تحقيقات وتقارير

السودان في عام الحرب الثالث: حراك الدبلوماسية الحكومية والمبادرات الدولية في مواجهة كارثة إنسانية متفاقمة

السودان في عام الحرب الثالث: حراك الدبلوماسية الحكومية والمبادرات الدولية في مواجهة كارثة إنسانية متفاقمة

ميعاد مبارك

الحرطوم ـ : مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الثالث، يتقاطع حراك دبلوماسي مكثف تقوده الحكومة السودانية مع تحركات إقليمية ودولية متسارعة، في محاولة لاحتواء نزاع بات يهدد وحدة الدولة ويعمق واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. وفي مقابل رؤية رسمية تؤكد السعي إلى «سلام عادل ومستدام»، تتحرك قوى معارضة مدنية لحشد دعم أفريقي ودولي لمسار مدني شامل، بينما تلتزم قوات الدعم السريع ظهوراً متحفظاً، مكتفية بالترحيب بمبادرة الرباعية الدولية.
في الأثناء، تتوالى تقارير حقوقية أممية تتحدث عن انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً في إقليم دارفور، مع توجيه اتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع بالمسؤولية عن جانب كبير منها. ويقود هذه القوات شبه العسكرية محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، الذي برز سابقاً كأحد أبرز أركان السلطة في عهد عمر البشير، وتولى منصب نائب رئيس مجلس السيادة خلال المرحلة الانتقالية، قبل اندلاع الحرب في منتصف نيسان/ابريل 2023.

دبلوماسية في سباق مع الميدان

في هذا السياق، شارك رئيس الوزراء كامل إدريس في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن، بعد لقاءات عقدها في جنيف مع مسؤولين أمميين، في إطار مسعى لعرض مبادرة حكومية لوقف الحرب وحشد دعم دولي لها. وتطرح الخرطوم رؤية تقوم على وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، يعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، استناداً إلى إعلان المبادئ الموقع في جدة في 11 أيار/مايو 2023.
وتعتبر الحكومة المؤتمر الدولي منصة لشرح ما تصفه بتطورات «إيجابية» على الأرض، وللتأكيد أن الحرب اندلعت إثر «تمرد» قوات الدعم السريع في نيسان/ابريل 2023، وأنها تمثل تهديداً وجودياً للدولة السودانية. وفي كلمة سابقة أمام مجلس الأمن، وصف إدريس الأزمة بأنها «وجودية»، مؤكداً أن المبادرة الوطنية تهدف إلى حماية المدنيين وصون وحدة البلاد، مع الالتزام بمبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
في موازاة ذلك، أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى صيغة نهائية لاتفاق سلام قالت إنها تحظى بقبول الأطراف السودانية، في خطوة تعكس تنامي الضغط الدولي لدفع مسار هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار. كما شهدت الأسابيع الأخيرة لقاءات إقليمية، بينها اجتماع نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، لبحث رؤية الحكومة لإنهاء الحرب.
إقليمياً، يبرز ملف تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي منذ إجراءات 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021. ودعا وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى إنهاء التعليق، معتبراً أن استمرار التجميد يضعف قدرة المنظمة القارية على دعم الاستقرار.
وخلال اجتماع وزاري في أديس أبابا، الخميس، حذر سالم مما وصفه بـ«تدخلات وأجندات إقليمية» تسهم في تأجيج الحرب عبر دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والطائرات المسيرة.
وأكد انفتاح الحكومة على «جميع المبادرات الجادة» الداعية لوقف الحرب، بما في ذلك إعلان جدة، مشدداً على التزام السودان بمبدأ «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية».
من جانبه، أعرب مجلس السلم والأمن الأفريقي عن «قلقه الشديد» إزاء استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية، مؤكداً التمسك بسيادة السودان ووحدته، ورفض أي ترتيبات موازية. كما دعا إلى هدنة إنسانية عاجلة تقود إلى وقف فوري لإطلاق النار، مشدداً على أنه «لا يمكن تحقيق حل عسكري مستدام للأزمة».
وفي السياق ذاته، برز دعم مصري واضح لرفع تعليق العضوية، حيث أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن بلاده تدفع بقوة لإنهاء التجميد والتعامل مع مؤسسات الحكم القائمة، واصفاً تعليق عضوية السودان بأنه «غير مقبول» بالنظر إلى دوره التاريخي في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.

عودة إلى «إيقاد»
وتوازنات إقليمية

على صعيد آخر، عاد السودان إلى عضوية الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، في خطوة وصفتها الخرطوم بأنها «عودة إلى الأسرة». وأكدت الحكومة تطلعها إلى دور فاعل للمنظمة في مرافقة السودان خلال مرحلة ترسيخ السلام وإعادة الإعمار، فيما شدد السكرتير التنفيذي للهيئة على دعم استقرار البلاد واحترام سيادتها.
تأتي هذه العودة مع تحركات آلية خماسية مكونة من «الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وإيقاد والاتحاد الأوروبي» وتنسيق مع الرباعية الدولية «واشنطن، الرياض، القاهرة، أبو ظبي»، بالإضافة إلى مقترحات منفردة من واشنطن بالتنسيق مع الرياض واجتماعات في القاهرة، في محاولة لتوحيد المبادرات المتعددة التي تتقاطع مع مصالح إقليمية، باتت سمة المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب.

المعارضة بين الحشد والاتهامات

في المقابل، يتحرك التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المعارض، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، لحشد دعم أفريقي ودولي لمسار مدني شامل. وأبدى التحالف ترحيبه بمواقف أفريقية تمسكت برفض التغييرات التي وصفها بـ«غير الدستورية»، واعتبر أن بيان مجلس السلم والأمن تضمن نقاطاً إيجابية، أبرزها التأكيد على عدم جدوى الحل العسكري والدعوة إلى هدنة إنسانية فورية.
ووصل وفد «صمود» إلى أديس أبابا تزامناً مع القمة السنوية للاتحاد الأفريقي، وعقد لقاءات مع مسؤولين في «إيقاد» ووفود أفريقية لعرض رؤيته للتسوية ومعالجة الأزمة الإنسانية. وتتهم الحكومة التحالف بتقديم «إسناد سياسي» لقوات الدعم السريع، بينما ينص الموقف المعلن التحالف على رفض الحرب.

بيان سعودي–تركي ورسائل إقليمية

في تطور لافت، شدد بيان مشترك سعودي–تركي صدر عقب مباحثات بين الرئيس رجب طيب اردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الأسبوع الماضي، على رفض تشكيل أي كيانات موازية خارج إطار مؤسسات الدولة السودانية، في إشارة إلى إعلان «حكومة موازية» من قبل قوات الدعم السريع لم تحظ باعتراف إقليمي أو دولي. كما أكد البيان ضرورة منع تدفق الأسلحة غير المشروعة، وحماية المدنيين، والالتزام بإعلان جدة.

تصعيد ميداني وهجمات بالمسيرات

ميدانياً، تتواصل المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة ولايات، بينها شمال وجنوب كردفان ودارفور. وأفادت مصادر محلية بمقتل وإصابة مدنيين جراء هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مناطق مأهولة، فيما أعلنت مصادر عسكرية أن الدفاعات الأرضية تصدت لهجمات على مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان. تصاعدت هجمات الدعم السريع بالمسيرات بالتزامن مع تقدم ميداني قوات الجيش وفك الحصار عن مدن في ولايات كردفان.
وتتهم منظمات محلية، بينها «شبكة أطباء السودان»، قوات الدعم السريع باستهداف مدنيين ودور عبادة، بينما تنفي الأخيرة بعض الاتهامات وتصفها بـ«حملات تضليل».

6000 قتيل في إحصائية أولية
لضحايا الفاشر

غير أن التطور الأبرز تمثل في التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن أحداث مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. ففي إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، الإثنين الماضي، قال المفوض السامي فولكر تورك إن ما جرى في الفاشر يمثل «كارثة جسيمة لحقوق الإنسان كان من الممكن تجنبها».
ووفق التقرير، قُتل أكثر من 6000 شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم على المدينة في تشرين الأول/اكتوبر الماضي، بعد حصار استمر 18 شهراً. وأشار المكتب إلى توثيق مقتل ما لا يقل عن 4400 شخص داخل الفاشر، وأكثر من 1600 أثناء محاولتهم الفرار، مرجحاً أن تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير.
وخلص التقرير إلى أن قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها نفذت هجمات واسعة شملت عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً واختطافاً مقابل فدية وتعذيباً واعتقالاً ونهباً، فضلاً عن تجنيد أطفال. كما أشار إلى استهداف مدنيين على أساس انتماءاتهم العرقية، خصوصاً من مجتمعات غير عربية مثل الزغاوة.
وأكد تورك أن الانتهاكات الموثقة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، داعياً إلى تحقيقات مستقلة ونزيهة تفضي إلى محاسبة المسؤولين، سواء أمام القضاء السوداني أو عبر الولاية القضائية العالمية أو أمام المحكمة الجنائية الدولية.

أنماط متكررة وخطر التوسع

وأشار إلى أن ما حدث في مدينة الفاشر يعكس أنماطاً سبق توثيقها في هجمات على مخيم زمزم وأردمتا شمال دارفور ومدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور – تواجه قوات الدعم السريع اتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية تحقق فيها المحكمة الجنائية الدولية في تلك المناطق-، ما قد يدل على سلوك منظم ومستمر ضد السكان المدنيين في دارفور. كما حذر المفوض السامي من خطر تكرار الانتهاكات في ولايات كردفان، في ظل تصاعد القتال واستمرار الغارات بالطائرات المسيرة.
ووثق مكتب حقوق الإنسان مقتل نحو 90 مدنياً وإصابة 142 آخرين خلال الأسبوع الماضي جراء غارات استهدفت قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي وأسواقاً ومرافق صحية وأحياء سكنية. ودعا تورك المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل، محذراً من أن تجاهل التحذيرات السابقة سيقود إلى «الأسوأ».

تجنيد أطفال

كما وثق مكتب حقوق الإنسان تجنيد واستخدام الأطفال من قبل قوات الدعم السريع، سواء عبر الضغط على المجتمعات المحلية أو بالإكراه المباشر.
وأوضح المفوض السامي أن المحكمة الجنائية الدولية أبلغت مجلس الأمن الشهر الماضي بتوصلها إلى أن ما جرى في الفاشر يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مؤكداً أن نتائج مكتب حقوق الإنسان تتطابق مع هذا الاستنتاج.

سباق مع الزمن

وفيما يبدو أن السودان أمام مفترق طرق حاسم، في ظل حراك دبلوماسي يسابق الزمن لإنتاج صيغة توقف نزيف الدم، مقابل واقع ميداني متقلب وتدهور إنساني متسارع. وبين مبادرات الحكومة وضغوط المجتمع الدولي وتحركات المعارضة، تبقى معاناة المدنيين في صدارة المشهد، فيما تتزايد الدعوات إلى هدنة إنسانية فورية تفتح نافذة لعملية سياسية شاملة ومخاوف من أن تكون الحلول المستعجلة خصم على استقرار مستدام في البلاد.
ومع استمرار الاتهامات المتبادلة، وغياب الثقة والانتهاكات الواسعة التي يواجه تبعاتها المدنيون، يظل السؤال المركزي: هل تستطيع التحركات المحلية والدولية تحويل الزخم الدبلوماسي إلى وقف فعلي لإطلاق النار، أم أن الحرب ستدخل عاماً ثالثاً أكثر تعقيداً وكلفة على دولة أنهكتها الصراعات؟

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب