السياحة العسكرية ترسّخ الرواية الاستيطانية وتزوّر التاريخ

السياحة العسكرية ترسّخ الرواية الاستيطانية وتزوّر التاريخ
نظّمت قوات الاحتلال الإسرائيلي رحلات سياحية للمستوطنين إلى الحدود «الحسّاسة» في جنوب لبنان والأراضي المحتلّة بُغية إعادة ثقة «المدنيين» بقدرة «الجيش» على تحقيق الأمن والأمان لهم، مع التلميح إلى اقتراب عيد الفصح اليهودي والعهد الذي «أبرمه الرب لإبراهيم في أن يرث شعبه أرض إسرائيل». يمكن القول إنّ الصهيونية كاملةً تتداخل في هذا الخبر: العسكر والدين والخوف تتضافر في خلق السردية السياسية والحربية لهذا الكيان
«إنّها لسخرية مريرة كيف أنّ الهدف التوراتي حاول أن يجعل من اليهود مملكةً من الكهنة وشعباً مقدّساً، وأن يجعل اليهودي الحديث ميّتاً في الأرض… حيّاً في السماء» (الشاعر يهودا ليف جوردون 1830-1891).
لا يستطيع الإسرائيلي أنْ ينجز الحلم الصهيوني الكبير من دون أنْ يقتات على الحرب والدمار. ذلك أنّ الخوف وانعدام الأمان والبحث الدائم عنهما لا تنبع إلّا من حقيقة هي: «فقال لأبرام اعلم يقيناً أنّ نسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم» (سفر التكوين 13/15). الأمر الكاشف لهذه المسألة يبرز بوضوح في الخبر الذي انتشر حول قيام قوات العدو الإسرائيلي برحلات سياحية للمستوطنين إلى الحدود «الحسّاسة» في جنوب لبنان والأراضي المحتلّة بُغية إعادة ثقة «المدنيين» بقدرة «الجيش» على تحقيق الأمن والأمان لهم، مع التلميح إلى اقتراب عيد الفصح اليهودي والعهد الذي «أبرمه الرب لإبراهيم في أن يرث شعبه أرض إسرائيل».
لا يستطيع الصهيوني تحقيق حلمه الكبير من دون أنْ يقتات على الحرب والدمار
يمكننا القول إذاً إنّ الصهيونية كاملةً تتداخل في هذا الخبر بتكثيف يختصر كلّ أركانها. العسكر والدين والخوف كلّها عوامل تتضافر في خلق السردية السياسية والحربية لهذا الكيان. تشكّل عسكرة المجتمع في كيان الاحتلال السمة الأساسية التي تجسّد دور الحرب في تحقيق الطموح السياسي المنصوص عنه في الرواية الدينية التاريخية.
ولذلك، تصبح «السياحة» التي يُفترض أن تكون ممارسةً سلميةً تهدف إلى الترويح عن النفس والاستمتاع، مُجنّدةً ومسيّسةً تنظّمها وتديرها قوات الاحتلال، وتتعرّى بالتالي من كونها ترفيهاً محبّباً ومشروعاً عند الإنسان، إلى ممارسة سياسية تحاول إبراز الأمن والأمان ضدّ كلّ الهواجس الأخرى الأكثر منطقيّةً بحقّ، أي الخوف والقلق وانعدام الثقة وتحديداً الخوف من التاريخ والأرض وشعوبها الأصليين.
تحاول إسرائيل الآن أنْ تنتهز سكون «حزب الله» عند الحدود وتستفيد من «سكوته» عن السردية الشائعة (بالمعنيين القائمين دلالياً لها، أي الشائعة بما هي خلاف الحقيقة، والشائعة أو الشائع بما هي خبر متداول)، بأنّه انتهى ولن تقوم له قائمة.
الحرب وتأويل التاريخ الديني
لذلك، فالترويج للأمان وإعادة الثقة بالجندي الإسرائيلي هما تعبير عن خوف دائم لدى الإسرائيليين عموماً. خوف ليس فقط من المقاومة وقدرتها على تهديد شمال فلسطين المحتلة، بل خوف متأصّل لا العسكرة ولا سواها قادران على استبداله بحالة دائمة من الأمن. وهو خوف المحتلّ من كلّ شيء، قضى على المقاومة أم لم يقضِ، فالخوف باقٍ لديه لأنّه أولاً وأخيراً محتلّ يتشظّى مجتمعياً ووجودياً، يشعر مستوطنوه بأنّهم عاجزون عن إقامة اتصال بين أشخاص لا يجمعهم ماضٍ اجتماعي مشترك، وبالتالي لا يملكون إمكانية بناء مستقبل اجتماعي مشترك، وهم يشعرون بحقّ أنّهم لم يلقوا في هذا العالم فقط، بل أيضاً أنّهم مُلْقَوْن في بلدٍ غريبٍ مستعدٍّ للفظهم.
لذا، الحرب وتأويل التاريخ الديني، هما النواة التي يبني عليها الإسرائيلي شرعية وجوده. في رواية «في مواجهة الغابات» للكاتب الإسرائيلي أ. ب. يهوشوع، يقدّم نموذجاً دالّاً على المزج بين الخوف والموضوعات الوجودية والمواقف السياسية والاجتماعية. يعمل بطل الرواية حارساً لغابة ويحلم بالضوء والحرارة معاً، وهو ما يُفسّر رمزيّاً بانجذابه نحو النار.
يكتشف البطل لاحقاً أنّ هذه الغابة تخبّئ في باطن أرضها أطلال قرية عربية، فيتحوّل لديه الحلم الشخصي إلى حلم اجتماعي وتأخذ النار دلالتها الاجتماعية والسياسية بما تعنيه من حرب، أو من احتراق الغابة والكشف عن ماضٍ مخبوء تحتها. ماضٍ يؤكّد أنّ ليس ثمّة أرضاً بلا شعب يمكن لشعبٍ ما أنْ يحلّ مكانه، إضافة إلى أنّ دلالة «الحراسة» مؤشّر إلى خوفٍ ما كامنٍ وتهديد مختبئ، ينتظر أنْ ينقضّ وينبغي مواجهته. وهذا ما يعنيه الخبر من قيام جنود برحلات سياحية بغية التأكيد على وجود الأمن الذي تحقّقه الثقة في الجندي المقاتل.
حرب الأيام الستّة
بعدما انتهت حرب الأيام الستّة في عام 1967، ساد اتجاهان في الكيان الإسرائيلي، أحدهما يرى أنّ الحرب منحتهم الأمن والأمان والثقة، بينما رأى الاتجاه الآخر أنّ هذه الحرب كشفت عن تخبّطات الفرد الإسرائيلي نفسه رغم ما حقّقته لواقع «إسرائيل».
ركّز الاتجاه الأول على أهمية الانتصار ذاك في خلق أبعاد جديدة لـ «دولة إسرائيل» ليس بالمفهوم الإقليمي والإستراتيجي فقط، بل أيضاً في خلق أبعاد في الرؤية الذاتية، إذ إنّ التخطّي الذي يشكّله انتصار حرب الـ 67 كما يقول الأديب الإسرائيلي أهارون أمير، «هو أولاً وقبل أي شيء، تخطّي حالة الحصار النفسي وحالة السجن والانغلاق إلى حالة الثقة بالنفس والسيطرة، وكذلك الصراع الشجاع وجهاً لوجه مع واقع البيئة الجغرافية الخاصّة بنا، بكلّ الشحنات المرتبطة بها من ناحية الظروف التاريخية والأهداف في المستقبل».
نحن المحتلّون… والمحاصَرون
يقوم هذا المناخ السائد على الشعور بالأمن إذن بعد حربين خاضهما الاحتلال مع العرب لكي يفرض وجوده في المنطقة وليحقق حلم «دولة إسرائيل». لكن مع ظهور التيار الآخر الأكثر عقلانية وتفاؤلاً في الوقت نفسه، والمستنِد إلى الحقيقة القائمة بأنّ الانتصار في حرب الـ 67 من عدمه لا يغيّر واقع تأبيد الهواجس والخوف عند أيّ محتلّ، عاد الخوف مسيطراً. فالموقف الأساسي لم يتغيّر بعد الحرب كما يقول الروائي حانوخ برطوف «بأنّنا نحن المحتلّون والمحاصَرون لأنّ لدينا تخبّطات تكفي للموت… ويوجد هنا شعبٌ صغير، هو بالكاد شعب، في منطقة هي بالكاد أرض، مع كوابيس بسبب حدود لا يعرف ماذا يفعل بها».
بالعودة إلى مضمون الخبر، يبقى من المفيد أن نلقي ضوءاً كاشفاً على دور «السياحة العسكرية» ليس في فرض الأمن وتلاشي الخوف عبر سيطرة «الجيش» على المناطق الحدودية، بل في استغلال السياحة كتوظيف سياسي لترسيخ الرواية الاستيطانية وتزوير التاريخ واللعب بالحقائق على الأرض عبر «تطبيع » الوضع الأمني ثمّ «تديين» الأرض باعتبارها من الوعد الإلهي.
«وعد الرب لإبراهيم»
في نهاية الأمر، المناطق الحدودية بين لبنان وفلسطين المحتلّة هي مواقع عسكرية في الصميم و «حسّاسة» فعلاً كما ذكر الخبر، وعليه، فالسياحة عند تلك الحدود من قبل الاحتلال مع قرب عيد الفصح والتذكير بـ «وعد الرب لإبراهيم»، يعني أنّ غسل الذاكرة الجماعية للإسرائيليين تحت غطاء التراث الديني، لا يهدف إلّا إلى ترسيخ شرعية «إسرائيل» سياسيّاً. هذا عدا عن أنّ تعبير «السياحة العسكرية» يلعب دوراً ترويجيّاً يمكن فهم توظيفه كقوة ناعمة تهدف إلى تعزيز صورة «الجيش» كـ «قوة حامية للأمة» ونسج علاقة دراماتيكية بين الأرض ككيان جيوسياسي وروحي، وبين الحروب التي تشتعل فوقها لأسباب دينية وتاريخية، فحيناً الأرض مقدّسة هي وعد إلهي، وأحياناً تُدمّر كغنيمة بشرية.




