الافتتاحيهرئيسي

المولد النبوي الشريف.. ميلاد النور وتصحيح لمسار الإنسانية وبناء للوعي الوطني

المولد النبوي الشريف.. ميلاد النور وتصحيح لمسار الإنسانية وبناء للوعي الوطني
بقلم رئيس التحرير
لا تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف بوصفها مناسبة دينية عابرة في الذاكرة الإسلامية، وإنما تستعيد الأمة من خلالها لحظةً مفصلية غيّرت معالم التاريخ، وأطلقت مشروعاً حضارياً أعاد تعريف علاقة الإنسان بربه، وبذاته، وبالمجتمع، وبالسلطة والعدل والحق. فقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالة التوحيد والرحمة والعدل، ونقل الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ومن العصبية والتنازع إلى مفهوم الأمة والمسؤولية المشتركة.
وفي هذه الذكرى، لا تكمن القيمة الحقيقية في استحضار الحدث التاريخي وحده، بل في استحضار المنهج الذي حمله الرسول الكريم، وتحويل القيم التي أرساها إلى سلوك وممارسة ومشروع إصلاحي قادر على التعامل مع تحديات الحاضر وبناء المستقبل.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾.
الرسالة المحمدية.. تحرير الإنسان وبناء المجتمع
جاء الإسلام في بيئة عانت من اختلالات عقدية واجتماعية وأخلاقية عميقة، فكان جوهر الرسالة إعادة الإنسان إلى فطرته السليمة، وتحريره من الخضوع للأوهام والعصبيات والاستبداد، وإرساء معيار جديد للتفاضل يقوم على التقوى والعمل الصالح والكرامة الإنسانية.
ولم تكن الرسالة المحمدية مشروعاً روحياً منفصلاً عن واقع الإنسان، بل حملت رؤية متكاملة لبناء مجتمع يقوم على العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، والوفاء بالعهد، وتحمل المسؤولية، والتكافل، واحترام الإنسان.
ويختصر القرآن الكريم جانباً عظيماً من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم: لا يمكن بناء نهضة حقيقية من دون أخلاق، ولا يمكن حماية الحقوق من دون عدل، ولا يمكن تحقيق الاستقرار من دون مسؤولية، ولا يمكن مواجهة الأزمات من دون وحدة وتماسك اجتماعي.
من السيرة النبوية إلى المسؤولية الوطنية
إن قراءة السيرة النبوية بمنظور معاصر تكشف أن بناء القوة لا يبدأ من امتلاك أدوات القوة المادية فقط، وإنما يبدأ ببناء الإنسان، وتوحيد المجتمع، وإقامة المؤسسات، وإدارة الاختلاف، وحماية المصالح العامة، وربط السياسة بالقيم والمسؤولية.
وقد نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في الانتقال بالمجتمع من حالة الانقسام والتنازع إلى بناء جماعة سياسية واجتماعية متماسكة، وأقام في المدينة نموذجاً لتنظيم العلاقات بين مكونات المجتمع، واحترام العهود، وإدارة الاختلاف، وترسيخ الأمن المجتمعي.
وهذه الدروس تكتسب أهمية خاصة في واقعنا الفلسطيني والعربي؛ إذ إن التحديات التي تواجه شعوبنا لا تتطلب فقط مواقف سياسية، وإنما تحتاج إلى استراتيجية وطنية طويلة المدى تقوم على وحدة الصف، وتماسك المجتمع، وتعزيز سيادة القانون، وحماية المؤسسات، ومكافحة الفساد، وترسيخ العدالة الاجتماعية، والاستثمار في التعليم والشباب، وتحصين الوعي الوطني.
فالوحدة ليست شعاراً موسمياً، وإنما هي شرط من شروط القدرة على الصمود، كما أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام مجتمعي يستنزف الطاقات ويضعف القدرة على مواجهة التحديات.
فلسطين.. قضية عدالة وكرامة
وفي فلسطين، تحمل ذكرى المولد النبوي الشريف دلالات وطنية وإنسانية عميقة؛ فالقدس ليست مجرد عنوان جغرافي، وإنما قضية ترتبط بالهوية والتاريخ والمكانة الدينية والحقوق الوطنية.
وما تتعرض له الأراضي الفلسطينية من احتلال واستيطان وتهجير وانتهاكات للحقوق الأساسية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والسياسية والأخلاقية.
ومن وحي الرسالة المحمدية، فإن نصرة المظلوم تعني الدفاع عن الحق بالوسائل المشروعة، وتعني قبل ذلك بناء مجتمع قادر على الصمود، وتوحيد الموقف الوطني، وتفعيل القانون والدبلوماسية والإعلام والعلاقات الدولية، والاستفادة من كل المساحات السياسية والقانونية المتاحة لحماية الحقوق الوطنية.
إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى استراتيجية وطنية تتجاوز ردود الفعل، وتجمع بين الصمود الشعبي، والعمل السياسي والدبلوماسي، والتحرك القانوني الدولي، وحماية الرواية الوطنية، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية.
محبة الرسول.. مسؤولية وليست شعاراً
ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان به ومحبته وطاعته واتباع سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
غير أن المحبة الصادقة لا تختزل في الكلمات أو المظاهر، وإنما تتجسد في الاقتداء بأخلاقه وسيرته ومنهجه في التعامل مع الإنسان.
فالرسول الكريم كان نموذجاً في الرحمة والشجاعة والأمانة والتواضع والعدل، ولذلك فإن الاحتفاء بمولده ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة الذات: كيف نمارس الرحمة؟ كيف نحفظ حقوق الآخرين؟ كيف نواجه الظلم؟ كيف ندير اختلافاتنا؟ وكيف نبني مجتمعاً أكثر عدلاً وتماسكاً؟
إن استحضار السيرة النبوية في واقعنا المعاصر لا يعني استنساخ التاريخ، وإنما استلهام القيم والمبادئ التي صنعت التحول الحضاري الأول، وتوظيفها في بناء الإنسان والمؤسسات والمجتمع والدولة.
المولد النبوي.. فرصة لاستعادة البوصلة
في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتتصاعد فيه النزاعات وتضعف فيه أحياناً منظومة القيم، تحتاج الأمة إلى استعادة بوصلتها الأخلاقية والحضارية.
والرسالة التي يحملها المولد النبوي اليوم واضحة: بناء الإنسان قبل بناء القوة، وترسيخ العدل قبل إدارة الصراع، وتوحيد الصف قبل مواجهة التحديات، وحماية الكرامة الإنسانية باعتبارها أساساً للاستقرار والسلام.
لقد غيّر الرسول صلى الله عليه وسلم وجه التاريخ لأنه بدأ بتغيير الإنسان، وبناء الوعي، وترسيخ العقيدة والأخلاق، ثم انتقل إلى بناء المجتمع والمؤسسات.
وهذه هي الرسالة الأعمق التي ينبغي أن نستخلصها في هذه المناسبة: أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن النهضة تحتاج إلى وعي وقيم ومؤسسات، وأن القوة الوطنية لا تستقيم من دون وحدة داخلية وعدالة اجتماعية ومؤسسات فاعلة وقرار وطني مسؤول.
إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي دعوة إلى استعادة المبادئ التي صنعت أفضل ما في ذلك الماضي، وتحويلها إلى طاقة إصلاح وبناء في الحاضر والمستقبل.
وفي فلسطين، حيث ما زال الشعب الفلسطيني يخوض معركة الدفاع عن أرضه وحقوقه وكرامته الوطنية، تزداد الحاجة إلى هذه المعاني: وحدة وطنية حقيقية، ووعي سياسي مسؤول، ومؤسسات قوية، وعدالة اجتماعية، واستراتيجية وطنية بعيدة المدى، وتمسك بالحقوق، وانفتاح على العالم، وإدارة للصراع بأدوات القانون والسياسة والدبلوماسية والمقاومة المشروعة وفق قواعد القانون الدولي.
في ذكرى مولد رسول الرحمة، نحتاج أن نجعل من المحبة عملاً، ومن الأخلاق منهجاً، ومن الوحدة قوة، ومن الوعي استراتيجية، ومن الإيمان دافعاً للبناء والإصلاح وخدمة الإنسان.
صلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كل عام والأمتين العربية والإسلامية، والشعب الفلسطيني، بخير وأمن وكرامة، سائلين الله أن يرفع الظلم عن المظلومين، ويحفظ فلسطين وأهلها، ويوحد صفوف الأمة، ويهديها إلى طريق العدل والرشاد والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب