المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد وإعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد وإعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني
دراسة تحليلية استراتيجية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في سياق استثنائي، يتسم بتحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي والدولي، وبأخطر التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية منذ عقود. فالحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، كلها عوامل تضع الحركة أمام اختبار تاريخي يتجاوز بعدها التنظيمي، ليطال جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
لم يعد المؤتمر الثامن مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل منذ عام 2016، بل أصبح ضرورة وطنية لإعادة تعريف دور “فتح” كحركة تحرر وطني، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشرعية والشراكة والتجديد.
أولاً: السياق السياسي والاستراتيجي للمؤتمر
- البيئة الإقليمية والدولية
تصاعد الصراع الإقليمي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.ومحاولات فرض ترتيبات إقليمية جديدة على حساب القضية الفلسطينية. وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية مقابل أزمات عالمية أخرى.
- البيئة الفلسطينية الداخلية
استمرار الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية. مع تصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية. في ظل تآكل شرعية النظام السياسي نتيجة غياب الانتخابات.
- التحديات الميدانية
توسع الاستيطان وضم الأراضي في مناطق (ج).واستهداف المخيمات والبنية الاجتماعية الفلسطينية. يضاف اليها تضييق الخناق على وكالة الأونروا وملف اللاجئين.
ثانيًا: أهمية المؤتمر الثامن – أبعاد متعددة
- البعد التنظيمي حيث يمثل المؤتمر السلطة العليا في الحركة، وهو الإطار الذي يتم من خلاله: انتخاب القيادة.
مراجعة النظام الداخلي. وتقييم الأداء التنظيمي.
- البعد السياسي وتتطلب إعادة صياغة البرنامج السياسي للحركة. وضرورة تحديد العلاقة مع الاحتلال ومع المجتمع الدولي. وهو ما يتطلب رسم استراتيجية المرحلة المقبلة.
- البعد الوطني
التأثير على مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني. وضرورة العمل من أجل استعادة ثقة الشارع الفلسطيني.
ثالثًا: التحديات التي تواجه انعقاد المؤتمر
- التحديات الأمنية واللوجستية في ظل صعوبة جمع أعضاء المؤتمر في ظل الحرب.وتعذر مشاركة غزة والشتات بشكل كامل. وفي ظل غياب بيئة آمنة لعقد مؤتمر جامع.
- التحديات التنظيمية وتتمثل في الخلاف حول معايير العضوية. في ظل غياب الشفافية في اختيار المشاركين. والتخوف من إعادة إنتاج القيادة الحالية.
- التحديات السياسية ؟؟ وتتمثل في الضغوط الإقليمية والدولية.، و تداخل العلاقة بين الحركة والسلطة. في ظل غياب رؤية سياسية موحدة داخل الحركة.
رابعًا: إشكالية العلاقة بين فتح والسلطة وهذه هي احدى أبرز التحديات البنيوية يتمثل في تداخل حركة “فتح” مع السلطة الوطنية الفلسطينية، مما أدى إلى:– تآكل الطابع الثوري للحركة. ، تقييد القرار التنظيمي بضغوط السلطة.،إضعاف استقلالية الحركة السياسية.
ما هو المطلوب استراتيجيًا:– ؟؟؟ إعادة الفصل الوظيفي بين الحركة والسلطة. وتعزيز استقلالية القرار التنظيمي.إعادة الاعتبار لفتح كحركة تحرر وطني.
خامسًا: متطلبات التغيير والإصلاح الاستراتيجي
- الإصلاح التنظيمي وتتطلب اعتماد معايير شفافة لعضوية المؤتمر. وتفعيل الانتخابات الداخلية. وإنهاء سياسة الإقصاء والتفرد.
- تجديد القيادة مع ما يستتبع إدماج الشباب والمرأة في مواقع القرار. وتحقيق توازن بين الخبرة والتجديد.وإنهاء احتكار المواقع التنظيمية.
- الإصلاح السياسي وهو ما يتطلب من المؤتمرين صياغة برنامج وطني شامل.، وتطوير أدوات النضال السياسي والدبلوماسي.وإعادة تعريف العلاقة مع المجتمع الدولي.
- الإصلاح المؤسسي
إعادة بناء الأطر التنظيمية (الأقاليم، النقابات، الشبيبة). وتفعيل دور القواعد التنظيمية. مع ما يستتبع تعزيز المساءلة والشفافية.
سادسًا: المؤتمر بين خيارين استراتيجيين
الخيار الأول: مؤتمر إصلاحي تجديدي وإنتاج قيادة جديدة.، إعادة بناء الحركة واستعادة ثقة الشارع.وتعزيز الوحدة الوطنية.
الخيار الثاني: مؤتمر شكلي على غرار المؤتمر السابق وإعادة إنتاج الأزمة. وتعميق الانقسام الداخلي. وفقدان ما تبقى من الشرعية الشعبية. وبالتالي إضعاف المشروع الوطني.
سابعًا: السيناريوهات المحتملة
- انعقاد المؤتمر في موعده ويعكس جدية القرار السياسي.، لكنه قد يواجه تحديات تمثيلية.
- تأجيل المؤتمر ويمنح فرصة لتحسين الظروف. لكنه قد يُفسر كعجز تنظيمي.
- عقد مؤتمر متعدد الساحات وهو حل بديل لضمان التمثيل.، لكنه يحتاج إلى ترتيبات معقدة.
ثامنًا: توصيات استراتيجية
ضمان نزاهة المؤتمر ،وضع معايير واضحة وشفافة للعضوية. إشراف رقابي داخلي مستقل. وتعزيز الشراكة التنظيمية
مع إشراك القواعد في التحضير.
فتح حوار داخلي شامل.
إعادة بناء الثقة ، معالجة ملفات الشهداء والأسرى بآليات واضحة.، تعزيز الشفافية والمساءلة.والفصل بين الحركة والسلطة وضرورة حماية القرار التنظيمي من الضغوط السياسية. وإعادة الاعتبار للدور الثوري للحركة. وهو ما يتطلب إطلاق رؤية وطنية جديدة وصياغة استراتيجية شاملة للمواجهة. وربط العمل السياسي بالميداني. والتحضير لانتخابات عامة تشمل تجديد الشرعيات الفلسطينية.وإعادة تفعيل النظام السياسي.
وخلاصة التحليل ؟؟ إن المؤتمر الثامن لحركة “فتح” ليس مجرد محطة تنظيمية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الحركة على إعادة إنتاج ذاتها في ظل أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.
فإما أن يكون هذا المؤتمر نقطة انطلاق نحو تجديد المشروع الوطني، واستعادة الوحدة، وبناء قيادة قادرة على مواجهة التحديات، أو أن يتحول إلى فرصة ضائعة تُعمّق الأزمة وتُسرّع من تآكل الدور التاريخي للحركة.
إن الرهان اليوم ليس على عقد المؤتمر بحد ذاته، بل على مضمونه، وآلياته، ومخرجاته. فالتاريخ لا يُعيد نفسه، والفرص الكبرى لا تتكرر كثيرًا.؟؟؟؟
ولا شك أن فتح اليوم أمام لحظة الحقيقة: إما الإصلاح… أو اتساع الفجوة.



