((((((((((اللواء الركن ناهض محمد الجيوسي: محطات تاريخية في مسيرة ثورية))))))))

((((((((((اللواء الركن ناهض محمد الجيوسي: محطات تاريخية في مسيرة ثورية))))))))
رمز من رموز النضال الفلسطيني:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
بقلم المحامي علي ابوحبله
مقدمة
في تاريخ الشعوب المناضلة، لا تُقاس قيمة الرجال بما راكموه من جاهٍ أو ثروة، بل بما تركوه من أثرٍ نقيّ في مسيرة الكفاح والكرامة. واللواء ناهض الجيوسي هو واحد من أولئك الذين جسّدوا معنى النضال الحقيقي، فكان التاريخ عنده ممارسة يومية، لا شعارًا عابرًا، وكان الانتماء للوطن فعلًا ومسؤولية قبل أن يكون قولًا.
عرفته عن قرب، أخًا وصديقًا، فخبرت معدنه الأصيل، ذلك المعدن الذي لا يصدأ أمام المغريات ولا ينحني أمام المصالح الضيقة. لم يسعَ يومًا إلى الجاه أو الثروة كما سعى إليها البعض، لا زهدًا عابرًا ولا ادّعاءً، بل لأنه كان ابن عزٍّ وجاه، مشبعًا بقيم الكرامة والالتزام، مؤمنًا بأن المناضل الحقيقي هو من يقدّم الوطن على ذاته، والمبدأ على المنصب.
كان اللواء ناهض الجيوسي مناضلًا بالفعل قبل القول، حاضرًا في الميدان كما في الموقف، ثابتًا على قناعاته، صادقًا مع شعبه، فشكّل نموذجًا يُحتذى في الوطنية والنزاهة والتضحية. ومن هنا، تأتي هذه الرواية/الصفحات لتكون شهادة وفاء لرجلٍ لم يطلب المجد لنفسه، بل جعله في خدمة فلسطين، فاستحق أن يُكتب اسمه في ذاكرة النضال، لا بحبر الكلمات وحدها، بل بصدق المسيرة ونُبل الغاية.
يجسد اللواء الركن ناهض محمد الجيوسي نموذج القائد الذي جمع بين الفكر العسكري والانتماء الوطني العميق. وُلد في بلدة قلنسوة عام 1947، ونشأ في بيئة وطنية مشبعة بالوعي السياسي، فانضم مبكرًا إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح مطلع الستينات وتحديدا انطلاق حركة فتح 65، ليصبح لاحقًا من أبرز وجوهها العسكرية والتنظيمية.
سيرة الجيوسي هي حكاية رجل عاش تفاصيل الثورة الفلسطينية منذ بداياتها، وساهم في صياغة مساراتها الفكرية والتنظيمية والعسكرية.
من التعليم إلى البندقية :
★★★★★★★★★★
في مرحلة مبكرة من حياته، تأثر الجيوسي بأحداث النكسة عام 1967 التي شكّلت منعطفًا تاريخيًا لدى جيل بأكمله. فاختار الانخراط في صفوف حركة فتح التي كانت قد أصبحت آنذاك عنوانًا للمقاومة الفلسطينية المسلحة.
منذ التحاقه بالحركة، عُرف بانضباطه ومهنيته العالية، مما أهّله لتولي مواقع ميدانية قيادية، خصوصًا في وحدات التنظيم العسكري التي شكّلت عصب العمل الثوري في الداخل والخارج.
القيادة العسكرية والتنظيمية:
★★★★★★★★★★★
ساهم اللواء الجيوسي في تطوير العمل العسكري والتنظيمي داخل الحركة، مستفيدًا من تجربة القادة المؤسسين كـ كمال عدوان وخليل الوزير (أبو جهاد) وياسر عرفات (أبو عمار).
كان من المؤمنين بفكر كمال عدوان القائل: “الخط المستقيم هو أقصر الطرق نحو الهدف”. لذا اتجه نحو التنظيم الميداني المحكم والتدريب العسكري الدقيق، وشكّل جزءًا من منظومة “القطاع الغربي” الذي أسس له كمال عدوان لتأطير العمل داخل الأراضي المحتلة.
وقد شارك في وضع خطط نضالية متعددة هدفت إلى تصعيد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز بنية التنظيم الفتحاوي .
ترشيحه لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح:
★★★★★★★★★★★★
عام 2009، تم ترشيح اللواء ناهض الجيوسي لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح خلال مؤتمرها السادس المنعقد في بيت لحم، في اعتراف رسمي من قيادة الحركة بمكانته النضالية والسياسية .
هذا الترشيح لم يكن مجرد تكريم رمزي، بل تتويج لمسيرة طويلة من الالتزام والعطاء داخل أطر الحركة.
فرسان الملحمة – توثيق الثورة بالصوت والصورة:
★★★★★★★★★★
برز اللواء الجيوسي إعلاميًا من خلال مشاركته في برنامج “فرسان الملحمة” على قناة عودة، حيث أدلى بشهادات موثقة حول تاريخ الثورة الفلسطينية، والعمليات الفدائية، والتحولات الفكرية داخل حركة فتح .
في تلك الحلقات، تحدث بإسهاب عن أهمية توثيق التجارب النضالية لتبقى حاضرة في الوعي الجمعي الفلسطيني، مؤكدًا أن “التاريخ الذي لا يُكتب من أبنائه يُسرق من أعدائه”.
المسيرة الفكرية والسياسية:
★★★★★★★★★★★
لم يكن الجيوسي قائدًا ميدانيًا فحسب، بل كان صاحب رؤية فكرية وسياسية.
شارك في إعداد العديد من الوثائق التنظيمية التي تناولت مستقبل النضال الفلسطيني وضرورة الحفاظ على الثوابت الوطنية في ظل المتغيرات السياسية.
كما دعا في أكثر من لقاء إلى إعادة تفعيل المؤسسات الوطنية على قاعدة الوحدة والشراكة بين القوى الفلسطينية .
التأثير المتبادل مع رموز الثورة:
★★★★★★★★★★★★
ارتبط اللواء الجيوسي بعلاقات وثيقة مع عدد من القادة التاريخيين الذين كان لهم أثر واضح في تكوين شخصيته الثورية:
★ كمال عدوان مؤسس القطاع الغربي ومسؤول العمل التنظيمي داخل الوطن 1973
★ خليل الوزير (أبو جهاد) المشرف العام على العمليات العسكرية 1988
★ ياسر عرفات (أبو عمار) القائد العام لحركة فتح ورئيس منظمة التحرير 2004
★ أبو علي إياد قائد قوات الثورة في منطقة عجلون – شعار “قررنا أن نموت واقفين” 1971
وقد استلهم الجيوسي من هؤلاء القادة روح التضحية والعزيمة على مواصلة الطريق رغم الصعوبات والانقسامات.
الإرث النضالي ونقل التجربة للأجيال:
★★★★★★★★★★★
يرى الجيوسي أن الذاكرة النضالية هي أحد أسلحة المقاومة، لذلك عمل على نقل تجربته وخبراته للأجيال الفلسطينية الشابة من خلال الندوات واللقاءات والحوارات الإعلامية، مؤكدًا على أهمية ترسيخ الرواية الوطنية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية.
كما شدد في أكثر من مناسبة على أن المعركة الفكرية والإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية.
رمزية الاستمرار في النضال:
★★★★★★★★★★
تمثل مسيرة اللواء ناهض الجيوسي امتدادًا حيًا لمسيرة الثورة الفلسطينية التي خاضت مراحل متعاقبة من الصمود والمواجهة.
وبين البندقية والكلمة، ظل ثابتًا على قناعته بأن “النصر لا يتحقق إلا بالوحدة الوطنية والتمسك بالثوابت”.
تختصر شخصيته مقولة القائد الشهيد أبو علي إياد:
> “قررنا أن نموت واقفين ولن نركع، والله معنا.
في مسيرته العسكرية والتنظيمية داخل حركة فتح، كان الجيوسي من المؤمنين بأن الثورة ليست فوضى غضب، بل هندسة وعي وإرادة.
تأثر بمدرسة الشهيد كمال عدوان، خاصة فكرته الخالدة:
«الخط المستقيم هو أقصر الطرق نحو الهدف».
فكان جزءًا أصيلًا من منظومة القطاع الغربي، وأسهم في بناء بنية تنظيمية صلبة للعمل داخل الأراضي المحتلة، واضعًا التنظيم والانضباط في صدارة العمل الثوري.
شارك في التخطيط، والتدريب، وإعداد الكوادر، مؤمنًا أن الثورة التي لا تُراكم الخبرة، تُهزم ولو كثرت تضحياتها.
تقدير المسيرة وترشيحه للمركزية
في مؤتمر فتح السادس – بيت لحم 2009، جاء ترشيح اللواء ناهض الجيوسي لعضوية اللجنة المركزية اعترافًا مستحقًا لا مجاملة فيه.
كان ذلك تتويجًا لمسيرة طويلة من الصدق والانضباط والثبات، ورسالة واضحة بأن الحركة لا تزال تعترف برجالها الذين خدموها بصمت، لا بمن صعدوا على أكتافها.
شاهدٌ لا يُزوّر التاريخ
في برنامج “فرسان الملحمة”، لم يكن الجيوسي متحدثًا، بل شاهد عصر.
روى الثورة كما عاشها، بلا تزييف ولا تهوين، مؤكدًا أن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية ليس فقط الاحتلال، بل تزوير الذاكرة.
وكان يؤمن بأن: التاريخ إن لم يكتبه أهله، كُتب ضدهم.، فقدّم شهادات ستبقى مرجعًا للأجيال، لا مادة أرشيفية صامتة
العقل السياسي خلف الميدان
لم يفصل اللواء الجيوسي يومًا بين السياسة والنضال. شارك في إعداد وثائق تنظيمية، وطرح رؤى واضحة حول:
حماية الثوابت الوطنية وحدة القرار الفلسطيني إعادة الاعتبار للمؤسسات الجامعة ، وكان ثابتًا في قناعته أن الانقسام أخطر من الاحتلال، وأن البندقية دون بوصلة وطنية تتحول إلى عبء.
لم تُطفئه السنوات، ولم يُنهكه المرض. ، ظلّ حاضرًا، منحازًا لفلسطين، ناقدًا حين يجب النقد، وصامتًا حين يكون الصمت مسؤولية. آمن حتى آخر لحظة أن: ؟؟؟ النصر يولد من رحم الوحدة، لا من ضجيج الانقسام.
وخاتمة القول برحيل اللواء الركن ناهض محمد الجيوسي، لا نودّع شخصًا… بل مرحلة من النقاء الثوري.
إنه واحد من أولئك الذين لم يبدّلوا مواقفهم ولم يساوموا على ذاكرتهم ولم يغادروا الميدان حتى وهم خارج الميدان
رحل الجسد، وبقي الأثر. وبقي الدرس الأوضح:
الأوطان لا يحميها الصاخبون… بل الثابتون. ويبقى اللواء الركن ناهض الجيوسي شاهدًا على مراحل النضال الفلسطيني المتعاقبة، وركنًا من أركان ذاكرة الثورة الفلسطينية.
مسيرته ليست مجرد صفحات من التاريخ، بل مرجع وطني يؤكد أن الشعوب التي تحفظ ذاكرة نضالها، تحفظ وجودها وهويتها. ويكفيه فخرا أنه كان زاهدا لا يسعى الى الثرورة والمال مات ثائرا ونظيف اليد ومهما ذكرنا من خصال لا نفيه حقه ، إنها سيرة تختزل مسيرة وطن ما زال يناضل من أجل حريته وكرامته.
رحم الله اللواء الركن ناهض محمد الجيوسي،
وجعل مسيرته جزءًا حيًا من ذاكرة فلسطين التي لا تموت.
المحامي علي ابوحبله
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبه
التوثيق والمراجع:
★★★★★★★
[^1]: كمال عدوان، القطاع الغربي وتنظيم العمل الفدائي داخل الوطن، بيروت، مركز الأبحاث الفلسطيني، 1971.
[^2]: محاضر المؤتمر السادس لحركة فتح، بيت لحم، أغسطس 2009.
[^3]: مقابلة اللواء ناهض الجيوسي، برنامج فرسان الملحمة، قناة عودة، بث عام 2018.
[^4]: وثائق اللجنة السياسية العليا لحركة فتح، رام الله، 2008.
[^5]: الجيوسي، ناهض. شهادات من ذاكرة الثورة الفلسطينية، مقابلات توثيقية، أرشيف مؤسسة الشهيد ياسر عرفات، 2019.
جميع المعلومات الواردة في هذا التقرير منقولة عن مصادر نُشرت بوصفها موثوقة، ويُنشر التقرير لغايات إعلامية ومعرفية فقط، ولا تتحمل الجهة الناشرة أي مسؤولية قانونية أو مهنية عن دقة أو اكتمال هذه المعلومات أو عن أي نتائج قد تترتب على استخدامها.



