«المسألة الصحافية» العربية: تنبيه مينو وجريدة الشدياق!

«المسألة الصحافية» العربية: تنبيه مينو وجريدة الشدياق!
حسام الدين محمد
عندما عرف العرب الصحافة في مطلع القرن التاسع عشر لأول مرة، أطلقوا عليها لفظ «الوقائع»، أما خليل الخوري، الذي أنشأ سنة 1858 «حديقة الأخبار»، أول صحيفة عربية بالمفهوم الحديث، فأطلق على مطبوعته اللفظ الفرنسي «جورنال». تنافس بعدها شخصان على نحت اللفظ العربي لـ»الواقعة» الجديدة: رشيد الدحداح، الذي سمّاها صحيفة، وأحمد فارس الشدياق، الذي استعمل لفظة جريدة.
من الطريف أن «ويكيبيديا» تعرّف الدحداح بأنه «صحافي بارز من عهد النهضة العربية»، فتستخدم اللفظة التي اختارها، لكن الموسوعة الرقمية تعود فتشير إلى أن الدحداح «أسس جريدة برجيس باريس»، مختارة مصطلح خصمه الشدياق، ثم عندما تقوم بتوصيف الشدياق تقول إنه «صحافي لبناني كان يصدر صحيفة الجوائب»، وليس جريدة الجوائب، كما أراد للمصطلح أن يكون!
لن يفرق العرب، مع ذلك، بين الصحيفة/ الجريدة والمجلة إلى أن يصدر إبراهيم اليازجي مطبوعة «الطبيب» واصفا إياها بالمجلة، «وهو يقصد بها الصحيفة العلمية أو الأدبية أو الانتقادية وما شاكلها»، ويقول أديب مروة في كتابه «الصحافة العربية: نشوؤها وتطورها» إن اليازجي اختار لها الاسم اشتقاقا من مادة جلّ، جلالا، وجلالة، أي عظم وكبر وعلا مقاما، ثم يقدّم تفسيرا آخر هو أنها من مادة جلا جلاء أي ظهر ووضح، ومنها جلية الأمر أي الخبر اليقين، فالمجلة تستجلي حقائق العالم.
لم تكن كلمة صحيفة قد أسست بعد لمفهوم الصحافة حتى جاء نجيب الحداد (حفيد ناصيف اليازجي)، منشئ «لسان العرب» في الإسكندرية عام 1894، الذي استعمل الكلمة بمعنى صناعة الصحف والكتابة فيها، ومنها نشأت كلمة صحافي.
«كين بان»: أخبار العائلة المالكة
تكتنز هذه المصطلحات بأكثر من دلالاتها اللغوية. يجعل اللفظ الأول الوسيلة الإعلامية ساردة وقائع فحسب، من دون تحميلها دلالات لغوية وتاريخية، فيما يثبت لفظ «جورنال»، باعتماد أصله اللغوي على منشئه الغربيّ وربما على شروط إنشائه وجريانه، ويعود لفظ الصحيفة، بالمعنى العربي، إلى المادة التي يكتب فيها، وبالمعنى الديني، إلى الكتب المنزلة، وإلى الكتاب بمعنى الرسالة على وجه العموم، والمصحف هو الكتاب الذي جمعت فيه الصحف، أي الرسائل والأوراق (والحق أن هذه ألفاظ تبدو بسيطة لكنها ليست كذلك).
صدرت أقدم جريدة في العالم، «كين بان» الصينية، في عام 911 قبل الميلاد، وكانت الصحيفة الرسمية لحكومة الصين، في أمر يشير إلى ثقل الدولة المركزية القديمة، وكون الملك وحكومته هما مركز الأخبار والإبلاغ، وأن مهمة الصحيفة تسجيل وقائع العائلة المالكة، ومعاركها، وقوانين الدولة، وتبليغاتها.
يناظر هذا ما أصدره يوليوس قيصر في عام 58 قبل الميلاد بإصدار «السجل اليومي للأخبار»، التي كانت تنشر جلسات مجلس الشيوخ، ثم أصبحت تنوّع أخبارها لتشمل الأخبار القضائية والحروب، وكان لديها مراسلون يوافونها بالأخبار، وهو ما استمر لاحقا في عصور أوروبا الوسطى في «رسائل الأخبار» التي كانت فيينا مركزا لها، والتي كانت «جريدة بورجوازيي باريس» عام 1449 التي كانت تنشر الفضائح والقصص المثيرة آخر أشكالها، قبل أن يقدّم اكتشاف غوتنبرغ الألماني للمطبعة عام 1436، البنية التحتية التقنية التي أدت، مع تحسّن خدمات المواصلات والبريد، ونشوء الطبقة الوسطى، إلى تأسيس للصحافة بمعناها الحديث الذي نشأ في أوروبا. نشأت الجرائد، بالمعنى الحديث المتعارف عليه، في وقت متقارب في كل من إنكلترا وفرنسا وهولندا في بداية القرن السادس عشر، وفي حين تخصصت «لاغازيت»، الجريدة الفرنسية الأولى الصادرة عام 1631، في خدمة بلاط الملك لويس الرابع عشر، فإن صحافيي إنكلترا وجدوا أنفسهم في المقلب الآخر، فقد واجههم ملوك آل ستيوارت بحرب عنيفة استخدموا فيها أشد وسائل العنف ضدهم.
بروباغندا شيوعية واحتكار رأسمالي
كشفت الحربان العالميتان ديناميّة قاسية للعلاقات بين الحكومات والصحافة، فقد فرضت الرقابة على الصحف في جميع البلدان وتحوّلت إلى وسائل للبروباغندا الحربية ونشر البلاغات الرسمية، وتركت الحربان العالميتان تداعيات كبرى على الصحافة، فشهد العالم شكلين من أشكال التطرّف، الرأسمالي عبر ظهور احتكارات فردية كبرى لمؤسسات الإعلام (يعبّر فيلم «المواطن كين» الشهير لأورسن ويلز عن هذه الحقبة ببراعة)، والأيديولوجيات الطغيانية، في البلدان التي حكمتها أنظمة ديكتاتورية، مثل الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، والتي حوّلت الصحف إلى أبواق للأحزاب الحاكمة.
اختلف مؤرخا الصحافة العربية أديب مروة («الصحافة العربية: نشأتها وتطورها»)، وفيليب دي طرزي («تاريخ الصحافة العربية») حول إن كانت المطبوعة التي أصدرها نابليون بونابرت 1799 لنشر مراسيمه بين السكان هي الصحيفة الأولى باللغة العربية في مصر، كما تساجل المؤرخون لاحقا أيضا على كون الصحيفة الأولى باللغة العربية، كانت «التنبيه» المُختلف على أن الجنرال مينو، أحد قادة حملة نابليون عام 1799، أطلقها وتوقفت مع انسحابهم عام 1801. والحال إن قرار إصدار «التنبيه»، بغض النظر عن وجود دليل مادي على كونها صدرت فعلا، والانتقال من لفظ «جورنال» إلى صحيفة وجريدة، ثم نحت مفهوم الصحافة نفسه، تجعل من الصحافة العربية محمولا رمزيا للمسائل المعقّدة الأخرى التي يحفل بها العالم العربي. حملت هذه الألفاظ دلالات سياسية رافقت نشوء الصحافة العربية الحديثة وعبّرت عن اجتهادات النخب المنخرطة في الصراعات على المنطقة، وكانت مثالا على القضايا اللاحقة التي تطاردنا، من قبيل ربط نخب ثقافية لـ»النهضة العربية» بالحملة العسكرية الفرنسية، التي قدّمت النماذج الأولى لتفاعل عناصر الدولة القومية الحديثة مع المنطقة العربية، وشكّلت، بناء على هذا الرأي، تحديا حضاريا هائلا حفّز أجيالا من النخب العربية على ابتكار ردود على هذا التحدي أسهمت في نشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية العربية اللاحقة.
الهروب إلى الاحتلال الإنكليزي
تجد هذه الفرضية تطبيقا معقدا لها في واقعة هجرة المثقفين «الشوام» إلى مصر، حيث خلق الاحتلال البريطاني، بشكل متناقض، قيودا استعمارية وبيئة صحافية نشيطة نسبيا. ساعدت تلك الهجرة في إنشاء المؤسسات الصحافية المصرية العربية الكبرى: «الأهرام»، التي أسسها الأخوان تقلا عام 1875، و»الهلال» التي أسسها جرجي زيدان عام 1892. قدّمت المطبوعتان نموذجين للصحافة، عبر وظيفتي الإخبار، والاهتمام بالثقافة والأدب، فيما ينبئ نشوء «المنار» عام 1898، عن توجّه آخر يحاول الإجابة على سؤال النهضة عبر الإصلاح الإسلامي، بحيث تتطور فكرة تبنّي النموذج الغربيّ، سواء عبر لفظة «جورنال»، أو تبيئة الإرث الصحافي الغربي في الإعلام العربيّ، كما فعلت «الأهرام»، إلى التركيز على إحياء التاريخ والثقافة والأدب العربي، كما فعلت «الهلال»، وصولا إلى الإصلاح الإسلامي، كما فعلت «المنار».
حملت هذه المؤسسات الأولى محمولات الهوية والدين والإصلاح والقومية ومناهضة الاستعمار، كما تعرّضت مبكرا لضغوط العلاقة بالدولة والرقابة الحكومية والصعوبات الاقتصادية والضغوط السياسية. امتنعت فكرة «السلطة الرابعة» التي تراقب الدولة لكنها قدمت النماذج الممكنة لبرلمان بديل، ومؤسسة ثقافية، وأحزابا وطنية وقومية، ومنصة للإصلاح الديني. بحملها لعناصر التناقض هذه، ومع التطوّرات التي ضربت المنطقة بعد الاستقلالات الوطنية الهشة، مع نشوء إسرائيل، وتكاثر الانقلابات العسكرية، والصراع بين التيارين «الثوري» و»المحافظ»، سنشهد تبلور التناقضات في الصحافة وانفجارها بأشكال غير مسبوقة.
كاتب من أسرة «القدس العربي»



