
الصراع في مرحلته الوحشية
بقلم الدكتور ضرغام الدباغ / برلين
العالم الأمريكي الكبير جون نيف (John Feff / 1899 ــ 1988) في عمله الفذ الحرب والتقدم البشري، دراسة في نشأة الحضارة الصناعية (War and Human Progress: An Essay on the Rise of Industrial Civilization) ، يشير لمعركة جوية حدثت فوق البحر المتوسط، بين طائرات بريطانية وألمانية، أصيبت فيها طائرة، هبط ربانها بالمظلة فوق سطح الماء، فخف زورق بريطاني لانقاذه كان متواجداً بالقرب من مكان هبوطه، فانتشلوه وحين اكتشفوا على سطح الزورق، أنه ضابط طيار الماني، قذفوا به وأعادوه لمياه البحر، لمصيره المجهول .. ويصف البروفسور نيف هذه الحادثة، على أنها علامة فارقة في التحول من عهود الفروسية في الحروب، إلى الفضاضة والوحشية. وهبوط في علاقات التحضر والتمدن
في الصراع الفلسطيني / الصهيوني، يواجه هذا الشعب النعصب والكراهية والحقد …. ” لماذا لا تدعوننا ننهب بلادكم براحة وطمأنينة … ونقضم منها ما نشاء من أراض ” هذا هو جوهر الخطاب الصهيوني الذي يوجهونه لأصحاب الأرض، احتلوا بيوتهم واستولوا على أراضيهم، فقط بسبب امتلاكهم القوة المسلحة التي مارسوها بوحشية تفوق التصور منذ المذابح الأولى لحرب الاحتلال، إلى معارك غزة 2023، وهذا يسري بصفة عامة على سيادة منطق الهيمنة والقوة في العلاقات الدولية.
الغريب جداً في الامر، وسبما لمن يقرأ كتب السياسة والتاريخ، أن الأوربيين بلغوا مستويات رفيعة، علماً في جامعاتهم، وأنهم ما بلغوا هذا المستوى الرفيع إلا بعد تقدم بحثي وعلمي، وتجارب مضنية في عالم السياسة والحروب، كلفتهم أرواح الملايين، ومنجزات مدنية وحضارية، وتوصلوا إلى مجتمعات مدنية محكمة، والمدهش هنا، أن الانظمة الأوربية تدرك تماماً أن الكثير مما يجري لا علاقة له بالتحضر، بل هو إنحدار مخيف نحو أستخدام بالغ القسوة للقوة الحربية، وأدركتها الشعوب الأوربية التي نزلت للشوارع وهي تعاني من ألم ووجع الضمير، فقد طلب منهم إبداء أقصى حالات التعاطف والتضامن، مع ضحايا الهولوكوست، بل وشرعوا القوانين التي تضع في السجن لمدة لا تقل عن عشرة سنوات، كل من يخفف من عذابات الهولولوكوست، ويشاهدون أنظمتهم تشحن العتاد والسلاح سراً وعلناً للكيان الصهيوني .. فأحترقت اعصابهم لشدة التناقض، وتمزقت نفوسهم بين الأفكار المثالية، وبين وحشية لا تعرفها الانسانية.
هذا هو سر غضب الشعوب الأوربيية، ولاحظ أن الشعوب الغربية كان درجة الغضب فيها عالية في البلدان التي كانت تقدم الدعم بمستويات عالية خاصة: إيطاليا وفرنسا وهولندة، وبريطانيا والماتيا، والسويد، إضافة للولايات المتحدة، لأن التناقض بين الموقف الحضاري والموقف السياسي الذي يدعم العدوان والوحشية يتسبب في الوجع النفسي للجماهير أعلى بكثير منه في بلدان أخرى ولا سيما في أوربا الشرقية. الشعوب الاوربية تشعر انها تغرضت للخداع والغش، وهي غاضبة لذلك ..إضافة للمشاهد المروعة التي يرتكبها العدوان الصهيوني. بعبارة وجيزة ” لم يعد السكوت ممكناً “.
لهذا السبب بشكل اساسي نلاحظ هبوب الغضب الشعبي في هذه البلدان، فيما يحاول البعض تنفيس غضبه، أو تنفيس لعقد أخرى يكتب كلمات بذيئة يشتم فيها العرب والمسلمين، بأوسخ العبارات، فهو إما أن يكون ساذجاً، أو أنه يرقص بأجر مدفوع سلفاً، فالأفق مليئ بالمندسين ومن يكتب ويشتم بالاجرة …!




