اليمن: ماذا بعد انتهاء مهمة البعثة الأممية لدعم اتفاق الحُديدة؟

اليمن: ماذا بعد انتهاء مهمة البعثة الأممية لدعم اتفاق الحُديدة؟
أحمد الأغبري
يرى مراقبون أن إنهاء مهمة البعثة يأتي ضمن مسار أوسع من تقليص الانخراط الأممي في الأزمة اليمنية، بينما يراه آخرون إجراءً أمميًا طبيعيًا في ظل حالة الجمود.
صنعاء ـ : يمثل إعلان البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة «أونمها» إنهاء مهمتها وسحب فريقها الميداني بتاريخ 31 إذار/مارس المنصرم تحولًا في مسار السلام في اليمن، وقد يدخل معه البلد مرحلة خطيرة لاسيما مع تصاعد التوتر الإقليمي واقترابه من البحر الأحمر.
ويأتي إنهاء البعثة الأممية لمهمتها تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2813 الصادر في 27 كانون الثاني/يناير الماضي.
كما جاء إنهاء مجلس الأمن لمهمة البعثة الرقابة الأممية بعد تجديد ولاياتها لنحو سبع مرات، منذ إنشائها بقرار من الأمم المتحدة أواخر عام 2018 للرقابة على تنفيذ اتفاق ستوكهولم الموقع بين الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا وجماعة «أنصار الله» (الحوثيون).
وأوكل قرار الإنشاء للبعثة، التي بدأت عملها مطلع 2019، مهام مراقبة وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة (غربي البلاد)، والإشراف على إعادة انتشار القوات، ودعم آلية تنسيق بين الطرفين لتجنب التصعيد، وتسهيل الوصول الإنساني للموانئ الحيوية.
ومنذ إنشائها لعبت بعثة «أونمها» دوراً في دعم تنفيذ اتفاق الحديدة، الذي يشمل المدينة وموانئها، ضمن اتفاق ستوكهولم.
لا يعني إعلان البعثة إنهاء مهمتها انتهاء العمل ببنود اتفاق الحديدة أو اتفاقية ستوكهولم؛ إذ أن الاتفاقية ما زالت قائمة من الناحية القانونية، ولم يُعلن أي طرف من أطرافها الانسحاب منها، وإنما إنهاء الآلية الرقابية الميدانية التي كانت تشرف على مدى الالتزام ببنود الاتفاق.
كما إن إعلان انتهاء مهمة البعثة يتضمن نقل بقية مسؤولياتها لمكتب المبعوث الأممي الخاص لليمن؛ وهو ما يعني انتقال مهام دعم تنفيذ اتفاق الحديدة من العمل الميداني إلى العمل السياسي والدبلوماسي، وهو تحول قد لا يكون قادرًا على احتواء أي توتر ميداني بين طرفي الصراع في الساحل الغربي اليمني، لاسيما في ظل ردود فعل تعمل حاليًا على استنفار الطرفين لاستئناف القتال، واستغلال انتهاء مهام الرقابة الميدانية الأممية؛ ما يضع مصير الاتفاق عل محك التفاهمات بين طرفي الصراع، وقدرة مكتب المبعوث الأممي على احتواء الوضع سياسيًا.
وبينما يرى مراقبون أن إنهاء مهمة البعثة يأتي ضمن مسار أوسع من تقليص الانخراط الأممي في الأزمة اليمنية، يراه أخرون إجراءً أمميًا طبيعيًا في ظل حالة «الجمود» التي استمرت لسنوات دون تحقيق إعادة انتشار حقيقي للقوات؛ وبالتالي فإن انتقال بقية مسؤوليات البعثة إلى مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، يمثل تحولًا إجرائيًا من الرقابة الميدانية إلى العمل السياسي والدبلوماسي، خاصة عند النظر إلى ما حققته اللجنة خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإن الحفاظ على حالة الهدوء في الحديدة، كما هي عليه اليوم، يظل عاملًا حاسمًا لتجنب انزلاق الأوضاع في اليمن إلى جولة جديدة من التصعيد، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة واقترابها من البحر الأحمر.
ومن أهم التحديات وربما الأسئلة التي طرحها الكثير عقب إعلان إنهاء مهمة البعثة الأممية هو ما يتعلق بكيفية تنفيذ الاتفاقية ومراقبتها في المرحلة المقبلة.
ويذهب أحد المحللين إلى القول إن «المرحلة المقبلة قد تفتح الباب أمام سيناريوهين متباينين؛ فإما أن تشهد دفعًا جديدًا نحو تسوية سياسية أوسع تعيد إحياء مسار السلام، أو تتصاعد المنافسة مجددًا للسيطرة على ميناء الحديدة، بما قد يعيد التوتر إلى واحدة من أكثر جبهات البلاد هشاشة».
فيما اعتبر الكاتب هاني مبارك، إعلان انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، يمثل تحولًا جذريًا في المشهد اليمني، ويضع الجميع أمام تساؤلات بالغة الأهمية حول ما بعد البعثة؟!
ويعتقد أنه «بانتهاء مهام البعثة، يلفظ اتفاق ستوكهولم 2018 أنفاسه الأخيرة كإطار مستقل ومراقب دولياً وميدانياً. وبالتالي فانتقال المهام إلى مكتب المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، يعني ذلك تحويل ملف الحديدة من قضية منفصلة بآليات مراقبة خاصة إلى جزء من التسوية الشاملة».
ويرى «أن البعثة كانت، رغم ضعفها، تمثل كابحاً نفسياً وسياسياً يمنع الانفجار الشامل في الساحل الغربي. اليوم، ومع سحب المراقبين، تصبح خطوط التماس في الحديدة وموانئها (الحديدة، الصليف، رأس عيسى) في مواجهة مباشرة مع احتمالات التصعيد».
شبح الحرب
في الوقت الراهن، ثمة أسئلة تفرض نفسها منها: ماذا سيكون مصير تنفيذ اتفاق الحديدة بعد انتهاء مهمة البعثة الأممية لمراقبة تنفيذه؟
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمنيّ، عبد الكريم غانم، أنه على الرغم من تأكيد الأمم المتحدة التزامها بمواصلة دعم تنفيذ اتفاق الحديدة إلا أن الغموض يكتنف مصير تنفيذ الاتفاق بعد انتهاء مهمة البعثة الأممية، حيث يظل دور الأمم المتحدة مطلوبا لفتح قنوات التواصل بين طرفي الصراع.
ويشير إلى «أن معظم مهام البعثة لم يتم تنفيذها، خلال فترة عملها في اليمن، لاسيما إعادة انتشار القوات العسكرية، وفتح الممرات الإنسانية».
ويقول لـ«القدس العربي»: «وعلى الرغم من استبعاد حدوث توتر أمني وعسكري، في مناطق التماس أو ازدياد حدوث خروقات عسكرية، تنعكس سلبًا على تدهور الوضع الأمني في المنطقة، جراء غياب الرقابة الميدانية التي كانت تمثل عنصر توازن بين طرفي الصراع، إلا إن انتهاء عملية البعثة قد يدخل الملف اليمني في حالة جمود، تعيق التوصل إلى حلول، الأمر الذي يجعل شبح الحرب قائما».
ويرى أنه «لتفادي انزلاق الأطراف اليمنية إلى مربع التصعيد العسكري، في هذه المرحلة الحساسة، مع اقتراب التوتر الإقليمي المتصاعد من البحر الأحمر، من المهم نقل مهام البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، وتعزيز الدور السياسي له، لتعويض غياب البعثة الأممية، واحترام الآليات التي تتبعها الأمم المتحدة لتفتيش السفن القادمة إلى موانئ الحديدة».
ويعتقد عبد الكريم غانم أن «إنهاء مهمة البعثة الأممية لتنفيذ اتفاق الحديدة يمكن أن يكون في سياق تقليص الانخراط الأممي الميداني في اليمن، إذ من المتوقع أن يتركز الانخراط الأممي في اليمن بالدور السياسي، وتقليص التدخلات الميدانية والأدوار الإنسانية في ظل ارتفاع المخاطر التي يواجهها العاملون في مكاتب الامم المتحدة داخل اليمن، لاسيما في مناطق سيطرة أنصار الله، واتساع رقعة الأزمات في العالم».
ويرجّح أن «العامل الأبرز وراء إنهاء مهمة هذه البعثة هو اخفاقها في تحقيق أبرز أهدافها، لاسيما إعادة الانتشار وفتح الحواجز القائمة أمام المساعدات الإنسانية. فمنذ الأسابيع الأولى بدأ تعثر تنفيذ اتفاق ستوكهولم، الذي تأسست هذه البعثة بهدف تنفيذه».
ويضيف:»وعلى الرغم من انتهاء مهمة البعثة إلا إن اتفاق ستوكهولم سيظل يراوح مكانه، ولا خوف من حدوث أي تطورات متعلقة بانتهاء البعثة، فهذا الاتفاق ولد ميتا» حد تعبيره.
مما سبق فإن إنتهاء عمل البعثة الأممية للرقابة الميدانية لدعم اتفاق الحديدة بقدر ما يمثل تحولًا في مسار الأزمة اليمنيّة إلا أنه قد لا ينجم عنه تطورًا عسكريًا يُعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر؛ وبالتالي فما بعد انتهاء عمل البعثة لن يكون كما قبلها ولن يعود إليها، إلا في سياق تحولات إقليمية ودولية؛ وهو ما قد يقترب منه في التصعيد الإقليمي الراهن، وقد لا يكون.
«القدس العربي»



