
القراءة بلغة أخرى
توفيق قريرة
شدّ انتباهي وأنا أجول بين أروقة معرض تونس الدولي للكتاب، صفّ من الشباب ينتظرون دورهم لدفع معاليم مجموعات من الكتب الإنكليزية كانت الدار قد خفضت أثمانها، وفي دار مجاورة صفوف من الشباب يشترون كتبا بلغة فرنسية، ولم أر من صنف الشباب من يشتري كتبا بالعربية، وحدهم الكهول من أقبلوا على الكتب العربية الدينية، أو كتب الأطفال لأبنائهم أو أحفادهم. القراءة المتسرعة لهذه الملاحظة يمكن أن تقودنا إلى أنّ القراءة بالعربية تكون في مقدمة الأعمار وفي خاتمتها، وأنّ الشبيبة ترغب في القراءة بلغة أخرى.
لكنّها تظل استنتاجا خاطئا ومغرضا، نحن لا نكتب هنا للوصول إلى النتائج أو لتقييم السلوكات بقدر ما يعنينا أن نفهم الكيفيات التي باتت بها القراءة توجّه وفق اللغات.
المشهد الذي وصفته في معرض تونس الدولي للكتاب ليس مجرد لقطة عابرة يمكن الاكتفاء بتأويلها إحصائياً، أو تحويلها إلى حكم سريع حول إقبال الشباب على اللغات الأجنبية وإعراضهم عن العربية؛ هو في العمق صورة مكثفة عن علاقة معقدة بين اللغة والمعرفة والذوق الثقافي، الذي توجهه القراءة، في سياق ثقافي متحول.
حين ننظر إلى صفوف الشباب أمام الأجنحة الأجنبية، خصوصاً الإنكليزية والفرنسية، ينبغي أن لا نفهم الحركة بوصفها اختياراً لغوياً خالصاً، بل بوصفها اختياراً معرفياً وثقافياً يتجاوز اختيار لغة على حساب أخرى، والسفر بها إلى عوالم بعيدة أو قريبة. ليست اللغة وسيطا للفكر والثقافة، بل هي شكل محتوى أيضا كما يقال. وفي اختيار هذه اللغة رغبة في الاستكشاف، أو رغبة في التقليد وسعي باحث جاهد عن نمط من التفكير والتعبير مختلفين، ولاسيما في السرد.
إنّ انجذاب القارئ الشاب إلى لغة موليير، أو إلى لسان شكسبير، ليس بحثا عن ألفة في لغة وعن هجرة من أخرى؛ بل في ذلك بحث في مخيال ثقافي معاصر يواكب الأهواء والتطلعات التي يكون فيها السفر بالقطار السريع، حلما يكسر الحنين إلى سفر ما يزال يسوي ركابه ويتردّد هل يرحل أم ينتظر.
لا يكون إلى الإنكليزية أو الفرنسية في ذاتها، بل إلى ما أصبح يرتبط بهما في المخيال الثقافي المعاصر: الرواية الحديثة، كتب التطوير الذاتي، الأدب السريع الإيقاع، المحتوى العالمي الذي يتجدد باستمرار، ويجد صداه في الفضاء الرقمي.
حين تُستحضر العربية في فضاء المعرض، فإنها في كثير من الأحيان لا تُقدَّم للشباب داخل هذا التنوع الجاذب نفسه. هي تُحاصر في أنماط محددة: في كتب دينية، في تراث فكري، أو في إنتاج أكاديمي يجده الطالب ثقيلا مستثقلا يذكره برتابة المدرسة. وعندما تكون هناك أعمال عربية حديثة، فإنها لا تحظى دائماً بآليات الترويج نفسها، ولا تُقدَّم ضمن آليات جلب للانتباه مثمرة تلقاه الكتب الأجنبية. وهنا يظهر الخلل ليس في اللغة، بل في شروط حضورها.
من زاوية نظر عرفانية، يمكن فهم المسألة على نحو أكثر عمقاً، فالقراءة ليست فعلاً لغوياً فقط، بل هي عملية ذهنية مرتبطة بيسر المعالجة الإدراكية، أو بتوفير الجهد العرفاني، فالقراءة المريحة هي التي تعطيك الخيال بلا مواربات والحقائق بلا مراوغات والرمز يترك إلى جانب مفاتيحه. الشاب الذي بنى علاقته الأولى بالقراءة عبر نصوص مدرسية صارمة في الفصحى، حكمتها لغة جاهلية قديمة وعسر في تفكيك الكنايات والأمثال والحكم، وبعد عن ثقافته اليومية المركبة، جعله إعراب الكلام وحفظه ثقيلا متثاقلا، ميالا إلى لغة من غير تعقيد نظري حالما بقراءة ترتبط بالمتعة، لا بالواجب المدرسي الثقيل. الشاب الذي دخل عالم القراءة عبر روايات مترجمة أو محتوى رقمي بالفرنسية أو الإنكليزية مبسط، يكون قد ربط تلك اللغات منذ البداية بالمتعة والانسياب والسرد المشوق. هذا الفرق في التأسيس العاطفي للقراءة أكثر تأثيراً من الكفاءة اللغوية ذاتها.
والبعد البراغماتي لا يقل أهمية، فاللغة اليوم ليست فقط أداة تعبير، بل هي أيضاً رأس مال رمزي. ويدرك الشبان ولو بشكل ضمني، أن الإنكليزية والفرنسية تفتحان أبواباً أوسع في التعليم، والعمل، والاندماج في السوق العالمية للمعرفة. لذلك يصبح اختيار الكتاب المكتوب بتلك اللغات ليس فقط استجابة لمذاق، بل استثمارا أيضا في المستقبل. أما العربية، فرغم مكانتها الوجدانية والثقافية، فهي لا تُقدَّم دائماً في السوق الثقافيه العربية، بوصفها لغة إنتاج معرفة عالمية حديثة، بل غالباً ما تقدّم بوصفها لغة هوية أو تراث أو تعليم مدرسي. لكن من الخطأ الاستنتاج أن هناك هجرة من العربية إلى لغات أخرى. فما يحدث هو تحول في توزيع الوظائف بين اللغات داخل بواطن المواطن، الذي يجعل للعربية حيزات اهتمام مثل الدين ووسائل الإعلام المشتركة، ويجعل الإنكليزية والفرنسية لمجالات الألعاب والمعارف المجاوزة للمحيطات الثقافية القريبة، مثل العلوم الصحيحة أو الاكتشافات، وحتى الفنون والسينما. الإشكال الحقيقي إذن لا يكمن في القارئ، بل في المنظومة الثقافية التي تحيط به. حين لا تُنتَج بالعربية نصوصا تُشبه في إيقاعها وموضوعاتها ما يجذب القارئ عالمياً، وحين لا تُسوَّق هذه النصوص داخل فضاء بصري ومعرفي حديث، فإن النتيجة الطبيعية هي أن يذهب القارئ إلى حيث يجد ما يشبه انتظاراته. وفقاً لمبادئ غرايس، يمكن النظر إلى القفزة من لغة إلى أخرى بالبحث عن خطاب يشتغل أساساً على إنتاج معنى ضمني أكثر من تقديم معطيات تفصيلية مباشرة. فهي تحترم بدرجة واضحة مبدأ العلاقة، إذ تبقى منسجمة تماماً مع فكرة مركزية واحدة هي أن الإشكال لا يعود إلى القارئ، بل إلى المنظومة الثقافية المحيطة به، وما تخلقه من شروط إنتاج وتسويق وتلقٍ.
وهنا تبرز مسألة مركزية: كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين الشباب والقراءة بالعربية، من دون الوقوع في خطاب وصائي أو تقليدي؟ الجواب لا يمكن أن يكون عبر الدعوة الأخلاقية، أو القومية للعودة إلى العربية، بل عبر إعادة تعريف العربية نفسها داخل المجال الثقافي المعاصر. فالعربية ليست مشكلة في ذاتها، بل هي إطار يمكن أن يكون شديد الحيوية، إذا وُضع داخل شروط إنتاج جديدة: تكون لغة أكثر مرونة، وسردها أقل ثقلاً، وموضوعاتها أقرب إلى الحياة اليومية للشباب، ولها جرأة في اقتحام الأنواع الأدبية التي ما زالت مهيمنة فيها اللغات الأجنبية. دور النشر والمعارض ليست مجرد فضاءات عرض، بل هي فاعل أساسي في تشكيل الذوق. حين يُعاد تنظيم العرض، بحيث تكون الكتب العربية حاضرة في مناطق الجذب البصري والتجاري نفسها، التي توجد فيها الكتب الأجنبية، وحين تُقدَّم العناوين العربية الحديثة منتجا ثقافيا منافسا لا تراثا محفوظا، يمكن حينها أن يتغير سلوك القارئ تدريجياً. ولا يمكن إغفال دور المدرسة، فهي المكان الأول الذي يتشكل فيه تصور الطفل عن القراءة، إذا ظلت العربية مرتبطة في التعليم بالتقييم والحفظ والتقويم اللغوي الصارم، فإنها ستبقى منفصلة عن المتعة، أما إذا أُدخلت نصوص عربية معاصرة، وتحوّل درس القراءة إلى مساحة تفاعل وتأويل وحوار، فإن الأثر سيكون عميقاً في إعادة تشكيل علاقة الجيل باللغة.
في النهاية، ما يبدو في المعرض ليس عزوفاً عن العربية، بقدر ما هو نتيجة لتوازنات ثقافية غير متكافئة. اللغة التي تُقدَّم داخل منظومة حية متجددة ومتصلة بالعالم، تجذب بطبيعتها. واللغة التي تُقدَّم داخل إطار وظيفي أو تراثي ضيق، تفقد جزءاً من جاذبيتها، حتى لو بقيت حاضرة في الهوية والوجدان.
المسألة إذن ليست أن الشباب اختار لغات أخرى، بل إن كل لغة تُقدَّم له اليوم داخل حزمة مختلفة من المعنى والوظيفة والتجربة. وإعادة الاعتبار للقراءة بالعربية تمرّ أولاً عبر إعادة بناء هذه الحزمة، لا عبر الاكتفاء بتوصيف الفجوة أو التأسف عليها.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية




