التحوّل الأميركي يستنفر أوروبا: نحو استكشاف «مسار جديد» مع الصين

التحوّل الأميركي يستنفر أوروبا: نحو استكشاف «مسار جديد» مع الصين
رغم «الحلحلة» الاقتصادية المحدودة التي أنتجتها زيارة إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى الصين، ظلّ هناك عدد من القضايا العالقة على ضوء المنافسة التجارية والجيوسياسية المتصاعدة بين القوى العظمى، وسط تحذيرات من مخاطر «وجودية» تحيط بالقارة العجوز، «المتخلّفة» عن الس
خلال زيارة إلى ما يُعرف بـ«مركز أبحاث تربية الباندا»، في مدينة تشنغدو الصينية، «مسقط رأس» الدبّ الصيني الشهير، قد يتفاجأ بعض الزوار عندما يُبلغهم الدليل السياحي بأنهم غير قادرين على رؤية الدببة الموجودة كافة، نظراً إلى أن بعضها «في مهمات ديبلوماسية»، وتعمل كـ«سفراء» للصين في الخارج. لكن ذلك ليس مستغرَباً تماماً؛ إذ إن ظاهرة إرسال الدببة في «بعثات سلام»، تندرج ضمن ما يُعرف بـ«ديبلوماسية الباندا»، التي تنتهجها الصين تجاه الدول الصديقة، والتي تشمل، في أحيان أخرى، «سحب» الدببة من الدول التي تشهد العلاقات الديبلوماسية توترات معها، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن هذه السياسة تعود إلى القرن السابع الميلادي، وتحديداً إلى عهد أسرة تانغ. وقبيل رحلتهما إلى تشنغدو، وهي واحدة من الرحلات الخارجية النادرة التي يجريها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، برفقة رئيس دولة أخرى خارج بكين، في إطار زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التي بدأت الأربعاء واستمرّت لثلاثة أيام، كان شي قد «طمأن» فرنسا إلى أن بلديهما سيطلقان «جولة جديدة من التعاون في مجال الحفاظ على الباندا العملاقة»، في إشارة إلى نيّة بكين إرسال المزيد من الدببة إلى باريس.
وفي حين قد يبعث الأمر، للوهلة الأولى، على التفاؤل بالنسبة إلى العلاقات الثنائية بين فرنسا والصين التي تعدّ الأولى بمثابة «بوابة» لها على القارة الأوروبية، فإن عدداً من المراقبين يجادلون بأن الاتفاقيات الـ12 التي وقّعها الرئيسان، الخميس، تتناول قضايا «غير متنازع عليها» إلى حدّ كبير، مثل شيخوخة السكان، والتبادل التعليمي، والحفاظ على الباندا، وتعميق العلاقات الاقتصادية. وكان قد أكد ماكرون، خلال مؤتمر صحافي مشترك في «قاعة الشعب» في بكين، أن بلاده مستعدّة للعمل مع الصين لتعزيز التنسيق، ودعم تعدّدية الأقطاب، وتقوية التعاون في مجالات من مثل الاستجابة للمناخ، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي. إلا أن ساكن الإليزيه لم ينجح في انتزاع تنازلات في الموقف الصيني من الحرب الأوكرانية؛ إذ أعاد شي التأكيد أن «الصين ستواصل لعب دور بنّاء في التسوية السياسية للأزمة، بينما تعارض بحزم أي أعمال غير مسؤولة لتحويل اللوم أو التشهير»، وهو ما دفع بماكرون إلى التنبيه إلى أن «الاختلالات الحالية، مثل الأزمات الجيوسياسية، يمكن أن تعرّض بلداننا في نهاية المطاف لخطر اتّخاذ مسارات منفصلة».
ستقدّم بكين مساعدات بقيمة 100 مليون دولار أميركي إلى فلسطين
وخلال مأدبة عشاء الأربعاء، أبلغ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، نظيره الفرنسي، جان-نويل بارو، أن موقف اليابان من تايوان يسبّب «ضرراً خطيراً»، معرباً عن أمله في أن تواصل فرنسا «دعم الموقف المشروع للصين». بيد أنه وفي حين ركز الملخّص الصيني للاجتماع على تايوان واليابان، خلا الملخّص الفرنسي، في المقابل، من أيّ إشارة إليهما، كما لم يتطرّق أيّ من شي أو ماكرون إلى القضية خلال تصريحاتهما العلنية. ورغم «الحلحلة» الاقتصادية التي أوحت بها الزيارة، قال ماكرون، في تصريحات صحافية نُشرت الأحد، إنه هدّد الصين بفرض رسوم جمركية إذا فشلت في اتّخاذ خطوات لخفض فائضها التجاري الضخم مع الاتحاد الأوروبي، بعدما تجاوز الأخير الـ300 مليار يورو عام 2024. وكانت قضايا العجز الاقتصادي، والاعتماد الفرنسي المفرط على التكنولوجيا الأجنبية، جنباً إلى جنب المعادن النادرة، قد مثّلت محور اهتمام الرئيس الفرنسي خلال الزيارة الأخيرة؛ إذ إنه طبقاً لماكرون، فإن التعرفات الجمركية الأميركية على الصين أدت إلى مفاقمة مشكلات الاتحاد الأوروبي، بعدما أعادت بكين توجيه المنتجات المخصّصة للولايات المتحدة نحو أوروبا على نطاق واسع، ممّا تسبّب في «تهديد وجودي» للصناعة الأوروبية. وعليه، طالب ماكرون الشركات الصينية بـ«المجيء» إلى أوروبا بدلاً من الاكتفاء بالتصدير إليها.
ويأتي ذلك بعدما اضطرّ الاتحاد الأوروبي إلى قبول اتفاق تجاري غير متوازن مع الولايات المتحدة، يسمح للأخيرة بفرض رسوم جمركية بنسبة 15% من دون أي ردّ. كما هدّد الصدام التجاري بين واشنطن وبكين وصول الغرب إلى المعادن النادرة الحيوية لدفاعات أوروبا وانتقالها نحو الطاقة الخضراء. وعندما أدى اجتماع بين شي والرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تهدئة مؤقتة، أدرك المسؤولون الأوروبيون أن القارة لم تعد تتحكّم في مصيرها، في وقت يسود فيه الأخيرةَ «الذعر» من أن يتمّ استبعادها من أيّ خطّة مستقبلية لوقف إطلاق النار في أوكرانيا.
«الاحتضار» الأوروبي
يُدرك ماكرون، كما غيره من صناع السياسة الأوروبيين على امتداد القارة، أنهم لا يملكون أوراقاً فعلية في المنافسة الدائرة بين القوى العظمى، ويجدون أنفسهم متخلّفين في السباق، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، وهو ما ينعكس في الدعوات المتزايدة إلى «بناء أوروبا جديدة»، والتحذيرات من وضع هو الأخطر «منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». وأخيراً، زادت «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة التي أطلقها البيت الأبيض، الخميس الماضي، من قتامة الوضع بالنسبة إلى القارة؛ إذ إنه طبقاً لتقرير نشرته شبكة «سي أن أن» الأميركية، يمثّل القسم الخاص بأوروبا في الاستراتيجية تصعيداً أكثر دراماتيكية من ذلك المتصل بالبحر الكاريبي حتى، كونه يتضمّن تحذيراً من أن الدول الأوروبية تواجه «تدهوراً اقتصادياً» يخلق احتمالاً حقيقياً وواضحاً بالوصول حدّ «محو الحضارة»، وأنه «من المعقول جداً أنه، وفي غضون بضعة عقود على أبعد تقدير، ستصبح غالبية أعضاء (الناتو) من الدول غير الأوروبية»، مما سيطرح «سؤالاً مفتوحاً» حول ما إذا كانت تلك الدول ستستمر في النظر إلى تحالفها مع الولايات المتحدة بـ«الطريقة نفسها».
كذلك، تلقي الاستراتيجية الجديدة باللوم على المسؤولين الأوروبيين في عرقلة الجهود التي تدعمها الولايات المتحدة لإنهاء الصراع في أوكرانيا، وتنصّ على أن إنهاء «الأعمال العدائية» ضروري لتحقيق الاستقرار في الاقتصادات الأوروبية، ومنع الحرب، وإعادة الاستقرار مع روسيا. وفي هذا الإطار، يرِد فيها أن «غالبية أوروبية كبيرة تريد السلام، ولكن هذه الرغبة لا تترجَم إلى سياسة، ويرجع ذلك إلى حدّ كبير إلى الحكومات التي تعمل على تخريب العمليات الديمقراطية». أمّا النقطة الأبرز في الشقّ المتعلق بأوروبا، فتذهب أبعد من ذلك، مؤيّدةً، بشكل صريح، الجهود الرامية إلى التأثير على السياسة الداخلية لحلفاء الولايات المتحدة، من خلال إعطاء الأولوية لـ«تنمية المقاومة للمسار الحالي داخل الدول الأوروبية»، باعتبار أنه «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يكون من الممكن التعرّف إلى القارة خلال 20 عاماً أو أقل». أيضاً، تنوّه الوثيقة بمساعي الإدارة الحالية من أجل «إنهاء تصوّر (الناتو) الحالي وواقعه كتحالف يتوسّع باستمرار».
على هذا النحو، ورغم الخلافات الاقتصادية والجيوسياسة المستمرة بين بكين والقارة العجوز، يجادل مراقبون بأن السياسات الأميركية حوّلت الصين إلى حليف غير متوقَّع ومدافع عن أوروبا، مما قد يدفع الأوروبيين إلى «عكس» مسارهم التجاري مع بكين في بعض القطاعات، من مثل الحدّ من الرسوم الجمركية التي يفرضها الاتحاد على السيارات الكهربائية الصينية وغيرها من البضائع.




