ثقافة وفنون

القراءة: قصص ومواقف

القراءة: قصص ومواقف

تدوين-فراس حج محمد

في البداية، لا بدّ من الاعتراف بأنّ مسارات التعرُّف إلى الكتب مختلفة في كلّ مرّة أقرأ فيها كتابًا، فكوني قارئًا مألوفًا لرفّ الكتب العربيّة يجعلني دائمًا أسيرًا لما تتزيّن به تلك الرفوف بصيغتيها الورقيّة التقليديّة، وبالصيغة الأحدث؛ الإلكترونيّة. فثمّة كتب ناضلتُ كثيرًا لاقتنائها، وكانت الرغبة شديدة لقراءتها، لكنّ تلك الرغبة قد ماتت نهائيًّا، لا أدري لماذا. لا يعود الأمر إلى أنّ الكتاب جيّد أو رديء، إنّما هي حالة لا أدري كيف يمكن لي أن أفسّرها، وبالمقابل ثمّة كتب ندمتُ أنّني لم أكن قرأتها منذ زمن.

لقد خلقت عندي القراءة عادة اقتناء الكتب الصادرة ضمن سلسلة معيّنة، كالكتب التي صدرت في سلسلة “كتاب في جريدة”، وكتب مجلّة “دبيّ الثقافيّة”، وكتب “مجلّة العربي”، وكتب المجلّة العربيّة، وكتب “عالم المعرفة”، والكتب الإلكترونيّة لمجلّة “ميريت الثقافيّة”، وغيرها. لقد غصّت مكتبتي الشخصيّة بهذه الكتب، وكنت حريصًا على اقتنائها مع أنّني لم أكن أقرأها جميعها، بل بعضها لم يكن ليُروق لي أبدًا، وليس من ضمن تخصصي واهتمامي الأدبي والثقافي، فما زالت نسخ منها مغلّفة على حالها كما اشتريتها، لم أفضّ عنها غلافها البلاستيكي، إنّما لا بدّ من أن تكون عندي، وأشعر بخسارة شديدة لو ضاع منها كتاب ولم أحصل عليه في وقته. لذلك أعتبـر خسارتنا في فلسطين لكتب السلاسل الثقافيّة؛ شهريّة الصدور خلال أوقات الأزمات والحروب، خاصّة الانتفاضة الثانية وحرب السنتين الأخيرتين على غزّة، خسارة ثقافيّة كبـرى بالنسبة لي، تضاف إلى خسائر الدم والجغرافيا.

ومن عادتي الاهتمام بالكتب الصادرة حديثًا، ويقف على رأسها كتب أصدقائي وصديقاتي من الكتّاب والكاتبات، ممن أعرفهم شخصيًّا وبيني وبينهم لقاءات واهتمامات مشتركة، وأفرح جدًّا لإنجازاتهم، ولمشاركتهم فرحتهم وأفكارهم، أكون مهتمًّا بالحصول على تلك الكتب وقراءتها والاحتفاء بها بالكتابة عنها.

ويضاف إلى كتب الأصدقاء الكتب الأخرى التي يُعلن عن صدورها في الصحف والمجلّات، فأتتبّع منها ما هو مثير، ويتقاطع مع مشاريع شخصيّة ملحّة، كما حدث مع كتاب “رسائل إلى شاعرة”؛ رسائل غوستاف فلوبير إلى لويز كوليه، وأثارني لأكثر من وجه؛ أوّلًا لأنّني مهتمّ بكتب “أدب الرسائل والمراسلات” وقرأت عنها، وجمعت منها ما استطعت الوصول إليه، وقرأتها؛ إذ نادرًا ما لا أقرأ تلك الكتب، أو بعض ما فيها على الأقلّ ككتاب رسائل “سليفيا بلاث” الذي لم يرقني أسلوبها في الرسائل، وشعرت بملل كبير وأنا أقرأ فلم أكمل، وثانياً لأنّني أكتب الرسائل وأحنّ دوماً إلى كتابتها لما تمنحني إيّاه من متعة المناجاة والحديث بأريحيّة دون ضوابط، وقد أصدرت كتابين في ذلك، وهما: “رسائل إلى شهرزاد، 2013″، وكتاب “الثرثرات المحبّبة، 2024″، وثالثًا لأنّني كنت أنوي أن أعنون كتاب “الثرثرات المحبّبة” بـ”رسائل إلى شاعرة عربيّة” قبل أن يقع الفكر على هذا العنوان ويستقرّ عليه، ولأنّه كذلك لم يعد خاصًّا بشاعرة واحدة؛ ففيه مراسلات بيني وبين ستّ نساء، أربع منهنّ شاعرات.

كتب أخرى أخبرني عنها الأصدقاء، ونصحوني بها بلغة حماسيّة تأثريّة كبيرة، كما فعلت الكاتبة مادونا عسكر في وصفها المستفيض لكتاب نسيم طالب “البجعة السوداء”، ووفّرت لي نسخة إلكترونيّة منه. لم يستهوِني الكتاب وتوقّفت عن قراءته بعد أن أجبرت نفسي على قراءة أكثر من نصفه؛ كانت القراءة في هذا الكتاب أشبه بالعذاب، بعكس الروايتين اللتين رشّحهما لي الصديق رائد الحوّاري، فقرأتهما بمتعة كبيرة: “الوطن في العينين” و”من يتذكّر تاي”، وكتبت عنهما كتابة رائقة، وأظنّ أنّها مهمّة.

وما حدث مع كتاب “البجعة السوداء” حدث مع رواية “حارث المياه” التي شرعت بقراءتها ولم أتمّها، وقد نشرت ضمن مشروع “كتاب في جريدة”. ومن هذه الفئة كذلك رواية لحنا مينا لم أعد أذكر اسمها، ورواية “ليل العالم” للروائي نبيل سليمان التي لم تعجبني، وقد قرأت أكثر من ثلاثين صفحة منها، شعرت أنّ فيها شيئًا ما ضدّ الذات الجمعيّة، وانتقاد الثورة السوريّة. لقد كانت تلك الصفحات موجّهة ضدّ جماعات معيّنة إسلاميّة الطابع، وأنا بطبعي أنفر من كلّ كاتب ينتقد الدين أو التديّن. بسبب ذلك أيضًا لم أقرأ مثلاً رواية “وليمة لأعشاب البحر” أو أيّ رواية تثور ضدّها معركة لأسباب دينيّة، عدا كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” الذي قرأته بعقل نقديّ، أبحث عمّا في الكتاب من استنارة في التفكير، ولعلمي أنّ طه حسين يكتب ليحلّل، لا لينتقد، وإن أخطأ في الطريقة، لكنّه لا يحمل نيّات سيّئة. فباعتقادي كان خطأ طه حسين أنّه يقرأ النصّ والتراث الأدبي بأدوات وطرق منهجيّة لا تناسبه، فمبدأ الشك الديكارتي لا يصلح للدراسة الأدبيّة؛ لأنّه منهج فلسفي عقلي بحت، وأمّا التراث فثمّة مناهج تاريخية وأدوات بحثيّة أكثر مناسبة وتقود إلى نتائج أكثر صحّة ومعقوليّة.

وثمّة كتب قرأت عنها مراجعات، وأحببت أن نتصادق فترة من الوقت، نقضيه سويًّا على طاولة القراءة، لكنّ الكتاب خيّب ظنّي كثيرًا. وآخر ما حدث معي بهذا الخصوص رواية “غيبة مَيّ” للكاتبة اللبنانيّة نجوى بركات، رغبت فعلاً في قراءتها، قرأت عن الرواية مراجعات صحفيّة كثيرة شجّعتني على البحث عنها في منصّات الكتب الإلكترونيّة، لكنّها لم تكن متاحة، فظلّت تدور في رأسي وتضغط على أعصابي كلّما نشرت نجوى بركات في صفحتها الفيسبوكيّة مقالًا عن الرواية لأحد الكتّاب أو الكاتبات، لا سيّما إن كان المقال مادحًا، مع أنّني لم أقرأ في الرواية إلّا المدح. هل كانوا ينافقون ويجاملون نجوى بتلك القراءات؟ على أيّة حال، الرواية تصل هذا العام (2025) إلى القائمة الطويلة من الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ولعلّها تجتاز إلى القصيرة، وربّما الفوز بالجائزة.

في نهاية المطاف، تصبح الرواية في حوزتي، فقد جاءتني إلكترونيّة من إحدى مجموعات التيلغرام الثقافيّة، فثار حماسي لها بشكل غريب. ثمّة افتتاحيّة صدمتني لما فيها من معنى غير مفهوم، لا تستطيع القبض عليه في واقع السرد: “مَيّ! سقط الصوت عليّ مثل غلالة شفّافة أوقفت شعر بدني وهزّت قلبي، فطنّ في أذني طبلاً أجوف قويًّا. تسمرت في مكاني وقطعت نفسي”.

سطران تقريبًا يقضيان على الرواية عندي؛ فكيف يقع الصوت مثل غلالة شفّافة، وأيّ جسد لامرأة هذا الذي يكسوه شعر ليقف؟ أعلم أنّ الجملة من التعابير الجاهزة التي تحمل دلالة مجازيّة، مع أنّ أصلها “شعر الرأس” وليس شعر البدن، ولو جاءت على أصلها لكان الأمر أكثر احتمالًا. وأي تصوير مبالغ فيه هذا الذي في قولها “فطنّ في أذني طبلاً”، كلّه من جملة النداء “مَيّ” أول تعبير يرد في تلك البداية التعيسة، عدا أنّ الطنين لا يتوافق مع الطبل. ألم تسمع نجوى “بطنين أجنحة الذباب”؟ فأين قرع الطبول المزعج المثيـر للرعب أحيانًا مع طنين الذباب المزعج والمثير للعصبيّة أحيانًا كثيرة؟

يقول الكاتب يوسف إدريس في إحدى المقابلات المتلفزة: “الكاتب يُقاس بالجملة الأولى من كتابه؛ إذا لم يستطع أن يمسك القارئ من أول جملة يبقى كاتبًا فاشلًا”، والحديث عن “مطالع الكتابة وبداياتها” طويل، وله تاريخ معتبر في الثقافة العربيّة منذ انتبه النقّاد القدماء إلى المطالع الحسنة لقصائد الشعر العربي القديم، ونصّوا عليه في تعليقاتهم وكتبهم النقديّة، بل إنّهم يذكرون قصصًا ومواقف نقديّة لشعراء تعرّضوا للضرب أو للإهانة وسوء الطالع بسبب عدم توفيقهم بمطلع مناسب لقصائدهم. وهذا لا يعني أنّ بقيّة النصّ ليس جيّدًا، إنّما الأمور هنا معلّقة بالبدايات لا بالخواتيم.

وبالفعل كانت بداية رواية “غيبة ميّ” غير موفّقة، فيها عجينة لغويّة غير مقنعة، ولا أعتقد أنّ هذا يمكن أن يدخل في باب تشويق القارئ، فلا شيء فيه يُنذر بأحداث قادمة، دافعة للتقدم بشغف نحو بقيّة الحكاية/الرواية. فركنت الرواية في ملفّ الكتب الإلكترونيّة، ولم أعد إليها ثانية حتى هذه اللحظة، ولا أدري ماذا سيستجدّ عليّ في المستقبل، وأخشى أن يصيبني مع الرواية ما أصابني مع كتب أخرى، ركنتها بعد أن خاب ظنّي فيها.

وفي موقف مشابه لـ “غيبة ميّ”، تستفزّني رواية “ثمرة النار” للكاتبة حنين الصايغ، بعد أن كتبت عن روايتها الأولى “ميثاق النساء” ثلاث مقالات. توجّهت إلى حساب “مكتبة نوميديا” في التيلغرام لتوفيرها، فاعتذروا لعدم توفّرها إلكترونيّة؛ كونها حديثة الصدور. فتواصلت مع الصديق حسن عبادي بأن يحضر لي نسخة من معرض عمّان الدولي بعد أن أعلنت الكاتبة على حسابها في الإنستغرام عن توفر الرواية في جناح دار نشر أخرى غير الجناح الذي صدرت عنه، فلم يجدها، وكانت صادرة منذ أيّام قليلة في بيروت، ومن المؤكّد أنّها لم تكن قد وصلت إلى المعرض الذي بدأت فعاليّاته قبل هذا الإعلان.

لم أستفرغ كلّ الإمكانيات بعدُ، فتذكّرت صديقي الشاعر مرزوق الحلبي، فلجأت إليه لعلّني أجد الرواية لديه، لأنّه سبق وأمدّني بنسخة إلكترونيّة من “ميثاق النساء” بعد أن قرأت مقالته عن الرواية، فزوّدني برواية “ثمرة النار” على شكل رابط مؤقّت تنتهي صلاحيته بعد شهر من تاريخ الإرسال. لم أستطع قراءتها، لأنّ هذا سيجعلني تحت ضغط الوقت، وألّا أقرأ الرواية كما يحلو لي في الوقت الذي أرغب فيه لو كانت مرسلة على شكل ملفّ (PDF)، عدا أنّ مع الرابط تحذيرًا من تسرّب الرواية وإرسالها للآخرين، ما يجعلني موضع شكّ، فعزفت عن الرواية وقراءتها، وتركتها لمصيرها حيث ستنتهي صلاحية الرابط، لتأتيني الرواية عبر الإيميل، وقد أوشكت على الانتهاء من هذه الكتابة، ولا أدري أيضًا ماذا سيكون مآلها، فآمل أن أحبّها لأقرأها، فأكمل بها مشروع كتابي الجديد “ملامح من السرد المعاصر- أصوات نسائيّة”، وهو الجزء الرابع من سلسلة كتبي النقديّة حول السرد العربيّ الحديث.

وعلى صعيد آخر، تكون قراءتي لبعض الكتب وحماسي لها مبرّرًا لامتداحها بلغة تأثريّة، تدعو الآخرين لقراءتها، كما حدث مع رواية “صلاة القلق” التي كان لي معها قصّة قراءة مختلفة، كتبتها سابقًا. ينتبه الروائي د. أحمد رفيق عوض لهذه اللغة الحماسيّة في حديثي عن الرواية، فيرسل لي رسالة عبر الواتسأب يقول فيها: “أعجبني تحمّسك الشديد وإغداقك الكبير والإشادة والمديح، معنى ذلك أنّ الرواية استثنائيّة”، ولم يخبرني أنّه سيقرأ الرواية، وكلّي أمل أن يقرأها، فهي متميّزة موضوعًا وتقنيات سرد وبنية كليّة.

هذا الحدس بروعة الرواية يصدّقه الروائي الصديق أكرم مسلّم الذي يتفاعل مع المقال، ويتشجّع لقراءة الرواية التي كانت بحوزته لكنّه لم يقرأها حتى ذلك الوقت، وعندما انتهى منها أرسل هذه الرسالة العاجلة: “رواية مرموقة وممتعة وذكيّة، انتهيت منها الآن، قرأتها على جلستين رغم ثقل المشاغل، أذكى ما فيها توقيع التقرير الطبي: “سعدون زكريّا (ابن النسّاج)”.

وفي مكالمة هاتفيّة طويلة بيني وبين الناقد الطليعي رائد الحوّاري على إثر كتابته مقالًا نقديًّا حول كتاب “الأسوار والكلمات: عن أدب باسم خندقجي، 2025″، نطنب في الحديث عن الكتب، فأعود مرة أخرى لرواية “صلاة القلق”. أظنّ أنّ الطليعي سيحبّ هذه الرواية كما أحببتها، وأحبّها أكرم مسلّم، وإن لم تعجب نجوى بركات، وسيقول عنها “مذهلة”. هذا الوصف الذي إذا سمعته من الحوّاري تجاه أيّ كتاب فاعلم أنّه يريد أن يقول الكثير والكثير عنه، فهو قارئ مثقّف وذكيّ، وحساسيته تجاه الكتب عالية، وقد صنعته الكتب ليكون ذوّاقة من الطراز الرفيع جدًا، وله فيها انتباهات نقديّة مبدعة.

من المؤكّد أنّ القصص كثيرة حول القراءة، تكثـر بكثرة الكتب المقروءة، أو الذي يزمع أحدنا أن يقرأها ويكتب عنها، وهذه القصص مرتبطة أولًا وأخيرًا بالقارئ المتمتّع المستمتع، لا القارئ الباحث الناقد الذي يقرأ الكتب وهو مجبـر عليها؛ إمّا ليقول رأيه فيها لتحكيمها، أو لضرورات البحث والنقد، وهذه الكتب وقصصها ليس لها مكان في عجقة هذا السير! مع أنّني بوصفي قارئًا أنسى أنّني أقرأ للمتعة، فيسحبني الكتاب إلى مربّع النقد، ولذلك فأنا قارئ لا أتمتّع بقراءة الكتب كما يتمتّع بها القرّاء الشغوفون البعيدون عن “مهنة النقد والكتابة”، ولهذه المعضلة وقفة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب