
المسؤول وشجاعته في مواجهة الواقع
الدكتور غالب الفريجات
سلوك البعض من المسؤولين السياسيين في التعامل مع الاحداث يؤشر على عدم المصداقية التي يتعامل فيها هؤلاء مع الواقع ومجريات الاحدات التي تبرز على الساحة السياسية ، والتي باتت مكشوفة ومعروفة لابسط مواطن على امتداد ساحة الوطن ، فلم تعد الاحداث تجري في الغرف المظلمة ، بل بات كل شيء مكشوف ولا يحتاج لحصافة سياسي متحذلق ، ولا لفصيح في تفكيك العقد السياسية الدولية ، فالعالم بات مكشوفا بفعل التقدم التكنلوجي ، وبات الكل يعرف ان التطورات التكنولوجية قد حولت العالم الى قرية صغيرة كل ما يجري فيها بات مكشوفا ، وفي مرمى رؤية كل مواطن .
الساسة في بلادنا يعيشون في قلوب ميتة فهم يعيشون على الريموت كنترول لا حول لهم ، ولا قوة بفعل اراداتهم التي قبلت ان تستوطن الموقع السياسي الرسمي ، كجثث ميتة دون حراك عقلي ، ولا احساس وشعور سياسي بما يجري حوله ، فالسياسي الرسمي عبارة عن كتلة بشرية قد رضي لنفسه ان يعطي لعقله اجازة مادام يمارس دوره على الكرسي الوظيفي ، فهو منفذ تعليمات بدلا من ان يكون صانع سياسة يملك من الادوات العقلية والعلمية والفكرية ما يثري موقعه السياسي الرسمي ، وظني انه قد باع نقسه لهذا الموقع الذي يعيش فيه دفعه بالسماح للجهات التي جاءت به لهذا الموقع ،مما يعني القيام بتأميم هذا العقل .
هذا النمط من السياسيين الذين يديرون العملية السياسية باتوا وبالا على الوطن ، وهم عالة على الوطن والمواطنين ، فهم كدودة الارض تنهش من جسد الوطن ، وتنهب من ثرواته ، وتعيث فسادا بممارساتهم اللاوطنية ، فوجودهم بات اكثر خطوره بسبب الجبن الذي يمارسونه ، والرعب الذي يتسمون به ، والفقر السياسي والانتهازية السياسية التي تجعل من الواحد فيهم تأجير عقله في سبيل مصالحه ، وعدم الاهتمام لما يتطلبه الوطن ، وما يتوخى منه المواطن ، الذي يرى في موقعه السياسي بوابة تغيير باتجاه تحقيق ما يحتاجه الوطن والمواطنين ، فمن غير هؤلاء السياسيين الرسميين من يحمل على عاتقه اصلاح البلاد ، والاخذ بيد العباد نحو الاصلاح ، وتحقيق آمال وحقوق واهداف ما يصبو اليه المواطن الذي تتكالب على رأسه كل الازمات التي يعاني منها .
السياسيون في العالم الثالث ، ونحن من هذا العالم يمتازون بفقدان الشجاعة السياسية بسبب عوامل عديدية منها عدم توفر الحرية ، والكقاءة ، وغياب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب التي تؤدي الى تردي الاداء السياسي لمن يكلفوا بالمواقع السياسية في الصف الاول من اصحاب القرار في الدولة ، وهم ممن يشكلون رجالات الصف الاول في السلطات الثلاث من وزراء وسلطة تشريعية وسلطة قضائية الى جانب رجال الاعلام والصحافة ، هؤلاء يمارسون ادوارهم الوظيفية بوجهين بمن يعلم ولا يعلم ، فالواحد فيهم يعلم الواقع الذي يعيش فيه ، وبشكل خاص محيطه الوظيفي ، ولكنه لا يعلم عندما يحتاجه المجتمع والوطن فيما يطلب منه ، او يوضع في موقع المواجهة ، مما يؤكد غياب شخصية هذا المسؤول ودافعه الحرص على مصالحه الشخصية ، والتي تتناقض مع المصلحة العامة ، وحتى مع المصلحة الوطنية .
إن اي نظام سياسي لا يختار للعمل السياسي القيادي الذي يتمتع بشخصية ذات كفاءة عالية ، وثقافة محيطه بالمواقع الذي يتبوأه ، وهو ما يدفعه أن يكون رهينة لمن جاء به لهذا الموقع ، فهو عالة على الوطن وعلى الموقع الذي يمارس العمل فيه ، فهو اداة تنفيذية والمنفذون في الدولة لا يصنعوا انجازا ، هذه باتت سمة لكل صناع القرار في الوطن ، وهذه تؤكد اننا فشلنا في ادارة الدولة بكل شجاعة ، وكل شفافية .
في الدولة التي يتسم جهازها الاداري ، وبشكل خاص الصف الاول من السلطات الثلاث ليسوا من صناع القرار ، ممن لا يملك الجرأة في تطوير عمله ، وتحقيق منجزات مشهودة في ميدانه ، فان هذه الدولة تدور حول نفسها ، فلا خير في مسؤول لا يترك بصماته في الموقع الذي شغله .
من هنا جاءت مشاهداتنا في ان المسؤول يحجم عن تبيان حقيقة الواقع ، على سبيل المثال ما دار في مجلس النواب استنكار الكثيرين من نواب الوطن على احد الاعضاء فيما يتعلق بوجود القواعد الاجنبية ، على الرغم ان وجود هذه اقواعد باتت معروفة لقطاع واسع من المواطنين لا بل ان المواطن يعرف موقع كل قاعدة وعلى اي بقعة جغرافية ، ومن الدولة صاحبة هذه القاعدة ، فلم تكن معلومة سرية ، اما كان من الاجدر لاجهزتنا ان لا تفرض سرية معلومة مكشوفة ، وان الواجب تفسير المبرر الذي دفع الدولة الموافقة على وجود هذه القاعدة او تلك .
نحن في امس الواقع والحاجة لان يكون المسؤول لدينا ان يكون من صناع القرار لا من الجهاز الاداري ، الذي لا يجيد إلا دور نعم سيدي ، وهم كثر في جهازنا الاداري، الذي بات يعاني من التكلس ، وخطورة هذا الوضع على اعتبار ان الجهاز الاداري يعتبر بمثابة العمود الفقري للدولة، فهل نحن قادرون على احداث ذلك من خلال التخلي عن اسلوب ادارة الدولة سواء في تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب ، وان الكفاءة هي المعيار الأساسي ، ومن جهة اخرى عدم التدخل في مخرجات العمليات الانتخابية بكل مستوياتها بديلا عن الاحتكام لخيارات المقترعين ، فاسلوب التدخل في مخرجات هذه الانتخابات بما يتعارض مع خيارات المقترعين بالتأكيد تخرج موظفين تابعين لا رجال صاحبة قرار متكئين على ثقة ناخبيهم .
واخيرا لن يكون هناك اي تقدم في اي دولة ، دون ان يكون للحرية دورها في ابداء الرأي من جهة ، وللشجاعة في الموقف في صناعة التغيير واعطاء السهم الى باريها من جهة اخرى ، اي اعط صاحب الكفاءة دوره بدلا من محاربته والخوف من هذه الجرأة والشجاعة .



