مقالات

المعارضة السورية والمعارضة معكوسة بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-

بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-

المعارضة السورية والمعارضة معكوسة
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-
المقاربة من المعارضة السورية،غداة تشكلها،في أعقاب الثامن من آذار،وتبعات هذا اليوم الذي شكل هزة في الحياة السورية،طالت البناء الاجتماعي العربي السوري،بكل مكوناته وأنساقه البنائية،الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وفي هذا النسق الأخير طالت الأخلاق ومالها من قيم وأعراف،شكلت وتشكل مقومات الشخصية العربية السورية.
نقول إنّ المقاربة من المعارضة السورية،بغية التفصيل في بنيتها الاجتماعية الثقافية،وصولاً لشخصيتها المنوالية والثانوية تتطلب توجيه الأنظار،إلى فصيل من فصائلها،ونقصد به تلك المعارضة،التي خرجت من بنية النظام،بعد أن فقدت مواقعها وامتيازاتها،ومن في معيتها،ممن يبحثون عن مواقع ومواقف تحسب لهم ،الأمرالذي جعلها تدخل في معاكسات خجولة ومحسوبة مع السلطة السياسية الأسدية،بعد أن مشى بشار الأسد في قمعه وتدميره واعتقاله وتصفياته الجسدية الخطوط الحمر،التي تسوق إلى حرب أهلية مفتوحة إلى كل الاحتمالات
الإقليمية والدولية.
وشاء لهذا الفصيل من المعارضة السورية أن يطرح نفسه بشعارات وأهداف،تتلاقى في مساحة ضيقة من الفضاء الذي تشغله المعارضة الجادة في إسقاط النظام،بغض النظر عن تبعاته وكلفته على الشعب السوري،وخاصة تلك التي تتعلق بالسلامة الوطنية،والسؤال الذي يطرح نفسه،من خلال التمعن في ثقافة النقد التي شكلتها هذه المعارضة المعكوسة،إلى أين كانت تذهب في مواقفها،وهي التي ولدت في بنية حزب السلطة،ولادة تضع في خلدها،نقد ممارسات السلطةالقمعية،وفي الوقت نفسه،أن لايسوقها نقدها،إلى القطيعة مع النظام.ولماذا كانت خطوات هذه المعارضة المعكوسة،مرة إلى الأمام،ومرة إلى الوراء،هل كان في حساباتها السياسية،السلامة الوطنية،وما لهذه السلامة من شروط تتمثل،في كتلة من المؤشرات والمحددات،التي تتداخل في علاقات من التأثير المتبادل بينها،تشكل أرضية متينة للسلامةالوطنية،بكل أمورها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية أم أنّها كانت تريد
بلوغ المؤشرات والمحددات البنائيّة التي تضمن تغيرات لاتمس بنية النظام،وإنما بعض شخصياته ووجوهه التي استهلكت في جرائمها البشعة وجودها ،بكل ماتعني هذه الكلمة من أبعاد،تؤذن بتغيير شامل وكآمل للنظام وسلطته وأمنه،وبنيته العسكرية،التي غلب عليها اللون الواحد.
ونعود المقاربة للثقافة السورية،ونضع في منهجها التنوع الثقافي الذي عرفت به الحياة السورية قبل هزّة الثامن من آذار ذلك التنوع الذي عرف به حيويته،وقدراته في التأثير الخلاق المتبادل بين أنساقه الثقافية الحهوية والطائفية والعرقية والدينية.والذي عرف أيضاً بقوة حضور تنوعاته في الأزمات التي كانت تمر بها الحياة السورية،في مستوياتها الجهوية
والوطنية والقومية،حتى امتلكت هذه الحياة اسم قلب العروبة النابض.
لكن هذا التنوع بات يفقد متانته،وقوة التأثير المتبادل،بين مكوناته،فإذا علمنا أن ضعف هذا التنوع الثقافي في الحياة السورية،سيدفع عناصره وأنساقه للتفتيش في دفاتره العتيقة بحثا عن الأمن الهوياتي،بدءاً من التسريحات في الجيش العربي السوري،وصولاً للجيش ذو اللون الواحد الذي يجد فيه النظام السوري أمنه الطائفي،ويضمن مصالحه الخاصة،ومعه حاشيته المكونة من كل أطراف البنى الاجتماعية الثقافية
وباتت الوحدة الوطنية في مهب الريح،وخاصة بعد انقلاب 23شباط عام 1965،هذا الانقلاب الذي فتح الأبواب أمام مستويات من الصراع الطائفي،المصحوب  بضعف شديد للتنوع الثقافي،وتفكك في بنية الثقافة السورية الشعبية كان للقطاع الجدي من المعارضة السورية،المتكافل برنامجها وأطروحاتها،مع سياستها الثقافية الطامحة إلى إعادة القوة للتنوع الثقافي السوري،ليس قفزاً من فوق السلامة الوطنية،وإنما جدولته في سياق النهوض بالوعي المعرفي،وطرح الأزمة السورية بكل مشاهدها،وما احتوته هذه المشاهد من فاعليات وطنية،وفاعلات مضادة، لايغيب فيها أي مشهد من المشاهد البنائية الاجتماعية الثقافية السورية.
نقول كان على هذه المعارضة أن تطرح على مستوى نخبها،ضرورة وضع خطوط التشديد تحت ثقافة الخوف الذي يسارع في جعلها ثقافة المجتمع السوري،وثقافة الكراهية”1″ التي بات جمهورها ينمو ويتكاثر داخل بتية الثقافة السورية،بفعل السياسة الثقافية السياسية للنظام الذي بات يشرعن سياسته الثقافية الطائفية،القائمة على أطروحته الخوف من بلوغ الأكثرية السلطة،وما ستجره من ويلات على طائفته.فسارع هذا القطاع ممثلاً بطاقاته المعرفية والثقافية الدعوةإلى ثقافة المحبة لتكون الحصن المنيع الذي تتلاقى في جوانيته،كل مكونات المجتمع العربي السوري.في هذا الوقت من خطورة الوضع السوري،سارعت رموز من
المعارضة المعكوسة في طرح نفسها،مسكونة بجرأة سياسية
نقدية فيها علامات وإشارات على أخطاء النظام،ولكن ليس إلى
جرائمه وبشاعاته الأمنية الموغلة في سوءاتها وتصفياتها وخطفها،وفسادها المالي والأخلاقي والسياسي،الذي كانت أحد
علاماته الحضور المذهبي،ذو اللون القومي الصفوي الفارسي.
ولكنها لم تقف الموقف الذي يخلق التراضي بين مكونات المجتمع،من الفساد بكل أذرعته،صار السلاح الأمضى للنظام في ضرب واجتثاث مقومات الشخصية العربية السورية التي عرفت بها خلال تاريخها،واستبدلتها بمعالم ومقومات اتكالية مستسلمة للتهديدات والتحديات التي تستهدف وجودها.
كانت الحياة السورية عطشى لنخبة من داخل النظام تطرح نفسها بديلاً للنظام بكل آهاته وأوجاعه وتفرقته الطائفية وفساده،وخرجت بعض الأوساط من بنية النظام وحزبه،وطرحت مشروعها الوطني من داخل أوساط المعارضة،لكن صوتها قضي عليه بقوة ووحشية السلطة،فكان على المعارضة المعكوسة أن تغطي هذا الغياب،ولكن بمستوى لا يشكل لها مصداقية كفيلة بتحقيق التراضي الشعبي بها وبرنامجها الخجول،الكفيل ببلوغها الشرعية الشعبية،التي نصبغ عليها الثقة والاقتناع بمواقفها .وفي البحث عن أطراف من هذه المعارضة المعكوسة،كانت الأنظار موجهة إلى الاتحادات الطلابية والنقابيّة أن تخرج أصوات مبشرة بمعارضة تخرج من ثوبها المعكوس،غداة التغيير،وتعيد لمنطماتها الإرادة المصادرة منها من يوم أخذت أطروحة الحزب القائد،الذي خرج منه القائد الذي ألغى دور الحزب القائد،بمصادرة الإرادات الطلابية والنقابيّة والحزبية.لكن الذي صار أنّ هذه الإرادات أثبتت أنّها خارج الأمل الشعبي وبعيدة عنه،لأنها في حقيقتها مسلوبة الإرادة إلى حد الهوان.
فباغت النظام الحديد القوى التي كانت تراهن على صحوة من هذه الجهة وذلك المكون من المعارضة المعكوسة،بتغيير الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب العرب، على الطريقة المخابراتية التي كان يقوم بها نظام الأسد،فحرم قواعد الاتحاد،على ضعفها وهشاشتها،من أن تخرج منها معارضة جديدة قادرة أن تسلك دروبها من واقع الوطنية والمواطنة بكل مستحقاتها واستحقاقاتها،فصودرت بهذ السلوك الأمني العدالة الانتقالية
ووعودها بثقافة التراضي،التي تعيد للتنوع الثقافي السوري قوته
التي عرف بها خلال عقد الخمسينات من الألفية الثانية.
1-نماذج من الدراسات النقدية للثقافة العربية وأطروحاتها،والسياسة الثقافية:
-عزالدين حسن الدياب -مقاربة أنثروبولوجية لظاهرة /41
“النّطوطة” في حياتنا العربية.العدد521-ص75-الموقف الأدبي-دمشق
عزالدين حسن الدياب-قراءة أنثروبولوجية ثقافية للولاءات في البنى القرابية العربية-العدد-509-–ص35 -الموقف الأدبي -دمشق
-عزالدين حسن الدياب-مقاربة من ثقافة العنف في الوطن العربي-العدد555.ص-41-الموقف الأدبي دمشق
-عزالدين حسن الدياب -ثقافة الحوار من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية-525- ص41-الموقف الأدبي-دمشق
د -عزالدين حسن الدياب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب