تحقيقات وتقارير
البطالة في فلسطين.. من أزمة مزمنة إلى انهيار غير مسبوق في سوق العمل

البطالة في فلسطين.. من أزمة مزمنة إلى انهيار غير مسبوق في سوق العمل
إعداد وتقرير: صحيفة صوت العروبه

لم تعد البطالة في فلسطين مجرد مؤشر اقتصادي يعكس عدد الباحثين عن فرص العمل، وإنما تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية ارتباطاً بمستقبل المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود والتنمية. فحين يفقد الاقتصاد قدرته على توليد فرص العمل، فإن آثار ذلك لا تتوقف عند حدود الدخل، بل تمتد إلى الفقر، والهجرة، وتراجع الاستثمار، وتعطل الطاقات الشابة، واتساع الفجوات الاجتماعية، ولا سيما بين الشباب والنساء وخريجي الجامعات.
وتعرّف معايير منظمة العمل الدولية العاطل عن العمل بأنه الشخص في سن العمل الذي لا يعمل، ويكون متاحاً للعمل، ويسعى إليه وفق المعايير المعتمدة. وقد شهدت المؤشرات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً، ولا سيما بعد الحرب التي اندلعت في قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما رافقها من تدمير واسع للمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية، وانكماش النشاط الاقتصادي، وتعطل حركة العمالة والتجارة.
من 24.4% عام 2022 إلى نحو 46% عام 2025
كانت الصورة في عام 2022 شديدة الصعوبة أصلاً؛ إذ بلغ معدل البطالة في فلسطين 24.4% من المشاركين في القوى العاملة، بواقع 20.3% للذكور و40.4% للإناث، فيما بلغ معدل البطالة بين الشباب في الفئة العمرية 15–24 عاماً 36.1%.
وكان الفارق الجغرافي صارخاً آنذاك؛ فقد بلغت البطالة في الضفة الغربية 13.1% مقابل 45.3% في قطاع غزة.
لكن المقارنة مع 2025 تكشف حجم التحول الذي أصاب سوق العمل الفلسطيني. ووفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المنشورة في 2026، بلغ معدل البطالة في فلسطين خلال عام 2025 نحو 46%، بواقع نحو 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 650 ألف شخص. كما بلغت نسبة المشاركة في القوى العاملة نحو 43.7%، بواقع 43% في الضفة الغربية و38% في قطاع غزة.
وهذه الأرقام لا تعكس مجرد ارتفاع تدريجي في البطالة، بل تعكس انقساماً عميقاً في بنية سوق العمل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تراجع القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني ككل.
وتؤكد بيانات البنك الدولي أن البطالة في غزة وصلت إلى 78% خلال 2025، مقارنة بنحو 22% قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، في حين تراجعت نسبة العمالة إلى السكان في القطاع إلى نحو 9.3%. كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من العاملين في غزة واجهوا عوائق حالت دون ممارسة أعمالهم بسبب تدمير أماكن العمل والطرق والنقل ونقص الكهرباء
الضفة الغربية.. البطالة لم تعد في حدودها التقليدية
حتى الضفة الغربية، التي كانت تتمتع قبل الحرب بمؤشرات أفضل نسبياً، شهدت ارتفاعاً كبيراً في البطالة.
فوفق نتائج الربع الرابع من عام 2025، بلغ معدل البطالة في الضفة الغربية 27.5%، أي نحو 280 ألف عاطل عن العمل، مقابل 28.5% في الربع الثالث. وبلغت نسبة الاستغلال الناقص للعمل نحو 30%، وهو مؤشر أوسع من البطالة وحدها ويكشف حجم الطاقات البشرية غير المستغلة.
واللافت أن البطالة لم تعد مرتبطة فقط بمن لا يمتلكون مؤهلات، بل أصبحت تضرب شريحة واسعة من الشباب المتعلمين. فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، في الفئة العمرية 19–29 عاماً، 37.5% في الربع الرابع من 2025، بواقع 28.3% بين الذكور و44.5% بين الإناث.
وهنا تبرز واحدة من أخطر المفارقات في الاقتصاد الفلسطيني: ارتفاع المستوى التعليمي لا يضمن بالضرورة الانتقال إلى سوق العمل.
المرأة الفلسطينية.. فجوة مزدوجة
تكشف الأرقام أيضاً عن مشكلة بنيوية تتعلق بمشاركة النساء في سوق العمل.
ففي الربع الرابع من عام 2025 بلغت مشاركة الذكور في القوى العاملة في الضفة الغربية 71.5% مقابل 18.6% فقط للإناث، فيما بلغ معدل البطالة بين المشاركين 27.6% للذكور و26.9% للإناث.
الإحصاء الفلسطيني
وهذا يعني أن قراءة البطالة بين النساء تحتاج إلى الحذر؛ فضعف مشاركة النساء في سوق العمل يؤدي إلى خروج نسبة كبيرة من النساء من القوة العاملة إحصائياً، وبالتالي لا تظهر هؤلاء في معدل البطالة التقليدي أصلاً.
ومن ثم فإن القضية ليست فقط كم عدد النساء العاطلات، وإنما أيضاً لماذا لا تدخل نسبة أكبر من النساء أصلاً إلى سوق العمل؟
وتتداخل في ذلك عوامل اقتصادية واجتماعية، وطبيعة الطلب على العمالة، ومحدودية فرص العمل الملائمة، ومسؤوليات الرعاية الأسرية، إضافة إلى استمرار بعض القيود الاجتماعية والثقافية على عمل المرأة في قطاعات ومهن معينة.
غزة.. سوق عمل شبه معطل
أما قطاع غزة، فقد انتقلت البطالة فيه من أزمة مزمنة إلى مستوى غير مسبوق.
فقد كانت البطالة في القطاع 45.3% عام 2022، وهي نسبة مرتفعة جداً حتى قبل الحرب. أما في عام 2025 فقد وصلت إلى نحو 78% وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء والبنك الدولي.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن قرابة ثلاثة أرباع السكان الذين كانوا يعملون قبل الحرب فقدوا وظائفهم، فيما تعرض أكثر من 60% من العاملين للنزوح المتكرر نتيجة الدمار المرتبط بالحرب.
وهنا لا يمكن التعامل مع البطالة في غزة بالمعايير الاقتصادية التقليدية وحدها، لأن جزءاً كبيراً من المشكلة أصبح مرتبطاً بإعادة بناء القدرة على العمل نفسها: إعادة تشغيل المصانع والمحلات والورش، إصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والمياه، توفير المواد الخام، استعادة الأسواق، وإعادة بناء المؤسسات التعليمية والمهنية.
الاحتلال والحرب والقيود الاقتصادية
لا يمكن تحليل البطالة الفلسطينية بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية التي يعمل فيها الاقتصاد الفلسطيني.
فسيطرة الاحتلال على أجزاء واسعة من الأراضي والموارد والمعابر، والقيود على الحركة والتجارة، والاستيطان، وتدمير المنشآت والبنية التحتية، وتراجع إمكانية الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي، كلها عوامل تؤثر مباشرة في قدرة الاقتصاد الفلسطيني على خلق وظائف.
وقد وثقت منظمة العمل الدولية استمرار التدهور الحاد في سوق العمل الفلسطيني خلال الحرب. وأشارت في تقييمها لعام 2025 إلى أن الناتج المحلي الحقيقي في الأراضي الفلسطينية انخفض بنسبة 29% بين الربع الأول من 2023 والربع الأول من 2025، بينما انكمش اقتصاد الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بنسبة 17.1% خلال الفترة نفسها. كما سجلت البطالة في الضفة الغربية خلال الربع الأول من 2025 مستويات مرتفعة بين الرجال والنساء.
وفي الوقت نفسه، فإن اعتماد جزء من العمال الفلسطينيين على سوق العمل الإسرائيلي يكشف هشاشة هذه العلاقة؛ إذ بلغ عدد العاملين من الضفة الغربية في إسرائيل والمستوطنات نحو 51 ألفاً في الربع الرابع من 2025، وفق الجهاز المركزي للإحصاء، بعد أن كان الرقم يتغير بصورة حادة نتيجة القيود الأمنية والسياسية.
الإحصاء الفلسطيني
الحد الأدنى للأجور.. مشكلة أخرى داخل مشكلة البطالة
ولا تتوقف أزمة سوق العمل عند العاطلين عن العمل؛ فهناك مشكلة أخرى تتمثل في ضعف الأجور والعمل غير المستقر.
ففي الربع الرابع من 2025 كان نحو 14.6% من العاملين بأجر في القطاع الخاص بالضفة الغربية يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 1,880 شيكلاً، أي نحو 40 ألف عامل، وكان متوسط الأجر لمن يتقاضون أقل من الحد الأدنى نحو 1,442 شيكلاً شهرياً.
وبالتالي فإن معالجة أزمة العمل لا ينبغي أن تختزل في خفض معدل البطالة فقط، بل يجب أن تشمل جودة الوظيفة، ومستوى الأجر، والحماية الاجتماعية، والاستقرار الوظيفي، وحقوق العمال.
التعليم أمام اختبار حقيقي
تكشف البطالة المرتفعة بين خريجي الجامعات والشباب عن فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.
فليس من المنطقي أن يستمر الاقتصاد الفلسطيني في تخريج آلاف الشباب سنوياً في تخصصات لا يستطيع السوق استيعابها، بينما توجد في المقابل قطاعات تحتاج إلى مهارات تقنية ومهنية ورقمية.
المطلوب ليس النظر إلى الجامعات باعتبارها «مولداً للبطالة»، وإنما إعادة بناء العلاقة بين التعليم والتدريب المهني وسوق العمل.
وهذا يتطلب تطوير التخصصات، وتوسيع التعليم المهني والتقني، وربط التدريب باحتياجات القطاع الخاص، وتشجيع ريادة الأعمال، وتوفير حوافز للشركات التي توظف الخريجين، وإنشاء برامج انتقال من الجامعة إلى سوق العمل.
الهجرة.. خسارة مزدوجة
حين يعجز الاقتصاد عن توفير فرصة للشاب المتعلم، تصبح الهجرة خياراً واقعياً أمامه.
وهذه ليست خسارة فردية فقط؛ فهجرة الكفاءات تعني أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر استثمار سنوات طويلة من التعليم والتدريب، في وقت يحتاج فيه إلى الأطباء والمهندسين والمعلمين والمبرمجين والباحثين وأصحاب المهن المختلفة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.
ولهذا فإن الحد من الهجرة لا يكون بالشعارات، وإنما بتوفير بيئة اقتصادية وقانونية واستثمارية قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات.
ماذا بعد؟ البطالة تحتاج إلى استراتيجية وطنية
إن معالجة البطالة الفلسطينية تتطلب الانتقال من سياسة الاستجابة للأزمة إلى استراتيجية وطنية للتشغيل والتنمية الاقتصادية، تقوم على مجموعة من المسارات المتوازية:
إعادة إعمار قطاع غزة باعتبارها مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً وتشغيلياً، وليس مجرد إعادة بناء الحجر.
دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لأنها من أكثر القطاعات قدرة على توليد فرص العمل.
إعادة هيكلة التعليم والتدريب المهني والتقني وربطهما بحاجات الاقتصاد الفعلية.
إطلاق برنامج وطني لتشغيل الشباب والخريجين بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والجهات الدولية.
تعزيز مشاركة المرأة اقتصادياً وإزالة العوائق التي تحول دون دخولها سوق العمل واستمرارها فيه.
تطوير الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد باعتبارهما مجالين يمكن أن يخففا جزئياً من أثر القيود الجغرافية على الاقتصاد الفلسطيني.
توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد، بما يخلق فرصاً في الصناعة والزراعة والخدمات.
حماية حقوق العمال وتحسين الأجور والحماية الاجتماعية، بحيث لا تكون الوظيفة مجرد رقم في إحصاءات التشغيل.
توجيه المساعدات الدولية من الإغاثة قصيرة الأجل إلى الاستثمار المنتج كلما سمحت الظروف، بحيث تتحول المساعدات إلى مشاريع مستدامة وفرص عمل.
تهيئة البيئة السياسية والقانونية للاستثمار عبر سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وتسهيل إجراءات تأسيس الأعمال وحماية الملكية.
البطالة ليست قدراً
إن أحدث الأرقام المتاحة حتى عام 2026 ترسم صورة شديدة الصعوبة: نحو 46% من القوى العاملة الفلسطينية كانت عاطلة عن العمل في 2025، ونحو 78% في قطاع غزة، فيما تجاوز عدد العاطلين 650 ألفاً.
الإحصاء الفلسطيني
لكن اختزال المشكلة في الاحتلال وحده، رغم مركزية أثره في البيئة الاقتصادية الفلسطينية، لا يكفي لبناء سياسة تشغيل وطنية؛ كما أن اختزالها في عوامل داخلية فقط يتجاهل القيود البنيوية التي يفرضها الاحتلال والحرب والحصار وتقييد الحركة والوصول إلى الموارد والأسواق.
المطلوب هو رؤية متكاملة تعتبر الحق في العمل جزءاً من منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، وتتعامل مع الإنسان الفلسطيني باعتباره رأس المال الأهم في عملية التنمية.
ففلسطين لا تعاني نقصاً في الطاقات البشرية، وإنما تعاني نقصاً في الفرص والموارد والسيطرة على مقومات الاقتصاد والاستثمار المستدام.
ومن هنا فإن مواجهة البطالة لا ينبغي أن تكون برنامجاً حكومياً مؤقتاً، بل مشروعاً وطنياً طويل الأمد: إعادة إعمار، وتشغيل، وتعليم منتج، واستثمار، وحماية اجتماعية، وتمكين للمرأة والشباب، واقتصاد أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود.
ويبقى إنهاء القيود التي تعيق التنمية والسيطرة الفلسطينية على الموارد والحركة والأسواق شرطاً أساسياً لتحويل الاقتصاد من اقتصاد إدارة أزمة إلى اقتصاد إنتاج وتنمية. لكن في الوقت نفسه، فإن الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب يبدأ من الآن، ببناء المؤسسات والسياسات والكوادر القادرة على تحويل كل فرصة استثمارية وكل مشروع إعادة إعمار إلى فرصة عمل حقيقية.
فالبطالة ليست مجرد نسبة في جدول إحصائي؛ إنها سؤال عن مستقبل جيل كامل، وعن قدرة فلسطين على الاحتفاظ بشبابها وتحويل طاقاتهم من عبء اقتصادي إلى قوة إنتاج وبناء وتنمية




