فلسطين
الدكتور أسامة النجار… سيرة وطن وقائد مهني ترك بصمة لا تُمحى

الدكتور أسامة النجار… سيرة وطن وقائد مهني ترك بصمة لا تُمحى
في ذكرى تأبينه: فلسطين تستذكر أحد أبرز رجالات العمل الصحي والنقابي والوطني
رام الله / صحيفة صوت العروبة
تمر ذكرى تأبين الدكتور أسامة أحمد النجار، فيما لا تزال بصماته المهنية والوطنية حاضرة في مؤسسات الدولة الفلسطينية والقطاع الصحي والنقابي، حيث شكّل نموذجاً للقائد الذي جمع بين العلم والنضال والعمل العام، وظل طوال مسيرته منحازاً لقضايا شعبه ومدافعاً عن حقوق العاملين في القطاع الصحي وعن كرامة المهنة ورسالتها الإنسانية.
لقد شكّل رحيل الدكتور أسامة النجار في كانون الثاني/يناير 2026 خسارة وطنية ومهنية كبيرة، ليس فقط لكونه أحد أبرز القيادات الصحية الفلسطينية، بل لأنه مثّل حالة نادرة من التوازن بين المسؤولية الوطنية والكفاءة المهنية والالتزام النقابي.
النشأة والبدايات
وُلد الدكتور أسامة النجار في السادس عشر من حزيران عام 1967 في مخيم الفوار بمحافظة الخليل، في بيئة وطنية صلبة تشكل فيها وعيه المبكر على معاني الانتماء والالتزام الوطني. وقد انخرط منذ سنوات شبابه في العمل الوطني والحركة الطلابية، ليصبح لاحقاً أحد الوجوه المعروفة في الأطر النقابية والمهنية الفلسطينية.
اختار طريق العلم إلى جانب النضال، فحصل على درجة البكالوريوس في علم المختبرات السريرية من جامعة القدس، ثم نال درجة الماجستير من جامعة بيرزيت، قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي والتدريس الجامعي، مساهماً في إعداد أجيال من الكوادر الطبية والمخبرية الفلسطينية.
مسيرة مهنية حافلة بالعطاء
لم يكن الدكتور النجار مجرد أكاديمي أو مختص في الطب المخبري، بل كان أحد أبرز بناة المؤسسات الصحية الفلسطينية الحديثة. وقد شغل خلال مسيرته العديد من المواقع القيادية، من أبرزها:
نقيب نقابة الطب المخبري الفلسطينية منذ عام 2005.
رئيس اتحاد المهن الطبية الفلسطينية.
وكيل مساعد في وزارة الصحة الفلسطينية.
مدير عام في وزارة الصحة الفلسطينية.
مدير عام في وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية.
متحدث رسمي سابق باسم وزارة الصحة الفلسطينية.
عضو المجلس الثوري لحركة فتح.
ومن خلال هذه المواقع ترك أثراً واضحاً في تطوير العمل الصحي الفلسطيني والدفاع عن حقوق العاملين فيه، وساهم في ترسيخ مكانة النقابات المهنية باعتبارها شريكاً أساسياً في عملية البناء الوطني.
النقابي الذي لم يساوم على حقوق العاملين
ارتبط اسم الدكتور أسامة النجار بالدفاع المستمر عن الحقوق المهنية والنقابية، وكان من أكثر الشخصيات حضوراً في ساحات الحوار والمطالبة بتحسين أوضاع العاملين في القطاع الصحي.
آمن بأن النقابات ليست مجرد أطر مهنية، بل مؤسسات وطنية تدافع عن العدالة الاجتماعية وتحمي حقوق العاملين، ولذلك خاض العديد من المعارك النقابية دفاعاً عن كرامة الموظف الفلسطيني وحقه في بيئة عمل عادلة ومحفزة.
وقد دفع ثمن مواقفه في أكثر من محطة، حيث تعرض للاعتقال والملاحقة بسبب نشاطه النقابي ومواقفه المدافعة عن الحريات العامة وحقوق العاملين.
المناضل الوطني
إلى جانب دوره المهني، كان الدكتور أسامة النجار من الشخصيات الوطنية الفاعلة داخل حركة فتح ومؤسسات العمل الوطني الفلسطيني.
وتشير شهادات رفاقه وزملائه إلى أنه كان صاحب حضور قوي في مختلف المحطات الوطنية، وتمتع بشخصية جامعة قادرة على الحوار وبناء التوافقات، مع تمسكه الدائم بالثوابت الوطنية الفلسطينية. كما تعرض للاعتقال عدة مرات من قبل الاحتلال الإسرائيلي بسبب نشاطه الوطني والسياسي.
وقد نعته حركة فتح بوصفه مناضلاً ملتزماً بقضايا شعبه، مؤكدة أن رحيله يمثل خسارة وطنية وتنظيمية لما عُرف عنه من إخلاص وحرص على وحدة الحركة والدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني.
الإنسان قبل المسؤول
بعيداً عن المناصب والألقاب، عرف زملاؤه وأصدقاؤه الدكتور أسامة النجار إنساناً متواضعاً قريباً من الناس، يحمل همومهم ويتابع قضاياهم بتفانٍ وإخلاص.
وكان يتمتع بعلاقات واسعة داخل الأوساط الصحية والأكاديمية والنقابية والوطنية، ما جعله محل احترام وتقدير من مختلف الأطياف السياسية والمهنية.
ولعل أكثر ما يميّز سيرته أنه لم ينظر إلى المواقع القيادية باعتبارها امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تستوجب العمل الدائم وخدمة الناس.
إرث باقٍ ورسالة مستمرة
في ذكرى تأبينه، لا يُستذكر الدكتور أسامة النجار بوصفه مسؤولاً أو نقابياً فحسب، بل بوصفه مدرسة في الالتزام الوطني والمهني، ونموذجاً للقائد الذي جمع بين العلم والعمل والنضال.
لقد رحل الجسد، لكن الإرث الذي تركه في المؤسسات الصحية والنقابية وفي ذاكرة زملائه وطلبته وأبناء شعبه سيبقى شاهداً على مسيرة رجل آمن بأن خدمة الوطن تبدأ بخدمة الإنسان.
ويبقى الوفاء لذكراه وفاءً للقيم التي حملها طوال حياته: النزاهة، والانتماء، والعمل العام، والدفاع عن الحقوق، والإيمان بأن بناء الوطن مسؤولية جماعية لا تنتهي برحيل الأفراد.
رحم الله الدكتور أسامة النجار، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن فلسطين وشعبها خير الجزاء




