تحقيقات وتقارير

المشهد السياسي والعسكري اليمني: المتغيرات والتحولات والآفاق

المشهد السياسي والعسكري اليمني: المتغيرات والتحولات والآفاق

أحمد الأغبري

صنعاء ـ:

مر اليمن خلال العشر السنوات الأخيرة بمنعطفات وتحولات هامة، بدءًا من سيطرة حركة «أنصار الله» (الحوثيون) على صنعاء ومعظم محافظات شمال ووسط وغرب البلاد؛ ودخول البلاد في حرب من جانب، وحرب عليها من جانب آخر.
كان لعمليات التحالف العربي تأثيرها في تدمير كثير من مقدرات البُنى التحتية في شمال البلاد، قبل أن تتوقف الحرب الشاملة عام 2022، ودخول اليمن في هدنة لمدة ستة شهور، انتهت في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، ومنذئذ استمرت الهدنة بشكل غير رسمي تحت ضغوط الوسطاء، وبقت اليمن في مرحلة اللاسلم واللاحرب، مع استمرار المفاوضات وصولًا إلى إعلان الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2023 توافق الأطراف اليمنية على خريطة طريق، بعد فترة قصيرة من دخول اليمن في حملة إسنادية لقطاع غزة، تحول معها المشهد كثيرًا في سياق إجبار الحوثيين على إيقاف حملتهم الإسنادية لغزة.
سياسيًا؛ بقي اليمن منقسمًا بين سلطتين؛ الأولى مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، وتمثل نحو 70 في المئة من جغرافيا اليمن، وفيها عدد من سلطات الحرب تتقاسم ذلك النفوذ تحت راية الحكومة المعترف بها، بينما يسيطر «أنصار الله» (الحوثيون) على أكثر مناطق اليمن اكتظاظًا بالسكان، ويمكن القول إن 70 في المئة من سكان اليمن يقطنون في مناطق سيطرة الحوثيين.
تعرض البلد لعدوان أمريكي بريطاني استمر لعام ونيف، واستأنفت واشنطن مؤخرًا جولة جديدة تقول إنها تستهدف من خلالها قدرات الحوثيين؛ فيما استأنفت صنعاء حملتها الإسنادية لغزة بعد توقف دعمًا لاتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس. وكانت منشآت مدنية في مناطق سيطرة الحوثيين قد تعرضت لخمس موجات من الغارات الإسرائيلية خلال النصف الثاني من العام الفائت.

الصراع الداخلي والخارجي

يبدو المشهد السياسي اليمني بعد عشر سنوات من الحرب قاتمًا؛ إذ يعيش تمزقًا وتشظيًا، انطلاقا من ارتهان الصراع الداخلي للصراع الإقليمي والدولي.
يقول نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، المفكر عبدالباري طاهر، إن «المشهد البائس والقاتم في اليمن يعود بالأساس إلى حرب 1994، فقد كانت البداية لكل الكوارث التي يعيشها اليمن اليوم. شهدت البلاد حروباً وصراعات قبل حرب 1994، وقبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، ولكن كل تلك الصراعات والحروب كانت محصورة ومحدودة وسرعان ما حلت حرب 1994، ودمرت الكيان اليمني، ورهنت الصراع الداخلي للصراع الإقليمي والدولي، وأسست للتفكك».

مؤتمر الحوار الوطني

شهد البلد مؤتمرًا وطنيًا للحوار خلال عامي 2013- 2014، وكان المراقبون يعلقون الآمال عليه لخروج البلاد من أزمته، لكن ما حصل كان غير ذلك تماما.
يقول طاهر لـ«القدس العربي»: «كان لمؤتمر الحوار الوطني الشامل بُعدين: بُعد تريده القوى الشابة التي قادت الربيع في اليمن، وكان اليمن يريد الخروج بالحوار إلى بناء كياني ديمقراطي موحد يتشارك في بنائه الجميع. ولا تكون الحرب والتفرد والغلبة أو الأكثرية هي كل شيء. البعد الثاني: أرادت القوى الخليجية والقوى المتصارعة هندسة مبادرة التعاون الخليجي والقوى الدولية ومحاسبيها في الحكم والأحزاب الكبيرة لإعادة إنتاج النظام القديم، ومصالحته، ومنحه الحصانة، والقضاء على الربيع العربي».
لكن يبقى السؤال قائمًا: ما العوامل والأسباب التي تقف وراء ذهاب المشهد إلى هذا التعقيد؟
يقول عبدالباري طاهر: «كان الحوار يدور في فندق موفنمبيك والحرب في الحصبة (الحصبة حي في العاصمة صنعاء شهد فصلًا من فصول الحرب) من حول الفندق تدور بين حزبي المؤتمر والإصلاح. ويمتد الصراع إلى العديد من المناطق، وبعض وحدات الجيش. كان رهان الأطراف المتصارعة على الحكم: المؤتمر والإصلاح هو الحسم العسكري، وكان الحوار تكتيكيًا ومساحة تهدئة للوصول إلى اتفاق، وهو ما كانت تعمل عليه دول الخليج بدعم أمريكي وأوروبي، فالحوار الوطني الشامل استخدم تكتيكا لإرضاء القوى الوطنية الشعبية، ولإنضاج الطبخة المسمومة؛ طبخة التقاسم والتصالح، ومنح الحصانة لقوى الطغيان والحروب والفساد».

المبادرة الخليجية

ويعتقد طاهر أن بدايات الأزمة كانت بعيدة، «وتعود إلى تركيبة المجتمع اليمني؛ فالمجتمع القبلي قوي ومؤثر ومتماسك. المجتمع المدني والطبقة الوسطى ضعيفة، وحديثة، ومنقسمة أيضاً. وتجربتها في الحكم محدودة. القوى التقليدية والمجتمع الأهلي مسنود بالمحيط، وللسعودية نفوذ كبير فيه، وهو مدجج بالأمية والسلاح. ويمتلك تجارب وخبرة في الصراع، وذكاء مدهش في المساومات ولعب السياسة، والمهم جرى توظيف الحوار لإعادة إنتاج النظام، ولم تكن أمريكا وأوروبا غائبة».
دخل البلد في مرحلة انتقالية عقب التوافق على المبادرة الخليجية لانتقال السلطة؛ وهناك مَن يحمل شركاء تلك المرحلة مسؤولية ما آل إليه الوضع في البلاد.
لكن طاهر يرى أن «الذي أسهم في تعقيد المشهد أن اليمن بتنوعه وتعدده وتركيبته المعقدة وقوة مجتمعه الأهلي قد جعل الأمر صعباً على أبنائه، وعلى أطراف الصراع الإقليمي والدولي. صحيح أن اليمنيين ضحايا الصراع الاقليمي والدولي، ونتائجه كارثية على اليمن بالدرجة الاولى، ولكن آثاره ستطال الأقليم والأمن والسلام، وخطورة ما يجري في اليمن وتفكيكه وتدميره قد يمتد إلى أبعد من اليمن».
السؤال الذي سيبقى حيًا ويتجدد طرحه؛ لماذا فشلت الأحزاب اليمنية في لعب دور تستطيع من خلاله تجاوز الأزمة التي دخل فيها البلد؟
يوضح نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، أن «الأحزاب في اليمن توزعت على خريطة الحرب، وتوزعت الأحزاب الحديثة اليسارية والقومية على جبهتي الحرب بين الشريكين اللدودين: المؤتمر والإصلاح. وراهنت على الحسم العسكري لصالح هذا الطرف أو ذاك. الأحزاب فقدت مصداقيتها وفاعليتها، وأصبحت جزءاً من الأزمة بدلًا من أن تسهم في حلها». أسهم الانقسام السياسي القائم في اليمن بين حكومتين في الوقت الراهن في تحويل اليمن إلى بؤرة صراع لبيادق محلية تُديرها مشاريع خارجية؛ الأمر الذي زاد من تعقيد الحل؛ لأن الحل لم يعد يمنيًا.
يقول عبدالباري طاهر: «عملياً ليس في اليمن حكومتان بأي معنى من المعاني. صحيح أن هناك حكومة شرعية معترف بها دولياً، ولكنها من الناحية العملية غير موجودة، ولا تستطيع فرض وجودها في المناطق المحررة».
وأضاف: «ما هو موجود في اليمن شمالاً وجنوباً ميليشيات مسلحة هي مَن يسيطر ويحكم، ويجمع الجبايات ويسوم المواطنين هنا وهناك سوء العذاب».

المشاريع الخارجية

لكن؛ أين كانت بداية تسليم قرار اليمن للخارج؟ وإلى أي مدى أسهم توزع البلد بين سلطات حرب متعددة في تعقيد مسار الحل؟ يقول طاهر: «الحرب في اليمن وعلى اليمن أفقد اليمن الأمن والسلام والاستقرار. عندما تفجرت الحرب في العام 2014 اتخذت شكل حرب أهلية بين جناحين في السلطة. وهما يتقاتلان بها وعليها، وما أن دخل الصراع الإقليمي والدولي حتى تحولت الحرب إلى إقليمية ودولية. هي حرب معقدة ومركبة ومتداخلة بين الأهلي والإقليمي والدولي، ولكن الإقليمي والدولي هو الأقوى، كما أن الأطراف الداخلية كثيرة، وذلكم سر طول أمدها وتعقيدها».

العدوان الأمريكي

دخول اليمن في خط إسناد غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي منذ عام 2023 جعلها يدفع ثمنًا باهظًا.
يوضح عبدالباري طاهر: «ارتباط اليمن بالقضية الفلسطينية قديم، يعود إلى 1948 وما قبلها. وحتى تسمية النكبة 1948 هي أيضاً نكبة في اليمن، القضاء على الثورة الدستورية. قاتل اليمنيون في الثورة العربية الكبرى وشاركوا في حرب 1948. أما بعد تشكيل فصائل المقاومة فاليمنيون موجودون في جُلها. وكان اليمن دائماً في طليعة مساندة المقاومة الفلسطينية. و«أنصار الله» (الحوثيون) هم جزء من محور المقاومة التي تحولت إلى دعم ومساندة. ويدفع اليمن ثمن هذه المساندة. ولكن المنطقة العربية والأمة كلها تدفع الثمن، وحتى الأنظمة المستكينة أو المطبعة ستدفع ثمن حرب الإبادة في غزة».
ويرى عبدالباري طاهر أن «العدوان الأمريكي على اليمن مدمر وعواقبه وخيمة على بلد مفكك، ونسيجه الاجتماعي ممزق، وأبناؤه متحاربون، والبلد محاصر ومجوع، تطحنه الأزمات الشاملة، والأوبئة الفتاكة، والحصار الداخلي والخارجي».
وأضاف: «يدفع اليمن ثمن صراعات القوى الحاكمة الموزعة الولاء على الصراع الإقليمي والدولي، وثمن موقفه القومي، ومناصرته للحق الفلسطيني. ويقيناً فإن الأمة العربية كلها حتى الأنظمة المطبعة والموالية سيدفعون الثمن لتاجر الصفقات ترامب ولنتنياهو، صانع ما هو أسوأ من الهولوكوست».

المشهد العسكري

قبيل إعلان الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2023 توافق الأطراف اليمنية على خريطة الطريق للسلام، كانت حركة «أنصار الله» قد أعلنت موقفها المساند لغزة ضد العدوان الإسرائيلي، الذي بدأ عقب عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبدأ اليمن ممثلًا في «أنصار الله» عملية إسنادية لغزة بدءًا من شن ضربات صاروخية في عمق الأراضي الفلسطينية في تشرين الأول/اكتوبر، ومن ثم إعلان حظر ملاحة السفن المرتبطة بإسرائيل في البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن وباب المندب، منذ 19 تشرين الثاني/نوفمبر، بدءًا من احتجاز السفينة الإسرائيلية «غلاكسي ليدر». وتصاعدت عملياتهم البحرية مستهدفة عشرات السفن، وصولًا إلى تشكيل الولايات المتحدة تحالف «حارس الازدهار»، بهدف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر، من ثم أعلنت واشنطن إطلاق عملية «يوسيدون آرتشر» بالتعاون مع بريطانيا، والهادفة إلى ضرب منصات إطلاق الصواريخ الحوثية في عمق الأراضي اليمنية بهدف الحؤول دون عملياتهم المساندة لغزة، ممثلة في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل وإيقاف ضرباتهم الصاروخية وبالطيران المسير في العمق الإسرائيلي؛ وهي العملية التي بدأت في 12 كانون الثاني/يناير 2024.
خلال عام ونيف شن التحالف الأمريكي البريطاني أكثر من 900 غارة وقصف بحري أمريكي بريطاني، في عهد جو بايدن، لكنها فشلت في إيقاف الحوثيين عن اطلاق الصواريخ والمسيّرات، على الرغم من استخدام مقاتلات بي 2 الشبحية في بعض الغارات في الوصول إلى أهداف حساسة لـ«أنصار الله» بسبب قصور المعلومات الاستخباراتية، لكنها خلفت خلال عام، وفق خطاب لزعيم الحوثيين في الثاني من كانون الثاني/يناير الماضي 106 شهداء و314 جريحا.
خلال تلك العملية دخل اليمن منعطفًا جديدًا؛ إذ ظلت البلاد تتلقى ضربات صاروخية وغارات جوية على مواقع في الجغرافيا اليمنية في مناطق نفوذ الحوثيين.
أعقب بدء تلك العمليات إعلان الحوثيين اعتبار السفن الأمريكية والبريطانية في البحرين الأحمر والعربي وباب المندب وخليج عدن أهدافا عسكرية.
تواترت الضربات الصاروخية والغارات الجوية لتحالف واشنطن ولندن في عمق الأراضي اليمنية، وكان آخر تلك الغارات ما أعلن عنه الحوثيون في فجر يوم التاسع عشر من كانون الثاني/يناير 2025، والتي استهدفت منطقة الأزرقين في الضواحي الشمالية للعاصمة صنعاء، وقبلها كانت آخر العمليات الحوثية ضد السفن الأمريكية، وهو استهداف حاملة الطائرات «هاري يو إس إس ترومان» في البحر الأحمر.
لاحقا أعلن الحوثيون تعليق عملياتهم البحرية وغيرها مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة «حماس» في 19 كانون الثاني/يناير الماضي. خلال توقف الغارات الأمريكية البريطانية بموازاة توقف عمليات الحوثيين البحرية وصوب إسرائيل شهدت بعض الجبهات اليمنية الداخلية وخطوط التماس في الداخل اليمن تصعيدًا.
وفي هذا حذّر المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، خلال إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، من تزايد المخاوف من عودة اليمن إلى النزاع الشامل، مشيرًا إلى «أن الخطاب التصعيدي والرسائل المتضاربة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، ما يزيد من انعدام الثقة ويؤجج التوترات في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى التهدئة».
وزاد محذرًا من تزايد الأنشطة العسكرية الحالية في مأرب والجوف وشبوة وتعز.
وقال في إحاطته الأخيرة عن تطورات جهود السلام في اليمن: «على الرغم من أن العمليات العسكرية واسعة النطاق لم تُستأنف في اليمن منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في نيسان/أبريل عام 2022، إلا أن الأنشطة العسكرية مستمرة. ولا تزال التقارير الأخيرة عن القصف والهجمات بالطائرات المُسيّرة ومحاولات التسلل وحملات التعبئة تبعث على القلق، إذ تم رصد هذه الأنشطة مؤخراً في مأرب، وفي مناطق أخرى مثل الجوف وشبوة وتعز». وفي مساء السبت الماضي، استأنفت واشنطن جولة جديدة بمفردها في اليمن، ضد أهداف تقول إنها للحوثيين، ليدخل اليمن مرحلة جديدة.
عقب ذلك؛ استأنفت إسرائيل، فجر الثلاثاء، عدوانها على قطاع غزة؛ بعد أيام من إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات إلى القطاع، وتنصلها عن الدخول في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى مع حركة حماس. بالموازاة أعلن الحوثيون استئناف بدء سريان الحظر على الملاحة الإسرائيلية في البحرين الأحمر والعربي وباب المندب وخليج عدن. عقب ذلك بأربعة أيام استأنفت واشنطن غاراتها على اليمن، وتسببت الغارات، وفق «أنصار الله» في سقوط 53 شهيدا حتى الخميس وعشرات الجرحى.
كما استأنف الحوثيون ضرباتهم الصاروخية في عمق الأراضي المحتلة في سياق حملتهم الإسنادية لغزة.
يقول الخبير العسكري في وزارة الدفاع في حكومة «أنصار الله»(الحوثيون)، العميد أحمد الزبيري، إن التصعيد الأمريكي الأخير كان مخططا له بالتوازي مع تخطيط إسرائيل للانقلاب على الاتفاق واستئناف العدوان على غزة.
وقال لـ«القدس العربي»: كان المخطط جاهزًا؛ وأشرت له تصريحات ترامب وتهديداته لحركة حماس بتسليم الأسرى ما لم يحصل سيحول القطاع إلى جحيم، وكان الهدف واضحا وهو عدم المضي في استكمال تنفيذ الاتفاق وتحديدًا المرحلة الثانية منه، وتزامنت تهديدات ترامب بتوعد نتنياهو، وبالتالي كانت النية مبيتة على عدم المضي في تنفيذ الاتفاق، فبدأت واشنطن في استئناف العدوان على اليمن كمقدمة لاستكمال حرب الإبادة في غزة، وعقب ذلك استأنف نتنياهو عدوانه على قطاع غزة؛ وكان الهدف واضحا هو كبح قوة الرد والإسناد اليمني من خلال واشنطن، بينما تتولى إسرائيل استكمال حرب الإبادة في غزة وصولًا إلى تهجير أبناء القطاع من ناحية، والضغط على حماس من ناحية أخرى لتسليم الأسرى».
وأضاف الزبيري أن «مآل التصعيد الأمريكي في اليمن له مساران، الأول: أن يحافظ على هيبة أمريكا وبالتالي تعمل واشنطن على إقناع إسرائيل بإيقاف عدوانها على غزة، والمسار الثاني هو أن تستمر واشنطن في التصعيد على سبيل المغامرة والمكابرة القائم على فائض القوة، وحينها ستكون النتيجة مزيدا من الخسائر، من دون جني أي نتائج، ومثل هذا سيكون امتدادا لغطرسة أمريكا وإمبريالية الغرب الاستعماري».
وأشار إلى أن «التصعيد في اليمن لا يمكن فصله عن التصعيد في غزة؛ فالمعركة الصهيونية الأمريكية واحدة انطلاقًا من مخطط واحد يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير سكان القطاع من خلال استمرار القتل والتدمير بوحشية».
ويعتقد الزبيري، أن ضغط واشنطن على إيقاف مسار السلام في اليمن وعدم التوقيع على خريطة الطريق كان رد فعل طبيعيا: «الأمريكيون ضغطوا على الطرف الآخر لإيقاف الترتيبات للمضي في جهود السلام، وإيقاف كل ما يتعلق بالتوقيع على خريطة الطريق».
وأضاف «هيبة واشنطن تأثرت في العمليات البحرية، مع عجزها عن إيقافها. كان السفير الأمريكي يلتقي بعدد من المرتزقة (يقصد الحكومة المعترف بها دوليا)، وكانت هناك تجهيزات للتصعيد في هذا الاتجاه. كان المخطط أن الهدنة في غزة مؤقتة، وبالتالي هم سيعودون لليمن من خلال استئناف التصعيد الأمريكي والمحلي، لكن بفضل يقظة القوات المسلحة (التابعة للحركة) ويقظة الشعب اليمني لم يستطيعوا تنفيذ ذلك».
وقال إن «الحرب على اليمن لم تتوقف قبل إسناد غزة وخلال إسنادنا لغزة؛ حيث انشغلوا في السيطرة على السواحل وإقامة قواعد هنا وهناك؛ لكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم الرئيسية، وهي إغراق البلاد في حرب»، مؤكدًا أن «الهدف من التصعيد الأمريكي على اليمن هو حماية إسرائيل، ومنع صنعاء من الوقوف مع الشعب الفلسطيني».
فيما يتعلق باحتمالات عودة الحرب الشاملة في اليمن استبعد الزبيري عودتها؛ «لأن السعودية ما زالت على موقفها في عدم التدخل في الحرب في اليمن، كما سبق ورفضت المشاركة في تحالف (حارس الازدهار)؛ وبالتالي فبدون مشاركة السعودية لا يمكن للطرف الآخر خوض حرب شاملة».

الآفاق

الكاتب الصحافي والباحث السياسي، محمود الطاهر، يعتقد أن المواجهات العسكرية في الداخل اليمني قد تزيد.
وقال لـ«القدس العربي»: «توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقضاء الكامل على الحوثيين، محذرًا إيران من استمرار دعمها للجماعة، وهو ما يعني أن الحل السياسي مع جماعة الحوثي أغلق بشكل تام، وهو ما يعني أن المواجهات العسكرية في الداخل اليمني قد تزيد، وبالتالي قد نشهد سنوات قادمة من الجمود السياسي واستمرار الحرب مع تكريس تقسيم اليمن فعليًا إلى مناطق نفوذ».
وأضاف: «هذا التقاسم قد نجده على أرض الواقع إن لم يطرأ جديد في السياسة الدولية لدعم الحكومة اليمنية لتحرير بقية المحافظات اليمنية، استغلالا للغضب الدولي تجاه الحوثي».
مما سبق نخلص إلى أن انفراج الوضع في اليمن ما زال الطريق إليه طويلًا؛ فالتصعيد الأمريكي قد يفتح الباب على مصراعيه لمآلات تتعدد قراءتها؛ لكن لا يمكن لواشنطن الاستمرار في حرب جوية مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ إلا إذا كانت المغامرة مفتوحة على أسوأ الاحتمالات، ولدى واشنطن استعداد لتحمل كافة تكاليفها؛ وحتى تلك الاحتمالات قد لن تستطيع تغيير الواقع مع بقاء قراءة أبجدية جغرافيا اليمن عصية على الخارج لاسيما في ظل استمرار اتساع دائرة الموقف الشعبي ضد واشنطن شمالا والانحياز الإقليمي للاحرب.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب