
الانتخابات الإسرائيلية: أين الاقتصاد من المنافسة؟
غلاء المعيشة وكلفة الحرب والعجز المالي.. ملفات تضغط على الناخبين وتغيب عن البرامج الانتخابية
إعداد وتقرير: المحامي علي ابوحبله
مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يتراجع الاقتصاد إلى مرتبة متأخرة في الخطاب الانتخابي، رغم أن غلاء المعيشة وارتفاع كلفة السكن والإنفاق العسكري والعجز المالي تمثل تحديات مباشرة تمس حياة الإسرائيليين ومستقبل الاقتصاد. وبينما تنشغل الأحزاب بمسؤولية بنيامين نتنياهو عن إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وبمستقبل القيادة السياسية والأمنية، تبدو المنافسة الاقتصادية أقل وضوحًا من حجم الأعباء التي تنتظر الحكومة المقبلة.
وتشير التغطيات الاقتصادية والسياسية الإسرائيلية إلى أن غالبية الأحزاب لم تقدم برامج اقتصادية متكاملة ومفصلة، فيما تفتقر بعض الوعود الانتخابية إلى تقديرات واضحة للكلفة ومصادر التمويل. وبذلك، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الأحزاب قادرة على خفض الأسعار، بل يمتد إلى كيفية تمويل الإنفاق العسكري، وتوزيع أعباء الحرب، وحماية الخدمات العامة، ومن يتحمل فاتورة السياسات الحكومية خلال السنوات المقبلة.
من دولة الرفاه إلى اقتصاد السوق
لم يكن الاقتصاد غائبًا دائمًا عن المنافسة الانتخابية الإسرائيلية. فقد شكّلت السياسات الاجتماعية والضريبية محورًا مهمًا في الصراع الحزبي خلال العقود الماضية، قبل أن تتراجع تدريجيًا أمام الاستقطاب القومي والأمني والديني.
وشكّلت الإصلاحات التي قادها بنيامين نتنياهو خلال توليه وزارة المالية بين عامي 2003 و2005 محطة بارزة في التحول نحو اقتصاد السوق، عبر تقليص بعض المخصصات الاجتماعية، وتشديد شروط الحصول على الإعانات، وتوسيع دور القطاع الخاص، بالتوازي مع الدعوة إلى خفض الضرائب وتشجيع الاستثمار.
وقد انعكست هذه التوجهات على شرائح من ذوي الدخل المحدود والأسر الكبيرة، وإن لم يكن ممكنًا تفسير التحولات الانتخابية اللاحقة بالعامل الاقتصادي وحده. ففي انتخابات 2006، تراجع حزب الليكود إلى 12 مقعدًا، بينما حصل حزب كديما على 29 مقعدًا، في نتيجة تأثرت أيضًا بانشقاق أريئيل شارون وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية.
وعادت المطالب الاقتصادية والاجتماعية بقوة نسبية في انتخابات 2013، بعد احتجاجات صيف 2011 على أسعار السكن وغلاء المعيشة. وتمكن حزب «ييش عتيد» بقيادة يائير لبيد من الحصول على 19 مقعدًا، فيما حصل حزب العمل على 15 مقعدًا. لكن هذه الموجة لم تؤدِّ إلى تغيير النموذج الاقتصادي العام، بل أعادت ترتيب التنافس داخل النظام السياسي القائم.
الحرب ترفع الفاتورة الاقتصادية
تأتي انتخابات 2026 في ظروف مختلفة؛ إذ تتداخل تداعيات الحروب المتواصلة منذ أكتوبر 2023 مع الضغوط المالية والاحتياجات الأمنية، بما يفرض تحديات تتجاوز قدرة الحملات الانتخابية على تقديم وعود عامة بخفض الأسعار أو تعزيز النمو.
ووفق التوقعات الصادرة عن بنك إسرائيل في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يُقدّر عجز الموازنة بنحو 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مع توقع ارتفاعه إلى 4.6% في عام 2027. كما يقدّر البنك نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 68% في نهاية عام 2026، محذرًا من استمرار عدم اليقين بشأن الإنفاق الدفاعي والتطورات الجيوسياسية وتأثيراتها المالية.
وتكشف هذه المؤشرات أن التحدي لا يرتبط فقط بمعدل النمو، بل بمدى قدرة الحكومة المقبلة على التوفيق بين تمويل المؤسسة العسكرية، وتغطية تكاليف الحرب والتعويضات وإعادة التأهيل، والاستثمار في البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، والحفاظ على الاستقرار المالي.
فحتى عندما يسجل الاقتصاد نموًا، لا يعني ذلك بالضرورة أن الأسر تشعر بتحسن في قدرتها الشرائية. وقد تتعايش المؤشرات الكلية الإيجابية مع ارتفاع كلفة الغذاء والسكن، وتزايد الضغوط على أصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى. وهذا التناقض يجعل الاقتصاد قضية اجتماعية وسياسية مؤجلة، لا قضية هامشية.
خلاف على الأدوات لا على النموذج
تكشف مراجعة مواقف الأحزاب عن اختلاف في الأولويات والأدوات، أكثر مما تكشف عن صراع بين نماذج اقتصادية متعارضة.
يتمسك الليكود باقتصاد السوق، وتقليص القيود التنظيمية، وتعزيز المنافسة والاستثمار. وفي المقابل، يطرح تحالف «معًا» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد فتح الأسواق أمام الاستيراد ومواجهة الاحتكارات، بهدف تخفيف الأسعار. ويركز حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت على النمو ومكافحة التركّز الاقتصادي، مع إعطاء أولوية لمن يعملون ويؤدون الخدمة العسكرية أو المدنية.
أما «الديمقراطيون»، فيشددون على تحسين الخدمات العامة وتقليص الفجوات الاجتماعية، فيما تركز أحزاب حريدية، وفي مقدمتها شاس، على دعم الأسر محدودة الدخل والمساعدات الاجتماعية. وتطرح قوى يمينية أخرى تحرير الاقتصاد وتشجيع المبادرة الخاصة، مع ربط توزيع بعض الموارد بأولوياتها القومية والاجتماعية.
لكن الفارق بين هذه المواقف لا يلغي وجود قاسم مشترك واسع يتمثل في استمرار العمل ضمن إطار اقتصاد السوق. ويتركز الخلاف على حجم التدخل الحكومي، وتوزيع المخصصات، وفتح الأسواق، والجهات المستفيدة من الدعم، لا على تقديم بديل اقتصادي متكامل يعيد صياغة العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية.
وتبرز هنا قضية توزيع الأعباء العسكرية والمالية، ولا سيما الجدل بشأن إعفاء قطاعات من المجتمع الحريدي من الخدمة العسكرية، في وقت تتزايد فيه متطلبات الخدمة والاحتياط. فهذه القضية لا تتصل بالهوية الدينية وحدها، بل تمتد إلى سوق العمل، والمشاركة الاقتصادية، والإنفاق العام، ومفهوم المساواة في تحمل الالتزامات الوطنية.
هل تتحول الضغوط الاقتصادية إلى عقاب انتخابي؟
تتمثل المفارقة الأساسية في أن الاقتصاد يؤثر في الحياة اليومية للناخبين، لكنه لا يحتل الموقع نفسه في تحديد خياراتهم السياسية. فقد طغت خلال السنوات الماضية المواجهة بين معسكر نتنياهو وخصومه على النقاش بشأن السياسات الاقتصادية، ثم عززت حرب غزة وما تلاها من مواجهات إقليمية حضور القضايا الأمنية ومساءلة القيادة.
ولا يعني ذلك أن الناخب الإسرائيلي يتجاهل الأسعار أو الأجور أو السكن؛ بل إن هذه المطالب تتداخل مع مواقفه من الأمن والهوية الدينية والخدمة العسكرية ومستقبل القيادة. ومن هنا، قد يتراجع حزب بسبب أدائه الأمني أو السياسي، حتى إن لم يكن منافسوه قد قدموا برنامجًا اقتصاديًا أكثر إقناعًا.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل عدم وضوح كيفية تمويل الوعود الانتخابية. فخفض الضرائب وتوسيع المساعدات الاجتماعية وزيادة الإنفاق الدفاعي وخفض العجز أهداف يصعب تحقيقها جميعًا من دون تحديد الأولويات أو مصادر الإيرادات. وتصبح الوعود أقل إقناعًا عندما لا تتضمن تقديرات مالية قابلة للفحص أو تصورًا واضحًا لتوزيع التكاليف.
الخلاصة: من يدفع ثمن السياسات؟
لا يمكن فصل الاقتصاد الإسرائيلي عن الخيارات السياسية والأمنية للحكومة، ولا عن تكلفة الحروب والاستيطان وتوزيع الموازنات العامة. ولذلك، فإن اختبار الحكومة المقبلة لن يكون في قدرتها على إعلان معدلات نمو مرتفعة فحسب، بل في كيفية توزيع الموارد والأعباء، وحماية القدرة الشرائية، ومعالجة فجوات الدخل، وضمان استدامة المالية العامة.
والسؤال الذي تطرحه هذه الانتخابات يتجاوز المنافسة بين نتنياهو ومنافسيه: هل تقدم الأحزاب الإسرائيلية خطة اقتصادية شفافة تحدد كلفة الحرب ومصادر تمويلها والجهات التي تتحمل أعباءها، أم يبقى الاقتصاد ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد تشكيل الحكومة؟
حتى الآن، تشير المعطيات المتاحة إلى أن التنافس يدور بدرجة كبيرة حول إدارة اقتصاد السوق وتوزيع مكاسبه وأعبائه، لا حول تغيير بنيته الأساسية. وقد يكون هذا الغياب للبدائل الاقتصادية الواضحة أحد أبرز ملامح الانتخابات الحالية، في وقت يحتاج فيه الناخب إلى إجابات عملية عن الأسعار والسكن والضرائب والخدمات، لا إلى وعود عامة لا تحدد من يدفع ثمنها.



