تحقيقات وتقارير

اليمن: سقوط حضرموت في قبضة الانتقالي الجنوبي ينذر بانهيار ما تبقى من شرعية الدولة

اليمن: سقوط حضرموت في قبضة الانتقالي الجنوبي ينذر بانهيار ما تبقى من شرعية الدولة

خالد الحمادي

عندما يتعلق الأمر بالحديث عن سقوط محافظة حضرموت اليمنية في قبضة المجلس الانتقالي الجنوبي، فهذا لا يعني حدثا عاديا، بقدر ما يشكل منعطفا كبيرا وخطرا وجوديا يهدد بانهيار ما تبقى من شرعية الدولة اليمنية، وينذر بحالة تفتّت وتفكك الوحدة اليمنية، التي أصبحت – واقعا – عُرضة للتشظّي والانشطار لعدة كانتونات ودويلات صغيرة متصارعة وغير مستقرة، تهدد الأمن المحلي والإقليمي وربما الأمن الدولي برمته.
سقوط حضرموت، الدراماتيكي المتسارع في غضون يومين تجاوز كل التوقعات والتحليلات، ولا يشبهه إلا سقوط العاصمة صنعاء في قبضة المتمردين الحوثيين في أيلول/سبتمبر 2014، حيث وصفه وزير الخارجية اليمني الأسبق عبدالملك المخلافي، بأنه انقلاب آخر، بعد انقلاب الحوثيين، وقال إن «ما حدث في حضرموت وعدن والمناطق الجنوبية يعد انقلابا وليس انفصالا».
وبسقوط محافظة حضرموت، وما تلاها من سقوط محافظة المهرة المجاورة لها، في قبضة القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة ماديا وعسكريا وإعلاميا من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، الشريك الثاني في التحالف العربي في اليمن، بقيادة العربية السعودية، دخل اليمن مستنقعا جديدا من الانهيار، يضاف إلى دورات الصراع المسلح، التي تجاوزت 11 عاما، بدون وجود أي أفق لخاتمة مقبولة لهذه المأساة الإنسانية التي قضت على كافة مقومات الحياة الكريمة.
وبسقوط محافظتي حضرموت والمهرة، استكمل المجلس الانتقالي سيطرته على كامل أراضي المحافظات الجنوبية التي كانت ضمن دولة اليمن الجنوبي ـ سابقا، التي توحدت مع اليمن الشمالي ـ سابقا ـ عام 1990، أصبحت قضية الانفصال التي يطالب بها المجلس الانتقالي في الجنوب واقعا معاشا، ولا ينقصها سوى القرار السياسي محليا والاعتراف الدبلوماسي دوليا، حيث لم يعد في يد رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي أي نفوذ على الأرض في الجنوب، بما فيه القصر الرئاسي في حي المعاشيق في محافظة عدن، الذي أجبر على الخروج منه ووزراء الحكومة واللجوء إلى العاصمة السعودية الرياض، كما أجبرت القوات العسكرية والأمنية التابعة له المرابطة في قصر المعاشيق إلى مغادرته عقب سقوط محافظتي حضرموت والمهرة.

العوامل الرئيسة
لسقوط لحضرموت

خلقت السيطرة العسكرية السريعة للمجلس الانتقالي الجنوبي مطلع كانون الأول/ديسمبر الجاري على محافظة حضرموت تحولاً جذرياً في المشهد السياسي والعسكري المتصدع أصلا في اليمن، حيث شهدت العملية، التي أطلق عليها الانتقالي الجنوبي اسم «مستقبل واعد»، سيطرة القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في غضون يومين، على كافة مدن ومناطق حضرموت الاستراتيجية جغرافيا وبشريا واقتصاديا، ولم يكن هذا الانهيار السريع للقوات الحكومية النظامية وفي مقدمتها المنطقة العسكرية الأولى التابعة للجيش اليمني التي كانت متوقعة في حضرموت، مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل هي تتويج للتفوق العسكري لقوات المجلس لانتقالي في مقابل التخاذل الحكومي والإقليمي في مواجهة ذلك سياسيا وعسكريا.
وأرجعت مصادر عسكرية يمنية أسباب هذا الانهيار المتسارع إلى عوامل رئيسية أبرزها افتقار القوات الحكومية في حضرموت إلى الأسلحة المتطورة والحديثة، وتدهور وضعها العسكري والمادي والسياسي، في مقابل التفوق العسكري واللوجستي – تسليحا وتأهيلا وتمويلا ـ الذي عملت دولة الإمارات العربية المتحدة على تحقيقه بوتيرة متواصلة للمجلس الانتقالي الجنوبي خلال السبع سنوات الماضية، تحت سمع وبصر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، التي ظلت مكتوفة الأيدي، على أمل أن تقوم هذه القوات الجنوبية بجانب القوات الحكومية بالعمل معا على إسقاط الانقلاب الحوثي الجاثم على العاصمة صنعاء وأغلب المحافظات الشمالية.
ولم تكن معركة حضرموت مواجهة عسكرية حقيقية بقدر ما كانت أشبه بعملية استلام وتسليم تضمنتها مواجهات مسلحة محدودة فقط، تلقت عقبها القوات النظامية الحكومية هناك توجيهات حكومية بعدم المواجهة والانسحاب الفوري وإخلاء المعسكرات بما فيها من أسلحة ثقيلة وخفيفة.
وشكّلت هذه العمليات العسكرية نقطة تحوّل كبير في مسار الصراع السياسي والعسكري بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا برئاسة رشاد العليمي وبين المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي، العضو في مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، حيث استكملت هذه العمليات العسكرية للمجلس الانتقالي السيطرة الكاملة على ما تبقى من المحافظات الجنوبية، والتي تأتي في إطار تحقيق مشروعه لاستقلال الجنوب عن الشمال.
وجاء هذا التطور المفاجئ والصادم للجميع بعد فترة طويلة من التوتر الشديد في حضرموت، التي استُخدمت كساحة صراع إقليمية بين دول الجوار، عبر وكلاءها المحليين، فيما ظلت الحكومة اليمنية تقوم بدور المتفرج، مع احتفاظها ببعض الألوية العسكرية التي ظلّت متمركزة في معسكراتها في محافظتي حضرموت والمهرة، والتي سرعان ما انهارت أمام قوات للمجلس الانتقالي الجنوبي التي زحفت باتجاه محافظتي حضرموت والمهرة بعتاد عسكري حديث ومتطور، فيما كانت أسلحة القوات الحكومية قديمة وغير متكافئة.
وكانت معركة حضرموت محورية وأكثر أهمية في نظر الكثير من السياسيين اليمنيين، لما لهذه المحافظة من مكانة خاصة محليا وإقليميا، فقد أجهز سقوطها على ما تبقى من حلم الحفاظ على الوحدة اليمنية، كما أسقطت كافة الرهانات التي كانت ترى أن حضرموت تعد محمية إقليمية ولا يمكن سقوطها في قبضة القوات الموالية للإمارات، فقد كان فيها تواجد سعودي قوي، حيث استثمرت فيها الكثير طوال السنوات الماضية لكسب ولاءات الزعماء القبليين والسياسيين والفاعلين المحليين في حضرموت، غير أن كل تلك الاستثمارات والجهود الطويلة انهارت بسرعة خلال يومين والتي فاجأت الجميع وفي مقدمتهم الرياض، التي سارعت بإرسال لجنة عسكرية وأمنية إلى حضرموت لتقصي الحقائق على الأرض ولامتصاص آثار الصدمة التي قد تجهز على ما تبقى من الشرعية الحكومية في اليمن.

انعكاسات السيطرة على حضرموت

لم يكن سقوط حضرموت في قبضة المجلس الانتقالي حدثا عاديا أو ثانويا كما حدث عند سقوط العديد من المحافظات الجنوبية الأخرى، فهي محافظة محورية وجوهرية في اليمن، حيث تحتل أكثر من ثلث مساحة اليمن، بنحو 200 ألف كيلو متر مربع، وعدد سكاني يتجاوز مليوني نسمة، وهي أكبر حاضنة للثروات والمنشآت النفطية، فهي تحتوي على أهم الحقول النفطية وموانئ التصدير، بالإضافة إلى أنها معقل رجال المال والأعمال اليمني والخليجي، ومهد الثروة الثقافية والتاريخية، وتعد حضرموت المحافظة اليمنية الوحيدة التي تتمتع بمقومات دولة مكتملة الأركان من ثروة بشرية واقتصادية ومساحة واطلالة بحرية، وكان أبناؤها يحلمون أو يراهنون على إقامة دولة حضرمية، تعيد لهم أمجاد الماضي، بعيدا عن الصراع السياسي والعسكري الذي اجتاح بقية المحافظات اليمنية.
وكان لمحافظة حضرموت خصوصية سياسية وإدارية في أغلب العصور والأنظمة السياسية، حتى في حقبة دولة اليمن الجنوبي، الممتدة من نهاية ستينيات القرن الماضي وحتى عام 1990، عندما توحّد الشطران اليمنيان الشمالي والجنوبي، كما استمرت هذه الخصوصية حتى في عهد دولة الوحدة، حيث ظلت حضرموت لا تقبل أن يتولى قيادتها أو إدارتها مسؤولون من خارج نطاقها الجغرافي، وتعد سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت بمثابة احتلال في نظر الكثير من الحضارم، نظرا لأن أغلب قيادات المجلس ينتمون إلى محافظتي لحج والضالع فقط، وهي مناطق هامشية وغير مقبولة أن تحكم محافظة حضرموت المتجذرة تاريخيا بإرثها السياسي وتراثها الثقافي، وعلى ضوء ذلك يرون أنه لا يمكن أن يكتب الاستقرار والاستمرارية لسلطة المجلس الانتقالي في حضرموت، حيث لا توجد فيها حاضنة شعبية حقيقية تتقبل سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي.
كما أن لحضرموت خصوصية كبيرة لدى السعودية، بحكم الجوار وتداخل المصالح التجارية والاستثمارية، حيث أن الكثير من رجال المال والأعمال في السعودية ينتمون إلى محافظة حضرموت، وقامت السعودية خلال فترة العشر السنوات الماضية من الصراع المسلح في اليمن بجهود كبيرة للحفاظ على محافظة حضرموت بعيدا عن شرارة الاقتتال المحلي، وكان الرهان على السعودية كبيرا في صد أي هجوم مسلح على حضرموت سواء من قبل المسلحين الحوثيين المدعومين إيرانيا في الشمال أو من قبل قوات المجلس الانتقالي في الجنوب، ولكن هذا الرهان خسر أمام الخطوات التصعيدية لقوات المجلس الانتقالي، التي تمكنت من السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة وهما آخر معاقل الحكومة الشرعية في المناطق الشرقية لليمن.

تداعيات سقوط حضرموت

ان سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت يفرض تحدياً كبيراً على الحكومة الشرعية في اليمن وكذلك على دول الجوار وفي مقدمتها السعودية وسلطنة عمان، حيث تجتمع في محافظة حضرموت مصالح متشابكة محلية وإقليمية، وكان لسقوط هذه المحافظة في قبضة المجلس الانتقالي الأثر البالغ على جميع الأطراف في مختلف الأصعدة، وأحبط كل الجهود الطويلة لاحتواء الصراع السياسي والعسكري بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن عن تأسيسه رسميا في أيار/مايو 2017، كمظلة سياسية للعديد من المكونات العسكرية والأمنية، الخارجة عن تشكيلات القوات الحكومية اليمنية.
وبدأت قوات المجلس الانتقالي حضورها الفاعل بالسيطرة على محافظة عدن عام 2019 والمحافظات المجاورة لها، مثل محافظات لحج والضالع وما تلاها لاحقا من محافظات أبين وشبوة، حتى وصلت مؤخرا إلى المحافظات البعيدة والنائية وهي محافظتا حضرموت والمهرة، والتي استكمل المجلس الانتقالي، بالسيطرة عليهما، قبضته على كامل أراضي المحافظات الجنوبية، التي كان يحكمها النظام الاشتراكي حتى عام 1990.
ولا شك أن هذه التداعيات ستلقي بظلالها القاتمة على مجلس القيادة الرئاسي في اليمن المكوّن من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد العليمي، الذي تم طرده وأعضاء حكومته وقوات الحراسة الرئاسية الخاصة به من القصر الرئاسي في منطقة المعاشيق في محافظة عدن، عقب سيطرة المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، وهي الخطوة التي اعتبرها العديد من المتابعين خاتمة سيئة لكافة التفاهمات والاتفاقات السابقة التي حاولوا من خلالها استمرار الوضع السياسي قائما على مبادئ قواسم مشتركة لا تلحق الضرر بأي طرف من الأطراف.
وعلى ضوء هذه التطورات والمستجدات المتسارعة، لم يعد للحكومة الشرعية حاليا سيطرة عسكرية إلا على مساحات محدودة من الأرض في الشمال، في محافظتي مأرب وتعز وهما محاصرتان من قبل قوات جماعة الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي، ولا يستبعد أن تسقطا في أي لحظة في قبضة أي من هذين الطرفين، وفي حال حصل ذلك ستصبح الحكومة الشرعية اليمنية مجرد «حبر على ورق»، رغم أن نفوذها الفعلي على أرض الواقع قد تراجع منذ صعود قوات المجلس الانتقالي في الجنوب وتعاظم قوة الحوثيين في الشمال.
وسيفتح هذا الوضع المستجد الباب على مصراعيه أمام كافة الخيارات والتوقعات غير المأمونة، وفي مقدمتها الانهيار الأمني والاقتصادي الكبير في اليمن، كما قد ينعكس سلبا على الوضع الأمني في دول الجوار وعلى المنطقة برمتها، بالإضافة إلى انعكاساته السلبية على الأمن الدولي، إثر إطلالة اليمن الاستراتيجي على مضيق باب المندب الذي يتحكم بمسار الملاحة الدولية، جنوبي البحر الأحمر، والذي قد بدأ عمليا خلال السنوات الأخيرة بهجوم المتمردين الحوثيين على حركة الملاحة الدولية هناك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب