
العالم يقارع الساسة بسلاح السخرية
شهباء شهاب
لقد نجح الكثير من المبدعين وعبر التأريخ من التعبير عن القهر والظلم والألم الذي يعتمر صدورهم من أحداث العالم المأساوية حولهم بصيغ متعددة، كانت الكوميديا أهمها. فالسخرية والضحك هما من أبلغ الوسائل التي استعملها الإنسان للتعبير عن حزنه، أو غضبه، أو تمرده، أو ثورته. فبدلا من الانحسار وحيدا في ركن قصي وذرف الدموع وإطلاق الآهات، سعى هذا الإنسان المبدع إلى صيغة أبلغ وأكثر خلقا وحيوية لتحويل الهزائم الساحقة التي لحقت به وبعالمه إلى انتصارات، حتى لو كانت هذه الانتصارات مجرد انتصارات صغيرة ومؤقتة.
اللجوء للتهكم والسخرية وإطلاق الضحكات العالية وتحفيز المحيطين به، أو الآخرين البعيدين على الانخراط في هذا الجو المبهر من السخرية والضحك المتواصل، الذي قد يصبح هستيريا، يخفف كثيرا من الجروح التي ألقت بظلالها على صدور الجميع، وأولهم هو الذي نجح في تحقيق هذا الانقلاب الكبير على الذات، ونجح في تحويل أشواك الدنيا التي تدمي القلب الى ضحكات وابتسامات يتشارك بها مع العالم حوله.
هؤلاء الذين تعلمنا منهم كيف نخلق أبسط أنواع الفرح من جبال من المصائب والمآسي، التي ننوء بحملها فوق أكتافنا المتعبة، أبدعوا في الانتقام من الأحزان بوابل من الضحكات، من خلال صيغ كثيرة ابتدعوها لتصبح السخرية والتهكم وإثارة الضحك بدل الدموع سلاح البشر البسطاء المسالمين الأبرياء، الذين لا يريدون إلا العيش بسلام والشعور بالأمان وتحقيق أحلامهم الصغيرة التي هي حقوقهم التي حرموا منها.
لقد تمكن الإنسان من التعبير عن الاستياء والرفض والثورة ضد المجازر والاعتداءات والاحتلال والتجويع، وسرقة الثروات وقمع الحريات، وإسكات المظلومين، وغيرها من المظالم باستعمال السخرية والتهكم، عبر سرد النكات القصيرة، أو رسم الكاريكاتير، أو عبر ما يسمى بالستاند آب كوميدي، وعبر المسرح الساخر، وعبر أنواع أدبية متعددة أخرى مثل القصص والروايات الفكاهية وأيضا عن طريق صناعة المسلسلات والأفلام السينمائية المسلية والضاحكة، وتأليف الأغاني والأناشيد الهزلية. كل هذه الوسائل تقوم على مبدأ واحد وهو، محاولة مواجهة الأزمات والحروب والكوارث والقمع، وإيجاد حلول لها ليس عن طريق السلاح ولا عن طريق السياسة أو الدبلوماسية، أو التفاوض، وإنما من خلال إيجاد نقاط في خريطة المشكلة يمكن استغلالها وتسليط الضوء عليها، وبدلا من أسلوب البكاء والعويل يستخدم الأسلوب المضاد وهو الضحك والسخرية منها، وعندها سيصبح من الممكن ضرب عصفورين بحجر واحد. فمن جهة سيتم تسليط الضوء على كارثة أو أزمة أو حرب ما، وزيادة وعي العالم بشأنها، ولفت أنظار المعنيين بها بشكل جديد غير مألوف، لعل وعسى أن يحصل أي تحرك يكون سبيلا لحلها أو إنهائها، ومن جهة أخرى سيتم تخفيف الضغط النفسي والتوتر العصبي الهائل الذي يشعر به من وقع عليه الأذى مباشرة، بالإضافة إلى التوتر والحنق الذي ألمّ بالعالم بشكل عام.
لقد أدرك الإنسان أن السخرية من نفسه ومن همومه ومن الذين تسببوا في ظلمه وإيذائه وشقائه، تمنحه لوهلة بعض التنفيس والتفريج عن كربه، ليكون قادرا على مواصلة الحياة، وتمنحه كذلك فرصة كبيرة للتصدي للذين تسببوا في ظلمه وظلم الآخرين والثأر منهم بإبرازهم بشكل مهين او غير ناضج، أو ساخر وانتقاد أفعالهم في إطار كوميدي ضاحك يعّم صداه وينتشر عبر العالم كالنار في الهشيم.
واليوم بدأت منصات التواصل الاجتماعي تطالعنا بشكل جديد من أشكال الكوميديا، التي خففت عنا الكثير مما نلاقيه من أخبار العالم، التي لا نشم منها إلا روائح الحرب والبارود والدمار والاقتصاد المعطوب وشحة الأموال والموارد. فكثير منا بدأ لا يجد بأسا في الاستمتاع والضحك، وهو يشاهد أشرطة الفيديو القصيرة المصنوعة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي لا تكل ولا تمل من السخرية من ساسة العالم عبر مشاهد مضحكة وساخرة مستنبطة من قصص الأطفال الفكاهية، أو من أفلام ميكي ماوس وغيرها من أفلام الكارتون ومن القصص الشعبية الساخرة. ولم ينس من ابتدعوا هذه الأشرطة اللذيذة، أن يطرزوها كذلك بالموسيقى الساخرة والرقصات الشعبية والمناظر الطبيعية. وجميع هذه الأشرطة تشن انتقادا حادا ولاذعا وعنيفا على سياسات الرئيس الأمريكي تجاه فنزويلا وأوروبا والصين وغرينلاند وإيران. كما تنتقد هذه الأشرطة سياسة الولايات المتحدة وحلف الناتو في التعامل مع الحرب في أوكرانيا، وكيف أن هذه الحرب أصبحت مستنقعا لهذه الدول ضد روسيا، وكيف أنها استهلكت أموالا طائلة لا تعد ولا تحصى من أموال دافعي الضرائب في هذه البلدان، من دون تحقيق نتيجة ملموسة، رغم مضي عدة سنوات. كما تعالج هذه الأشرطة مفهوم القوة وإظهار التنافس بين الدول في هذا المجال في ميادين التسلح والتجارة والاقتصاد وغيرها.
لقد أكتظ تطبيق فيسبوك بهذه الأشرطة الساخرة التي يلجأ لها الملايين ليجدوا فيها بعض الفضفضة والتخفيف وهم يشاهدون من أخذ لهم بثأرهم من هؤلاء الساسة الذين ملأوا العالم وشغلوه بالصراعات والحروب والاضطرابات والأسلحة والتجويع فدمروا البشر والحجر. لقد أدرك الجميع أن العالم خلا من أي قانون يردع المعتدي ويقتص منه، وأن الأمم المتحدة تحولت إلى مجرد مكان لإلقاء الخطابات التي تبقى حبرا على ورق، وأن القانون الدولي لم يعد ملزما إلا للدول الضعيفة، وأن البقاء في هذا العالم أصبح للأقوى، في غياب أي قانون يحكمه أو يحاكمه. فمن المستغرب أن العالم اليوم بدا وكأنه قد تفاجأ بما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا عندما اختطفت رئيس الدولة هو وزوجته، كأي مجرمين خارجين عن القانون، من القصر الرئاسي، واقتادتهما إلى سجن في الولايات المتحدة بتهمة تسهيل تجارة المخدرات. ويبدو أن العالم نسي أو تجاهل أو هو جاهل بالفعل بالتأريخ الإمبريالي الدموي للولايات المتحدة، لأن لهذه الحادثة بالذات سابقة مماثلة عندما اختطفت الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها شرطي العالم وحاكمته، رئيس بنما مانويل نورييكا في 1989 واتهمته بالتهمة نفسها، التي اتهمت بها رئيس فنزويلا وهي تجارة المخدرات.
لقد أصبح العالم اليوم أكثر وعيا واطلاعا على السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة التي جعلت جميع من في العالم يدرك أن العالم لا يحكمه القانون الدولي، وإنما تحكمه شريعة الغاب التي تنص على أن القوي يأكل الضعيف، وأن البقاء للأقوى وأن الضعيف لن يجد من يدافع عنه ويحميه وينتزع له حقه من الوحوش المفترسة، التي لا يردعها خلق أو دين أو قانون. لقد وجد الذين ظلموا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضالتهم وسلاحهم، الذي يقارعون به البلطجة الأمريكية والسياسات الإمبريالية الطامعة بثروات الدول الأخرى وأراضيها، والذي به يفضحون الحروب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على عمالقة الصناعة والتجارة، الذين تفوقوا عليها مثل الصين واليابان وألمانيا. كما مكنت تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناشطين من توعية العالم بشكل ساخر ومتهكم بالتحالفات الدولية، وبتبادل الأدوار بين الدول وبالحرب بالوكالة مثل الحرب الأوكرانية، التي ابتلعت مليارات الدولارات وأدخلت الدول التي تدعم أوكرانيا في تضخم اقتصادي، وفي عجز مالي لا سابق لهما، من دون أن يلوح ولو ضوء خافت في نهاية النفق المظلم لهذه الحرب.
كاتبة من العراق




