مقالات

المشاورات الحكومية بالمغرب: عندما تتقدم لغة الأرقام على التقاربات الإيديولوجية..

المشاورات الحكومية بالمغرب: عندما تتقدم لغة الأرقام على
التقاربات الإيديولوجية..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

الرباط – 2 أكتوبر 2026
لم تعد مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة مجرد بحث
عن توافقات سياسية بين الأحزاب، بل تحولت إلى عملية دقيقة

لإعادة تركيب خريطة الأغلبية تحت سقف برلماني تحكمه الأرقام
قبل أي شيء آخر.
فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية
بـ97 مقعداً من أصل 395، وجدت رئيسة الحكومة المكلفة
فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام معادلة واضحة: لا يكفي
أن يكون الحزب الأول في الانتخابات، بل عليه أن يجمع إلى
جانبه ما لا يقل عن 101 مقعد إضافي للوصول إلى عتبة
الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.
ومن هنا تبدو المشاورات الجارية في الرباط أقرب إلى هندسة
برلمانية دقيقة منها إلى بحث تقليدي عن تحالفات تقوم أساساً
على التقارب الإيديولوجي.
الأرقام تفرض نفسها.
قد يبدو منطقياً، في الأنظمة الحزبية، أن تتشكل الحكومات على
أساس التقارب في المرجعيات والبرامج والرؤى السياسية، لكن
التجربة المغربية أظهرت مراراً أن التحالفات الحكومية لا تُبنى
دائماً على هذا الأساس.
وفي المشاورات الحالية، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً: من يملك
المقاعد القادرة على تأمين الأغلبية؟
فالجمع بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار
والاستقلال يوفر، حسابياً، 228 مقعداً، أي أغلبية مريحة بفارق
30 مقعداً عن العتبة المطلوبة. لكن الحساب السياسي لا يتوقف
عند الآلة الحاسبة، إذ إن العلاقة بين مكونات هذا الثلاثي

المحتمل، والسياق الذي أفرز نتائج الانتخابات الأخيرة، يجعلان
مسألة إعادة إنتاج التحالف السابق أمراً سياسياً يحتاج إلى
حسابات أخرى.
وفي المقابل، فإن استبعاد أي حزب كبير من المعادلة لا يعني
بالضرورة سقوط خيار تشكيل الحكومة، ما دام بالإمكان تعويض
مقاعده بأحزاب أخرى.
وهنا تحديداً تتقدم البراغماتية العددية على التقارب الإيديولوجي.
منطق "من يكمّل الـ198؟"..
إذا انطلقت المنصوري من تحالف الأصالة والمعاصرة
والاستقلال، فإن مجموع الحزبين يصل إلى 162 مقعداً، ما يعني
الحاجة إلى 36 مقعداً إضافياً فقط لبلوغ الأغلبية.
ومن هذه النقطة تبدأ لعبة الأرقام.
فالحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعداً، لا تكفي وحدها
لبلوغ الأغلبية، لكنها تقرّب التحالف منها بشكل كبير. أما الاتحاد
الدستوري، بـ17 مقعداً، أو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،
بـ26 مقعداً، أو التقدم والاشتراكية، بـ19 مقعداً، فيمكن أن يشكل
كل منها جزءاً من تركيبة قادرة على تجاوز عتبة الأغلبية،
بحسب الصيغة التي ستستقر عليها المفاوضات.
وهكذا يتحول السؤال من: من الأقرب إلينا إيديولوجياً؟ إلى سؤال
أكثر واقعية بالنسبة إلى هندسة الأغلبية: من يستطيع أن يمنحنا
العدد الكافي من المقاعد؟

وهذه ليست مجرد مناورة ظرفية، وإنما تعكس طبيعة النظام
الحزبي المغربي الذي يجعل تشكيل الحكومات رهيناً بتجميع
أغلبية برلمانية متعددة المكونات.
العدالة والتنمية واليسار خارج الحساب الحكومي..
في المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار موقع
المعارضة، وهو ما يضيّق، سياسياً، دائرة الخيارات أمام
الحكومة المقبلة، لكنه لا يغلقها عددياً.
فالعدالة والتنمية حصل على 54 مقعداً، بينما يتوفر تحالف
اليسار على 8 مقاعد، بما يجعل المعارضة الجديدة مختلفة في
تركيبتها ووزنها عن المعارضة التي عرفها البرلمان السابق.
لكن وجود هذه المكونات في المعارضة لا يعني بالضرورة أن
المشهد السياسي أصبح منقسماً وفق خطوط إيديولوجية واضحة
بين حكومة ومعارضة؛ إذ إن الخريطة البرلمانية الجديدة نفسها
تفتح الباب أمام تحالفات تجمع أحزاباً ذات مرجعيات وتجارب
سياسية مختلفة.
وهنا تكمن المفارقة: الأحزاب قد تختلف في الخطاب
والمرجعيات، لكنها تلتقي عندما يتعلق الأمر بحساب الأغلبية
الحكومية.
حكومة واسعة أم أغلبية مريحة؟..
المسألة لا تتعلق فقط بتجاوز عتبة الـ198 مقعداً.

فالحكومة التي تحصل على 198 مقعداً تختلف سياسياً عن
حكومة تتوفر على 220 أو 230 مقعداً. وكلما اتسعت الأغلبية،
ارتفع هامش الأمان البرلماني، لكن اتسعت في المقابل دائرة
المطالب والتوازنات داخل الائتلاف.
وهنا تواجه المنصوري معادلة دقيقة: هل الأفضل حكومة بعدد
محدود من الأحزاب وأغلبية عددية مريحة، أم حكومة أوسع
تضم مكونات أكثر وتمنحها هامشاً برلمانياً أكبر؟
فالأغلبية الواسعة قد توفر للحكومة حماية أكبر في مواجهة
اختبارات التشريع والرقابة، لكنها قد تجعل عملية التنسيق بين
مكوناتها أكثر تعقيداً. أما الأغلبية الضيقة، فقد تكون أكثر
انسجاماً من حيث عدد الشركاء، لكنها تبقى أكثر عرضة للاهتزاز
أمام أي خلاف سياسي أو تصويت حاسم.
لذلك فإن المشاورات الحالية لا تبحث فقط عن 198 صوتاً، وإنما
عن صيغة تستطيع الحكومة من خلالها أن تعمل وتستمر.
عندما تصبح المقاعد لغة التحالف..
ما تكشفه مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة هو أن السياسة
المغربية لا تزال تتحرك في مساحة واسعة بين المبادئ
والبراغماتية.
فالحديث عن التقارب الإيديولوجي والبرامج الانتخابية يظل
حاضراً في الخطاب السياسي، لكن لحظة تشكيل الحكومة تفرض
سؤالاً أكثر صرامة: كم مقعداً يملك كل حزب؟ وكم يحتاج رئيس

الحكومة المكلف للوصول إلى الأغلبية؟ ومن يستطيع أن يمنح
هذه الأغلبية هامشاً إضافياً من الأمان؟
وبذلك، فإن المشهد الحالي يقدم صورة واضحة عن واقع
التحالفات السياسية في المغرب: الأيديولوجيا قد ترسم الحدود،
لكن الأرقام هي التي تحدد في كثير من الأحيان شكل الحكومة.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي أمام فاطمة الزهراء
المنصوري: ليس فقط أن تنجح في جمع 198 مقعداً، وإنما أن
تبني أغلبية قادرة على تحويل ذلك الرقم من مجرد أغلبية
حسابية إلى أغلبية سياسية متماسكة، تستطيع تحمل كلفة
المرحلة المقبلة والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية
التي كانت حاضرة بقوة في خلفية الانتخابات الأخيرة.
فالحكومة لا تُبنى بالآلة الحاسبة وحدها، وإن كانت الآلة الحاسبة
هي التي تفتح بابها.

علي او عمو
كاتب من المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب