
الانتخابات المحلية في زمن الحرب: أولوية المصلحة الوطنية وحدود القرار السيادي
المحامي علي ابوحبله
في ظل المشهد الفلسطيني المعقّد، حيث تتقاطع الحرب مع الاحتلال، وتتصاعد التحديات الوجودية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، تفرض مسألة إجراء انتخابات المجالس البلدية والمحلية نفسها كقضية تتجاوز بعدها الإجرائي إلى مستوى القرار السيادي الوطني. ولم يعد النقاش محصورًا في توقيت الانتخابات أو آلياتها، بل بات يتمحور حول سؤال أكثر عمقًا: هل يخدم هذا الاستحقاق، في هذه اللحظة، المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، أم أنه يتعارض معها؟
أولوية المصلحة الوطنية على ما سواها ، إن القاعدة التي يجب أن تحكم أي قرار سياسي في الحالة الفلسطينية هي تغليب المصلحة الوطنية العليا والقرار السيادي الفلسطيني على أية اعتبارات أخرى، سواء كانت قانونية شكلية أو ضغوطًا خارجية أو حسابات ظرفية. فالسيادة، حتى في ظل الاحتلال، تظل فعلًا سياسيًا يُمارس من خلال قرارات تعكس الإرادة الوطنية وتحمي وحدة الشعب والأرض.
وفي هذا السياق، فإن الإصرار على إجراء انتخابات محلية في ظل واقع من الحرب والانقسام والقيود الإسرائيلية المشددة، قد يُفهم على أنه تغليب للاعتبارات الشكلية على حساب المضمون الوطني، وهو ما يستدعي مراجعة جدية لهذا التوجه.
القرار السياسي بين الواقع والمأمول ؟؟؟ إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الفلسطينية يتمثل في ضرورة عدم الانفصال عن الواقع الميداني. فالفجوة بين القرار السياسي والواقع الشعبي، في ظل الأزمات، قد تؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات، وتضعف من قدرة النظام السياسي على إدارة المرحلة.
الواقع الفلسطيني اليوم هو واقع صمود ومواجهة، لا واقع تنافس انتخابي تقليدي. فالمواطن الفلسطيني يواجه سياسات ممنهجة تستهدف وجوده، من خلال التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وفرض الوقائع على الأرض، وصولًا إلى مخططات الضم والتهجير القسري. وفي ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأولويات بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة.
تعزيز الصمود الوطني كأولوية استراتيجية وفي هذا فإن الواجب الوطني يقتضي من الحكومة الفلسطينية توجيه جهودها نحو تدعيم صمود المواطنين، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات الاحتلال. ويشمل ذلك تعزيز مقومات البقاء الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم المجتمعات المحلية في مواجهة الضغوط اليومية.
كما أن مواجهة مخططات الضم والتوسع الاستيطاني تتطلب جهدًا سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا مكثفًا، يستدعي توحيد الطاقات الوطنية بدل تشتيتها في استحقاقات قد لا تتوفر لها الظروف المناسبة.
مخاطر التفكك الاجتماعي وتعميق الانقسام ؟؟؟ حيث إن إجراء انتخابات في ظل بيئة سياسية وأمنية هشة، ومع إدخال تعديلات على قانون انتخابات الهيئات المحلية، يثير مخاوف جدية من أن تتحول العملية الانتخابية إلى عامل انقسام إضافي، بدل أن تكون أداة للوحدة.
فالانتخابات، إذا جرت في ظل شروط غير متكافئة، أو وفق تعديلات قانونية لا تحظى بإجماع وطني، قد تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتعميق الاستقطاب الداخلي، خاصة إذا فُهمت على أنها استجابة لمتطلبات مفروضة أو ضغوط خارجية لا تنسجم مع الأولويات الوطنية.
وفي هذا الإطار، فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية الداخلية يجب أن يتقدم على أي استحقاق انتخابي، باعتبارها الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الخارجية.
تنشيط الدبلوماسية الفلسطينية واستعادة الفعل السياسي
في موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى تنشيط الدبلوماسية الفلسطينية على الساحة الدولية، بما يعزز من حضور القضية الفلسطينية، ويواجه الرواية الإسرائيلية، ويعيد الاعتبار للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء السياسي والدبلوماسي، وهو ما يتطلب تركيز الجهود الرسمية في هذا الاتجاه، بدل الانشغال باستحقاقات داخلية قد لا تحقق الأثر المرجو.
خلاصة استراتيجية: تأجيل الانتخابات كخيار سيادي
إن تأجيل انتخابات المجالس البلدية والمحلية، في ظل هذه الظروف، لا ينبغي أن يُفهم كإخلال بالمسار الديمقراطي، بل كقرار سيادي وطني يستند إلى تقدير موضوعي للمصلحة العليا. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بقدرتها على التعبير عن إرادة الشعب في بيئة حرة وآمنة.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تتطلب مقاربة شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع في مقدمتها تعزيز الصمود، والحفاظ على الوحدة الوطنية، ومواجهة سياسات الاحتلال، تمهيدًا لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة ونزيهة في المستقبل.
إن تغليب المصلحة الوطنية، في هذه اللحظة التاريخية، هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، ومنع انزلاقه نحو مزيد من التآكل أو التفكك تحت وطأة الضغوط والتحديات.



