الانفتاح العربي والدولي على «سوريا ما بعد الأسد»: احتضان التحوُّل الاستراتيجي وتأمين الانتقال إلى «دولة طبيعية»

الانفتاح العربي والدولي على «سوريا ما بعد الأسد»: احتضان التحوُّل الاستراتيجي وتأمين الانتقال إلى «دولة طبيعية»
رلى موفّق
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقفت سوريا على مفترق طرق حاسم، إذ خلَّفت سنوات الحرب الطويلة دولة منهكة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. في هذا المشهد المعقّد، برزت شخصية الرئيس أحمد الشرع كقائد يسعى لاستغلال الفرصة التاريخية لإعادة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، عبر سياسة تتّسم بالواقعية والانفتاح، أطلق عليها مراقبون سياسة «صفر مشاكل»، التي تهدف إلى إعادة بناء الدولة المدمَّرة من دون انغماس في صراعات إقليمية أو خلافات داخلية مستمرة.
شهدت سوريا تحوّلاً استراتيجياً مفصلياً: إخراج إيران وميليشياتها، وقطع جسر التواصل بين طهران وبيروت عبر أراضيها. كان نظام الأسد يمثل الحلقة الاستراتيجية للتمدُّد الإيراني في المنطقة، وبالتالي يضمن بقاء النفوذ الإيراني في سوريا لطهران موطئ قدم على شواطئ المتوسط ويحمي مشروعها التوسعي العقائدي ويوفِّر لها مقعداً على طاولة القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، خصوصاً عند نقاط التماس بين إسرائيل والدول التي تتحكم بقرارها أذرع الحرس الثوري الإيراني.
بدأت «سوريا الجديدة» تشقّ طريقها في اتجاه ربط ما انقطع مع العرب والغرب بعد عزلة وحصار اقتصادي وسياسي. وبدا الشرع يقود سياسة براغماتية تعتمد على حسن الجوار والتنمية الاقتصادية وفتح جميع القنوات الدبلوماسية والاقتصادية للاستفادة من الفرص المتاحة لإعادة إعمار سوريا، وضخ استثمارات في قطاعات الطاقة، والموانئ، والاتصالات، والصناعة، والزراعة عبر اتفاقيات استراتيجية لتطوير البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة.
ومع إدراكه الكامل لموقع بلاده الجغرافي والسياسي في قلب الشرق الأوسط الجديد، انطلقت استراتيجية الشرع التي اعتمدها، ولا يزال، على مسلمة أن الأمن والاستقرار شرطان أساسيان للنجاح الاقتصادي والتنموي، وهو ما يُفسِّر تركيز الحكومة السورية على التعاون مع القوى الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، ومنع تهريب المخدرات عبر الحدود، وضمان استقرار المناطق الحدودية مع الأردن وتركيا، وإسرائيل. تجعل هذه الأبعاد من رؤية الرجل خارطة طريق متكاملة لسوريا تجمع بين المصالح الوطنية والتنمية الاقتصادية، مع السعي لتثبيت موقعها كعامل استقرار محوري في الشرق الأوسط الجديد.
لا شك في أن المنطقة، بعد السابع من أكتوبر 2023، دخلت عصر التحوّلات الكبرى التي لا يمكن عزل تبدّل المشهد في سوريا عنها. شكَّل سقوط نظام الأسد وصعود الشرع منعطفاً جذرياً في مقاربة الدول العربية والدولية تجاه سوريا. فبعد أكثر من عقد من العزلة والصراع المسلح والانقسام الإقليمي والدولي حول الموقف من دمشق، برزت ديناميات جديدة جعلت سوريا محوراً لإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.
لم يكن هذا الانفتاح حدثاً معزولاً ولا مبادرة مجاملة، بل جاء ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تبنتها عواصم عربية وغربية على حدّ سواء، مدفوعة بمتغيرات إقليمية حادة وحسابات اقتصادية واستراتيجية عميقة. الانفتاح العربي والدولي على سوريا كان متعدّد الأبعاد: سياسي، واقتصادي، وأمني، واستثماري، ويهدف إلى إعادة بناء الدولة، وجذب الاستثمارات، وتأمين الاستقرار الداخلي، وتهيئة سوريا لتكون جزءاً من مشروع إقليمي شامل للسلام والاستقرار في المنطقة. وترتبط الأبعاد السياسية لهذا الانفتاح، بشكل مباشر، بما توفره القيادة السورية الجديدة من ضمانات لاستعادة الدولة المركزية، وإدارة علاقات متوازنة مع جيرانها والدول الكبرى، مع إبقاء سوريا محوراً جاذباً للاستثمارات الأجنبية والعربية.
لا شك في أن أحد العوامل الأساسية التي دفعت الدول العربية والغربية إلى إعادة احتضان سوريا هو إدراكهم أن استمرار الدولة السورية في حالة فراغ سياسي كان سيؤدي إلى فراغ أمني، وتصاعد التطرف، وانتشار النفوذ الإيراني بشكل غير منضبط، واستمرار النزوح الجماعي. وبرزت هنا الرؤية البراغماتية للرئيس السوري، التي أُسِّست على فكرة أن سوريا يجب أن تتحوَّل من ساحة صراع إلى محور استقرار، مع دمجها اقتصادياً وسياسياً في مُحيطَيها العربي والدولي. فمنذ الأيام الأولى لإدارة الشرع، تبلورت ملامح رؤية تقوم على فتح الاقتصاد والتحالف مع الدول العربية قبل الإقليمية وإعادة سوريا إلى مركز القرار العربي، وتحييد المحاور، واعتماد سياسة أبواب مفتوحة مع الغرب. شجع هذا النهج الدول العربية والغربية على التعامل مع دمشق كحكومة راغبة في الإصلاح لا كامتداد لنظام معزول.
يلعب الموقع الجغرافي لسوريا دوراً أساسياً في جذب الانفتاحَين العربي والدولي، فهي نقطة التقاء مع حدود تركيا شمالاً، والعراق شرقاً، والأردن جنوباً، وإسرائيل في الجنوب الغربي، ولبنان غرباً، مع شواطئ على البحر المتوسط. هذه الوضعية الاستراتيجية تجعل سوريا في قلب التوازنات الإقليمية، إذ يصبح الحفاظ على استقرار الحدود مع إسرائيل عاملاً جوهرياً في السياسة الأمنية، وعدم زعزعة الاستقرار الداخلي، بما يُسهم في جذب الاستثمار الخارجي، وتسهيل إعادة الإعمار، وتعزيز دور سوريا كلاعب مؤثر في مشروع السلام الإقليمي الكبير، ضمن إطار تحالفات وتفاهمات مع القوى الإقليمية والدولية.
شكَّلت تركيا الداعم الأساسي في المعركة الاستراتيجية التي أدت إلى سقوط الأسد. وتعامل الأردن مع سوريا الجديدة كشريك استراتيجي في معركة مكافحة تهريب المخدرات ليس كمسألة أمن محليّ فقط، بل حماية للمجتمع الإقليمي بأسره من تداعيات انتشار المخدرات. وكانت الدول العربية التي احتضنت الحكم الجديد متعددة، وعلى رأسها السعودية وقطر والإمارات، كل واحدة منها قدَّمت نوعاً من الدعم السياسي والاستثماري. وفَّرت السعودية بثقلها كـ»دولة قاطرة» غطاء سياسياً واستثمارياً لإعادة دمج سوريا في المحيط العربي وتشجيع الاستقرار. فحين زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرياض في أيار/مايو 2025، أعلن انه سيرفع العقوبات عن سوريا بطلب من ولي العهد السعودي، وكان لقاؤه الأول مع الشرع في العاصمة السعودية بحضور ابن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر اتصال عن بُعد. أشار ترامب لاحقا إلى أن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا عملت عليه أيضاً دولة قطر.
نُظر إلى قرار ترامب على أنه خطوة تاريخية تجاه إعادة دمج سوريا في النظام الدولي والاقتصاد العالمي بعدما تغيَّرت المعادلة السابقة التي كانت تضع دمشق في «محور الشر». لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تأمين غطاء لرؤية الشرع، من خلال دعم جهود مكافحة الإرهاب، وضمان استقرار الحدود مع إسرائيل، وإضعاف إيران، ودعم مسار سياسي يضمن انتقالاً مستقراً، ورفع العقوبات، بما يُمهِّد الطريق لإطلاق المبادرات الاقتصادية والدبلوماسية مع خلق أرضية لمبادرات سلام إقليمية مستقبلية. ومكّنت التفاهمات العربية – الأمريكية دول الخليج والأردن ومصر من بناء «ممر عربي» لاحتضان الشرع سياسياً. في واقع الأمر، يُمارس ترامب الذي يقود مشروع السلام في الشرق الأوسط الجديد، ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعدم تقويض جهود الدولة السورية الجديدة وخلق القلاقل الداخلية من خلال دعمها الدروز ولعب دور من خلف الستارة مع أكراد سوريا والعلويين.
ثمة تحوُّل كبير على المستوى الأمني، فسوريا أصبحت جزءاً من تحالف مكافحة تنظيم «داعش»، مع تبادل استخباري وأمني مع دول التحالف. وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» قبل أيام عن استهداف مواقع لـ«داعش» بفعل هذه الشراكة الأمنية.
أتاح رفع العقوبات الجزئي لسوريا فرصة ذهبية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والعربية، خصوصاً في مجالات النفط والغاز، والبنية التحتية، والمرافئ، والمدن الصناعية. حذا الاتحاد الأوروبي حذو الأمريكيين، برفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية المتبقية، شمل إزالة تجميد أصول 24 كياناً من بينها مصرف سوريا المركزي وشركات في قطاعات حيوية مثل النفط، والتكرير، والقطن، والاتصالات، وشكَّل هذا التحوُّل القانوني والدبلوماسي نقطة تحوُّل في المناخ الاستثماري نحو سوريا. وأصبحت الشركات الدولية أكثر استعداداً لدخول السوق السورية، مع توقعات بعوائد طويلة الأمد، لكنها تتنظر إقرار الكونغرس انتهاء المفاعيل الكاملة لـ«قانون قيصر»، والذي من المتوقع أن يحصل في غضون أسابيع خلال التصويت على الموازنة الأمريكية الجديدة، مع العلم أن الحكومة السورية عملت على وضع استراتيجيات مرنة لتجاوز القيود، بما في ذلك إبرام شراكات إقليمية مع دول عربية وغربية لإعادة تشغيل الاقتصاد، وتأمين مصادر التمويل الضرورية لمشاريع الإعمار والطاقة والزراعة.
موسكو، التي كانت الحاضن لنظام الأسد، أعادت تقييم سياستها في الشرق الأوسط. وكانت أول الإنجازات لزيارة الشرع إلى الكرملين تثبيت الدعم الروسي للمرحلة الانتقالية بقيادة الشرع، بحيث تُبدي مرونة استراتيجية تجاه الحكومة الجديدة التي تعاملت، بدورها، بالقدر نفسه من المرونة الاستراتيجية، سواء على مستوى إعادة تقييم وجود القوات الروسية في سوريا أو إعادة هيكلة الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية السابقة.
جاءت كلفة الحرب في سوريا باهظة، بحيث تحتاج عملية تعافي سوريا سنوات طويلة، ولا بدَّ من الإسراع في قطار التنمية والبناء. استضامت سوريا منتدى الاستثمار السوري – السعودي في تموز/يوليو 2025، الذي أفضى إلى توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة نحو 6 مليارات دولار، تشمل قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والخدمات. كما تم توقيع اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار لتأمين بيئة قانونية جاذبة لرؤوس الأموال السعودية، مما سيسهم في تحفيز الاقتصاد السوري.
وأطلقت الحكومة السورية، على مستوى المشاريع الكبرى، سلسلة من الاتفاقيات تُمثِّل البنية الأساسية للنمو الاقتصادي المستقبلي؛ في قطاع الطاقة، تمَّ قبل أيام عقد اجتماع تمهيدي مع شركة «شيفرون» الأمريكية لاستكشاف النفط والغاز في السواحل السورية، إضافة إلى إعادة تأهيل الحقول البحرية، وتطوير الغاز الطبيعي وربطه بالشبكات الإقليمية، ومشاريع لتوليد الكهرباء. مثَّـل اللقاء أول خطوة رسمية لعودة شركة أمريكية كبرى للعمل في قطاع الطاقة السوري منذ أكثر من 12 عامًا. يمنح وجود شركة كبرى مثل «شيفرون» رسالة قوية للمستثمرين بأن سوريا تحت إدارة جديدة قادرة على ضمان شروط عمل أمام شركات عالمية. هذا قد يشجِّع دخول شركات أوروبية وأمريكية أخرى إلى السوق السوري في مجالات الطاقة، واستخراج الغاز، والكهرباء، وحتى التكرير.
أما في المرافئ البحرية، فيجرى تطوير مرفأي طرطوس واللاذقية عبر شراكات مع شركات أوروبية وخليجية (إماراتية وقطرية) لتسهيل النقل البحري الدولي. كما أطلقت الحكومة مشاريع ألياف بصرية تربط سوريا بالدول المجاورة وأوروبا، دعماً للتحوُّل الرقمي والتجارة الإلكترونية.
وفي قطاع الكهرباء، تم إعادة تأهيل المحطات وربطها إقليمياً مع الأردن والعراق، إضافة إلى شراكات مع شركتَي «سيمنز» الألمانية و«كيبكو» الكورية الجنوبية لتحديث البنية التحتية الكهربائية؛ ومشاريع إعادة الإعمار تشمل المدن الصناعية، إضافة إلى تطوير الطرق والمطارات والمناطق السياحية.
هذا فيما يجري العمل في قطاعَي الزراعة والأمن الغذائي على تشجيع الاستثمارات الخليجية لتعزيز هذا القطاع؛ فضلاً عن السعي في مجال النقل واللوجستيات، إلى تحديث الخطوط البرية بين سوريا والأردن والخليج، وإعادة تأهيل السكك الحديدية وربطها بالممرات الإقليمية، وتطوير الطيران المدني والمطارات الدولية. وكذلك العمل على إنشاء المدن الجديدة والمناطق الحرة، إذ أطلقت الحكومة مشاريع مدن اقتصادية ومناطق صناعية حرة لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، ودعم الاستثمارات الخاصة في المناطق الساحلية والداخلية.
رغم هذا الانفتاح، لا تزال سوريا تواجه تحديات عدة، منها إرساء مرتكزات جامعة للعبور من المرحلة الانتقالية، بحيث تكون دعائم «سوريا الجديدة» قادرة على تأمين وحدة داخلية واستقرار فعليّ ونظام يُطفئ مشاريع الأقليات وطموحات الأكراد بالانفصال والحكم الذاتي. لا شك أن الانفتاح العربي والدولي يُشكِّل فرصة تاريخية لعودة دولة طبيعية إلى سوريا وتحقيق رؤية الشرع، لكن نجاح هذه الرؤية يعتمد أيضاً على الإصلاح المؤسسي، وتأمين الاستثمارات الكبرى، وإدارة التوازنات الإقليمية بحكمة، مع القدرة الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
عن القدس العربي




