية العليا، فإن المعالجة القانونية المتوازنة لهذه القضية تستوجب تغليب روح القانون والحكمة الوطنية، بما يحفظ هيبة المؤسسات ويصون في الوقت ذاته حرية التعبير السياسي المكفولة قانونًا.
وفي ظل طبيعة التصريحات المتداولة المرتبطة بسياق انتخابي وسياسي، ومع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الوطنية الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، فإن الإفراج عن الأستاذ سهيل السلمان، مع احتفاظ القضاء بحقه في متابعة أي إجراءات قانونية وفق الأصول والضمانات المكفولة، من شأنه أن يعزز الثقة بسيادة القانون، ويؤكد احترام الحريات العامة، ويكرس مبدأ أن النقد السياسي المسؤول وحرية الرأي ضمن حدود القانون يشكلان جزءًا أساسيًا من الحياة الديمقراطية الفلسطينية وصمود المجتمع في مواجهة التحديات الوطنية الراهنة.




