تحقيقات وتقارير

الشرع ولبنان: «أوهام» أكبر من القدرات

الشرع ولبنان: «أوهام» أكبر من القدرات

منذ وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، تخرج بين حين وآخر في وسائل الإعلام أنباء عن نيّة النظام السوري الجديد شنّ هجوم عسكري على لبنان، أو المشاركة في هجوم إسرائيلي محتمل.

فراس الشوفي

منذ وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، تخرج بين حين وآخر في وسائل الإعلام أنباء عن نيّة النظام السوري الجديد شنّ هجوم عسكري على لبنان، أو المشاركة في هجوم إسرائيلي محتمل. وتحوّلت في الآونة الأخيرة إلى حملات إعلامية واسعة مستفيدةً من انحسار سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) على محافظة الحسكة ومدينة كوباني في حلب، وسيطرة الحكومة الانتقالية على غرب حلب والرقة ودير الزور.

وقد دفعت السيطرة السريعة لنظام الشرع على مناطق «قسد» البعض إلى الاستنتاج بأن لديه قدرة عسكرية على القيام بعمليات واسعة من هذا النوع، وأن الدعم الذي تقدّمه إدارة الرئيس دونالد ترامب لحكومته على وقع تهديد إيران بالحرب، قد تشكّل غطاءً دولياً للقيام بهجوم ضد لبنان واستهداف حزب الله فيه، انطلاقاً من الحدود الشرقية.

وتتعزّز هذه الشكوك، مع التصريحات العشوائية للموفد الأميركي توم برّاك حول تقسيمات اتفاقية سايكس ـ بيكو، والتلويح بتغيير الخرائط، وتخلي الغرب عن ضبط شؤون المنطقة، وترك هذه المهمة للقوى الإقليمية، واستعداد الشرع للقيام بأي مهمة لإرضاء إسرائيل مثل منع إعادة تسليح حزب الله وطرد الفلسطينيين ومحاربة النفوذ الإيراني، لا سيّما أنه سبق للشرع التصريح بوجود أعداء مشتركين مع إسرائيل هم إيران وحلفاؤها. كما لا تخفى النظرة السلبية التي ينظر إليها النظام الجديد إلى لبنان، ومطالبته بتعديل الاتفاقيات السابقة.

إلا أن هذه السرديات تغفل عن حقائق ملموسة في الميدان السوري، وتخطئ في فهم طريقة تفكير الإدارة الأميركية. فمن جهة، لا يمتلك النظام الجديد قدرة على تنفيذ عملية عسكرية واسعة. وأي تدقيق بحوادث الساحل في آذار 2025 والسويداء في تموز 2025 وحلب والجزيرة السورية منذ كانون الثاني 2026، يكشف أن النظام السوري لم يكن هو من تحرك، عبر تشكيلاته وعتاده الثقيل، بل كان الثقل الأكبر للعشائر و«القوى السنّية» التي ترى في نفسها درع النظام الجديد. وحتى عملية «ردع العدوان»، سيستمر الجدل لسنوات حول السبب الحقيقي الذي أدى إلى نجاحها: أهو براعة التخطيط والقدرات العسكرية لـ«هيئة تحرير الشام»؟ أم تفسّخ النظام السابق نتيجة التراكمات والأخطاء والظروف العسكرية والسياسية والاقتصادية المرافقة؟

ورغم إقبال جزء من السوريين على الانضواء في القوات المختلفة التابعة للشرع، (الأمن العام أولاً، ومن ثم وزارة الدفاع)، لكن هذه القوات تعاني الكثير من ضعف الإمكانات والتدريب، وتنقصها غالبية أصناف السلاح لشن هجمة واسعة في مواجهة قوّة كالجيش اللبناني بانتشاره الحالي في البقاع.

ومقارنةً مع القوات المسلحة التابعة للنظام السوري السابق بمختلف مسمّياتها، فإن قوات الشرع الحالية لا تتجاوز خُمس القوات المسلحة السابقة، أي حوالي مئة ألف مسلّح، وهم موزّعون على غالبية الأراضي السورية ما عدا أجزاء من السويداء والحسكة. وغالبية هذه القوات (عدا عن العناصر السابقين في هيئة تحرير الشام) من المنضوين الجدد الذين خضعوا لدورات قصيرة وسريعة. فضلاً عن النقص الكبير في الأسلحة والذخائر، لا سيّما المدفعية والدبابات وسلاح الجو، مع اقتصار الدعم التركي على الناقلات المدرعة تدريعاً خفيفاً وعدم تقديم روسيا، حتى الآن، ذخائر وقطع غيار لصيانة ما تبقّى من أسلحة الجيش السوري السابق. فـ«فزعة العشائر» لا تصلح في الهجوم على لبنان، وهي نجحت في الشرق السوري لأن «قسد» لم تقاتل أساساً، بل انسحبت انسحاباً يشبه تفكك النظام السوري السابق، مع فارق أن الكرد عادوا للتحصّن في الحسكة بأسلحتهم.

بمعزل عن النظرة السلبية للنظام الجديد نحو لبنان، إلا أن الظروف الداخلية والمواقف الإقليمية والدولية لا تساعده على خوض معركة ضده

وعند الحديث عن العشائر والشرق السوري، لا بد من التساؤل عما إذا كانت العشائر مستعدةً لأن تضحي بأبنائها لمرة جديدة خدمة لأجندة الشرع، خصوصاً بعد الخيبة الكبيرة لعشائر الشرق السوري إثر تدمير قوات الشرع «حراقات النفط البدائية» التي غضّت «قسد» و«داعش» والولايات المتحدة النظر عنها لأكثر من عقد من الزمن، ما أدى إلى حرمان آلاف العائلات من مصادر دخلها الناجمة عن تلك الحراقات، فضلاً عن تضاعف أسعار النفط في منطقة تفتقر إلى الخدمات وتعتمد بشكل حيوي على المشتقات النفطية للحصول على الماء والكهرباء ولمنع تحول آلاف الهكتارات إلى أرضٍ يباب.

ومن ناحية ثانية، يقول المطّلعون على الأجواء الدولية، إنه لا يوجد أي غطاء سياسي أميركي أو أوروبي أو عربي لأي تحرّك عسكري ضدّ لبنان، ولو كانت الذريعة الضغط على حزب الله. إذ إن مجازر الساحل والسويداء والهجمات الأخيرة على «قسد»، باتت تأخذ حيزاً واسعاً من النقاش في البرلمانات الأوروبية وفي الكونغرس ومجلس النواب الأميركيين مع مطالبات بوضع عقوبات على دمشق، وهو ما بدأ يضغط حالياً على الدبلوماسية الغربية لموازنة مواقفها من النظام السوري، بعد «مدة السماح» التي امتدت لأكثر من عام وخلّفت فوضىً وآلاف الضحايا.

صحيح أن ترامب يواصل دعمه للشرع، وصولاً لقوله مؤخراً إنه هو من قام بتعيينه عملياً، إلا أن موقف ترامب يعود إلى رغبته بإسكات الانتقادات لحين انتهاء سحب القوات الأميركية من سوريا ليعلن نجاحه مرةً أخرى في «تحقيق السلام» وإنهاء حرب أخرى. وتقول وسائل إعلام أميركية إن الانسحاب الأميركي يحتاج إلى شهرين لكي ينجز. فهل ستستمر حاجة ترامب للدفاع عن الشرع في وجه الانتقادات بعد ذلك؟
وبعيداً عن الحسابات الغربية المعقدة، لا يخفى أن الموقف العربي شديد الحرص على تفادي أي توتر سوري – لبناني، رغم بعض التحريض في الإعلام السعودي والقطري. ويبرز هنا الموقفان السعودي والمصري، حيث تحرّك وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بشكل سريع لوأد التوتر الحدودي بين فصائل وزارة الدفاع السورية والجيش اللبناني في أيار من العام الماضي، فيما يبدي الجيش المصري دعماً قويّاً للجيش اللبناني تُرجم أخيراً في الاتفاق على عقد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة.

ويشكّل الترتيب العسكري على الحدود الشرقية اللبنانية، أحد أبرز الأدلّة على أهمية هذه الجبهة بالنسبة إلى الجيش وداعميه، تحديداً إلى البريطانيين والأميركيين، لناحية القوة العسكرية للدفاع عن الخاصرة الشرقية. لأن الأبراج والأفواج الحدودية البرية تشكّلت أساساً في ظروف مخاطر عسكرية مرتفعة لا سيّما الهجوم الذي شنّته «جبهة النصرة» وفصائل أخرى على عرسال. وهذا المشروع مستمر لتوسيع السيطرة بالأبراج على كامل الحدود وصولاً حتى سفوح جبل الشيخ، مع وجود ثقل عسكري بشري ومدفعي للجيش، واستمرار الدعم الأميركي والبريطاني لأفواج الحدود البرية.

وبالتالي، فإن أي عمل عسكري من قبل القوات المنضوية تحت جناح الشرع سيصطدم بقوة قتالية نظامية مدافعة مع تجربة سابقة في الدفاع عن هذه المواقع وضد هجمات لمجموعات مماثلة للقوات الحالية للنظام السوري.

لكنّ هناك أسباباً أخرى تدفع إلى التقليل من احتمالية شن الهجوم على لبنان، ذلك أن الشرع يواجه تحديات كبيرة إلى جانب التهديد الإسرائيلي المستمر والمتزايد. لا سيما خطر تنظيم «داعش» الذي عاد إلى الانفلاش والتغلغل داخل المجتمع والجغرافيا السورية، في المدن والأرياف وحتى داخل قوات الحكومة نفسها، لا سيما بعدما قامت هذه القوات بتهريب ما يزيد عن 20 ألفاً من مقاتلي وعائلات التنظيم، وسط توترات بين الأمراء وقادة الفرق والألوية، والشرخ مع المقاتلين الأجانب الذين يحافظ بعضهم على علاقات مستقرة مع «تنظيم القاعدة» وبعضهم الآخر بات عرضة إلى الجذب من «داعش».

كذلك فإن الشرع يواجه وضعاً اقتصادياً خانقاً رغم الوعود الوردية، وما تفاقمه، هي قرارات السلطات العشوائية والتعسفية في مختلف القطاعات وغياب أي أفق لانفراج اقتصادي، مع ما يعنيه ذلك من احتمالات اندلاع تحركات شعبية واسعة ضد السلطات الحالية.

يبقى أن التهديدات المترتبة من جراء الوضع السوري على الساحة اللبنانية كثيرة ومتنوعة، أوّلها خطر انتقال الإرهاب، إلّا أن أكثر ما قد يؤذي لبنان حالياً هو الاستهتار بهذه المخاطر، واستجلاب «تدخّل» من النظام السوري الجديد في لبنان لاستخدامه في حسابات لبنانية ضيقة، ليس أكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب