مقالات

العرب وثروات التنمية الضائعة: لماذا يتقدم الآخرون ونحن ندور في المكان نفسه؟..

العرب وثروات التنمية الضائعة: لماذا يتقدم الآخرون ونحن ندور
في المكان نفسه؟..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

كيف استطاعت دول كانت، قبل عقود قليلة، في عداد الدول
الفقيرة أو النامية، أن تصنع لنفسها اقتصاداً قوياً وصناعة
متقدمة ومؤسسات حديثة، بينما ما تزال دول عربية كثيرة
عاجزة عن تحويل ثرواتها الهائلة إلى تنمية مستدامة؟.
سنغافورة مثال واضح. دولة صغيرة لا تملك النفط ولا الغاز ولا
المناجم، لكنها أدركت مبكراً أن ثروتها الحقيقية هي الإنسان،
فاستثمرت في التعليم والتكوين والتكنولوجيا والإدارة، وتحولت
خلال عقود إلى مركز اقتصادي عالمي.
وكذلك فعلت كوريا الجنوبية، وفيتنام، وماليزيا، وإندونيسيا،
وغيرها، مع اختلاف ظروف كل دولة وتجربتها. لم تكن هذه
الدول تملك بالضرورة الموارد التي تملكها الدول العربية، لكنها
امتلكت شيئاً أكثر أهمية: مشروعاً لبناء القدرة على الإنتاج.
أما في العالم العربي، فالمفارقة مؤلمة.

لدينا النفط والغاز والمعادن، ولدينا الموقع الجغرافي، ولدينا
سوق واسعة، ولدينا ملايين الشباب والجامعات والكفاءات. ومع
ذلك ما زلنا نستورد جزءاً كبيراً مما نحتاجه من التكنولوجيا
والمنتجات الصناعية والأدوية والخبرات.
فأين الخلل؟
لنأخذ النفط.
قد تمتلك دولة عربية احتياطيات هائلة، لكنها تحتاج إلى شركات
أجنبية وخبراء وتقنيات متخصصة للتنقيب والاستخراج. وبعد
استخراج النفط تحتاج إلى شركات وخبرات أخرى في التكرير
والتصنيع والتكنولوجيا. أي أننا قد نملك المادة الخام، لكننا لا
نملك بالضرورة المعرفة الكاملة التي تمكننا من تحويلها إلى
أعلى قيمة اقتصادية ممكنة.
والحال نفسه في التعدين.
قد نمتلك الفوسفات أو الحديد أو النحاس أو الذهب، لكن امتلاك
الخام لا يعني امتلاك الصناعة. فإذا كانت الدولة تبيع المادة الخام
أو تعتمد على خبرات خارجية في استخراجها ومعالجتها، فإن
جزءاً كبيراً من القيمة يذهب إلى من يملك المعرفة والتكنولوجيا.
وفي قطاع الأدوية تتكرر القصة.
نستورد الدواء، ونستورد التكنولوجيا، ونستورد جزءاً من
المعدات والخبرات، ثم نتحدث عن امتلاكنا لسوق دوائية كبيرة.
لكن السوق وحدها لا تصنع صناعة دوائية حقيقية. الصناعة تبدأ
عندما نمتلك الباحث الذي يكتشف، والمختبر الذي يطور،

والمهندس الذي يصنع، والشركة التي تستثمر، والنظام الذي
يستطيع تنظيم ذلك كله.
وهنا تظهر المشكلة التي لا نحب مواجهتها:
نحن لا نعاني دائماً من نقص الثروة، وإنما من ضعف القدرة على
تحويل الثروة إلى معرفة وإنتاج.
لقد أنفقت دول عربية أموالاً طائلة على مشاريع ومبانٍ وطرق
ومنشآت ومظاهر عمرانية ضخمة، لكن الاستثمار في الإنسان لم
يحظَ دائماً بالمكانة التي يستحقها.
وقد يكون لدينا مبنى جامعي حديث، لكن السؤال الحقيقي هو:
ماذا ينتج هذا المبنى؟
كم براءة اختراع؟
كم شركة تكنولوجية؟
كم دواءً جديداً؟
كم مهندساً وباحثاً قادراً على حل مشكلة صناعية حقيقية؟
وما قيمة جامعة لا تستطيع أن تنتج المعرفة التي تحتاجها
قطاعات الاقتصاد؟
المشكلة ليست في بناء المنشآت، بل في الاعتقاد أن التنمية يمكن
اختزالها في الإسمنت والحديد والخرسانة.
التنمية ليست ما نراه فقط، وإنما ما يستطيع الإنسان إنتاجه بما
تعلمه.

والأخطر أن العالم العربي يخسر جزءاً مهماً من ثروته البشرية
نفسها. فالكفاءات التي أنفقت الدول والمجتمعات سنوات في
تعليمها وتكوينها تجد فرصاً أفضل خارج بلدانها، فتنتقل إلى دول
تعرف كيف تستفيد من العلم والخبرة.
وهكذا تحدث مفارقة أخرى: نُخرج الطبيب والمهندس والباحث،
ثم تعجز بيئتنا الاقتصادية والمؤسساتية عن استبقائهم، فتستفيد
من تكوينهم دول أخرى.
إنها خسارة مزدوجة: نخسر المال الذي أنفقناه على تكوين
الكفاءة، ونخسر في الوقت نفسه القيمة الاقتصادية التي كان
يمكن أن تنتجها داخل بلدها.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: لماذا لا نملك الموارد؟
بل يجب أن يكون أكثر إزعاجاً:
لماذا نملك الموارد ولا نملك بالقدر نفسه القدرة على تحويلها إلى
معرفة وصناعة؟
ولماذا تستطيع دولة لا تملك النفط أن تصنع التكنولوجيا التي
تحتاج إليها الدول النفطية؟
ولماذا تستطيع دولة فقيرة بالموارد أن تنتج الدواء أو المعدات
أو البرمجيات التي تشتريها منا الدول الغنية بالموارد؟
ولماذا نستورد الخبراء لاستخراج ثرواتنا، ثم نستورد
التكنولوجيا لمعالجتها، ثم نستورد المنتجات المصنوعة منها؟
هذه ليست مشكلة ثروات، وإنما مشكلة خيارات.

الثروة الطبيعية تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تبني وحدها دولة
متقدمة. الذي يفعل ذلك هو الإنسان: المدرسة التي تعلمه،
والجامعة التي تطور قدراته، والمختبر الذي يمنحه فرصة
البحث، والمصنع الذي يحول معرفته إلى منتج، والمؤسسات التي
تسمح له بالابتكار والعمل والمنافسة.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الانتقال من التخلف إلى التقدم
ممكن، وأن الفقر ليس قدراً أبدياً.
لكن ذلك يتطلب أكثر من الخطابات والشعارات ومشاريع التنمية
التي تتغير عناوينها بينما تبقى المشكلات نفسها.
يتطلب الاعتراف بأن أكبر ثروة عربية ليست النفط ولا الغاز ولا
المعادن، وإنما الإنسان العربي نفسه.
فإذا لم نستثمر فيه، سنظل نملك الثروات ونستورد من يعرف
كيف يستخرجها، ونملك الأسواق ونستورد من يعرف كيف ينتج
لها، ونملك المال ونستورد من يعرف كيف يحوله إلى تكنولوجيا.
وعندها لن تكون المشكلة أن العرب يفتقرون إلى الثروة.
بل ستكون المشكلة أنهم يمتلكون الثروة، لكنهم لم يحولوا
امتلاكها إلى قوة إنتاجية ومعرفية مستقلة.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا حقاً:
إلى متى نبقى أغنياء بما تحت الأرض، وفقراء بما في العقول؟..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب