اقتصادات أوروبا تئنّ: التعافي من آثار الحرب ليس منظوراً

اقتصادات أوروبا تئنّ: التعافي من آثار الحرب ليس منظوراً
يضع العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، الاقتصادَين الأوروبي والبريطاني في مهبّ أزمة هيكلية، مع استمرار تصاعد التضخّم، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الطاقة، والذي يهدّد بدفع تلك الاقتصادات نحو ركود حادّ ومكلف.
لندن | في الوقت الذي تحاول فيه الحكومات والشركات الأوروبية التكيّف مع اضطرابات تدفّق الطاقة وتصاعد تكاليف سلاسل التوريد نتيجة العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز، رسمت توقّعات الخبراء للربع الثاني من العام، صورة قاتمة للاقتصادات التي ترزح تحت وطأة ضغوط تضخمية مستمرّة، وتراجع حادّ في مؤشرات ثقة المستهلكين، في ما قد يكون المحرّك الرئيس لأزمة اقتصادية هيكلية تعصف بالقارة الأوروبية والمملكة المتحدة. وتتركّز المعاناة في بريطانيا وأوروبا حول محورَين أساسيْن: تآكل القدرة الشرائية للمستهلك، والضغوط على البنية الصناعية؛ إذ تشير تقارير مؤشرات الثقة الاستهلاكية إلى تراجع هو الأكبر منذ عام، يعكس قلقاً متزايداً لدى الأوروبيين تجاه اقتصادات دولهم وأوضاعها المالية. وكان أدّى ارتفاع أسعار الوقود والطاقة بشكل ملموس إلى استنزاف ميزانيات الأسر، وأجبر المستهلكين على ترشيد الإنفاق، الأمر الذي تُرجِم فوراً انخفاضاً في الطلب المحلّي. ويمثّل الإنفاق الاستهلاكي ثلثَي النشاط الاقتصادي في بريطانيا، ما يعني أن أيّ تراجع في ثقة المستهلك سيتسبّب في تأجيل المشتريات الكبيرة وتقليص الإنفاق الترفيهي، وهذا ما يُضعِف الطلب ويخلق بيئة تجارية أكثر صعوبة.
في الوقت نفسه، تصاعدت تحذيرات الشركات الكبرى في قطاع التجزئة البريطاني، من تراجع أرباحها. وأعربت سلسلة متاجر «سينسبري» – ثانية أكبر سلاسل تجارة المواد الاستهلاكية في المملكة – عن مخاوفها من أن الأزمة التي تسبّب بها العدوان، تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين وترفع تكاليف التشغيل. ونبّهت «ماركس أند سبنسر»، بدورها، إلى حتمية انتقال تضخّم أسعار الغذاء إلى المستهلك بحلول الخريف، حتى في حال حدوث انفراجة دبلوماسية فورية. كما ثمّة شركات سارعت إلى تعديل استراتيجياتها الإنتاجية، محوّلةً جزءاً من عمليات تصنيعها من الشرق الأقصى إلى مواقع أقرب جغرافياً في تركيا والمغرب وحتى في بريطانيا نفسها، في محاولة يائسة لتجنّب اضطرابات الشحن وتكاليف الشحن البحري المتزايدة.
أمّا على مستوى النشاط الصناعي، فكشفت مسوحات مديري المشتريات في منطقة اليورو وبريطانيا عن اتجاهات مقلقة، إذ شهد القطاع الخاص في الأولى انكماشاً هو الأكبر منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، في حين تضرَّر قطاع الخدمات بشدة من ارتفاع التكاليف. وفي بريطانيا، سجّل القطاع نفسه أكبر قفزة في تكاليف الإنتاج منذ 1996. ورغم أن الصناعة البريطانية تُظهِر بعض المرونة في الأرقام، إلّا أن هذا النمو كان مضلِّلاً؛ فهو ناتج من تخزين احترازي للمواد الأولية تحسباً لنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار المستقبلي، وليس من نموّ حقيقي في الطلب. ومن جهتها، تجد البنوك المركزية – بنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي – نفسها أمام معضلة صوغ السياسة النقدية في ظلّ ضغوط متعاكسة؛ ففي الظروف الطبيعية، قد تؤدّي بيانات النمو الضعيف إلى خفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد وزيادة الطلب. ولكن، مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والتضخّم وفقدان الاستقرار في الشرق الأوسط، يلفي صنّاع السياسات أنفسهم مرغمين على التفكير في رفع الفائدة، بما يهدّد بدفع الاقتصادات الهشّة أصلاً نحو ركود أعمق. وتشير توقّعات الأسواق، في هذا الإطار، إلى اتجاه لرفع معدّلات الفائدة في بريطانيا، ما سيزيد من تكلفة الاقتراض للشركات والحكومات على حدّ سواء، ويجعل من تحقيق نمو اقتصادي هدفاً صعب المنال.
يتجاوز التحدّي الذي يواجه لندن وبروكسل مرحلة إدارة تداعيات الحرب على إيران
كذلك، تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً لتقديم الدعم المالي للمواطنين المتضرّرين، سواء عبر دعم الوقود أو تقليل الأعباء الضريبية على الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة. لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها اجتماعياً، تُفاقِم من مستويات الدين العام، في وقت ترتفع فيه تكاليف خدمة الديون نتيجة ازدياد أسعار الفائدة. وفي بريطانيا، تثير التقديرات حول العجز المالي وتكلفة خدمة الدين قلقاً متزايداً، حيث يتجاوز ما تنفقه الحكومة على الفائدة ما تخصّصه للإنفاق الدفاعي، على نحو يضع خطط التحديث العسكري ومشتريات المعدّات الاستراتيجية موضع شكّ. وتمتدّ الضغوط إلى صناعة الدفاع ذاتها؛ إذ تتّسم عمليات التصنيع العسكري بأنها كثيفة الاستهلاك للطاقة، من صهر الصلب والألمنيوم إلى إنتاج الإلكترونيات الدقيقة. وأدّى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى رفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير، ما تسبّب في تعقيدات لبرامج التسلّح الأوروبية والبريطانية. وتقول الشركات العاملة في هذا القطاع، من مثل «بي إيه إي سيستمز»، إنها تواجه تحدّيات تمويلية ناتجة من ارتفاع تكاليف الاقتراض، ما يؤثّر على قدرتها على الحفاظ على خطوط الإنتاج والبحث والتطوير في ظلّ ميزانيات حكومية متقشّفة.
وكان خفّض «صندوق النقد الدولي» توقّعات النمو لمنطقة اليورو إلى 1.1% لعام 2026، حيث تبدو ألمانيا، قاطرة الاتحاد الأوروبي، أحد أكثر الاقتصادات تضرّراً، نظراً إلى ما تواجهه من خطر تراجع نموّها الاقتصادي إلى مستويات قد تقترب من الركود، وذلك نتيجة اعتمادها الصناعي الكبير على الطاقة المُستوردة. ولا تتعلّق تلك التوقعات بالتداعيات المباشرة للعدوان على إيران فحسب، وإنما تعكس القلق من أن تؤدّي هذه الأزمة إلى تحوّلات طويلة الأمد في النماذج الاقتصادية الأوروبية التي اعتمدت لعقود على سلاسل توريد عالمية مفتوحة، وطاقة رخيصة. ويقول الخبراء إن آثار الحرب فرضت واقعاً يتطلّب إعادة تقييم شاملة للأمن الاقتصادي الأوروبي؛ إذ لم يعُد الحديث مقتصراً على أهداف التحوّل إلى مصادر الطاقة النظيفة، وانما انتقل إلى البحث عن تأمين الإمدادات الاستراتيجية بعدما اتّضح أن الأنظمة الاقتصادية التي تفتقر إلى الاستقلال في موارد الطاقة والمواد الخام الأساسية هي الأكثر عرضة للصدمات عند حدوث أيّ خلل في الممرّات البحرية العالمية.
ومع تمديد مهل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تأمل الشركات في عودة تدريجية لاستقرار سلاسل التوريد، لكن مؤشّرات الاقتصاد الكلّي تشير إلى أن التكيّف مع الأسعار المرتفعة وتكاليف الاقتراض المتصاعدة سيشكّل السِّمة الرئيسة للأداء الاقتصادي في أوروبا خلال الفترة القادمة. وهكذا، يتجاوز التحدّي الذي يواجه لندن وبروكسل مرحلة إدارة تداعيات الحرب على إيران؛ ليكون اختباراً لمرونة نماذجها الاقتصادية، وقدرتها على الصمود في ظلّ نظام دولي يشهد إعادة تشكيل قسرية ومكلفة





