انتقادات متصاعدة في الولايات المتحدة للحرب على إيران وتحذيرات من تداعياتها الإنسانية والسياسية

انتقادات متصاعدة في الولايات المتحدة للحرب على إيران وتحذيرات من تداعياتها الإنسانية والسياسية
رائد صالحة
واشنطن ـ تتصاعد الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في ظل تحذيرات من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة، ودعوات متزايدة لوقف العمليات العسكرية ومحاسبة المسؤولين عنها.
وجاءت هذه الانتقادات بالتزامن مع توسع الضربات العسكرية التي أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذها بالتنسيق مع إسرائيل، في هجمات وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها بداية «عمليات قتالية كبرى». وتشير تقارير إلى أن طهران ردّت بهجمات استهدفت مواقع في الشرق الأوسط تضمّ قواعد عسكرية أمريكية، ما يزيد المخاوف من اتساع رقعة الحرب.
وفي خضمّ الجدل المتصاعد، أثار تصريح لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو موجة جديدة من الانتقادات، بعدما قال إن الولايات المتحدة قررت مهاجمة إيران «استباقيًا» لأن إسرائيل كانت ستشنّ هجومًا على أي حال، الأمر الذي كان قد يعرّض القوات الأمريكية لهجمات انتقامية.
ويرى منتقدون أن هذا التبرير يثير تساؤلات حول طبيعة القرار الأمريكي، إذ يشير إلى أن واشنطن تحركت لمنع تداعيات هجوم إسرائيلي محتمل، لا لدرء تهديد مباشر من إيران. ويقول محللون إن مثل هذا المنطق يعكس حجم النفوذ الإسرائيلي في القرار العسكري الأمريكي، خصوصًا في ظل اعتماد إسرائيل الكبير على الدعم العسكري والمالي الأمريكي.
ويشير هؤلاء إلى أن إسرائيل تعتمد على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وعلى أنظمة الدفاع الصاروخي والدعم اللوجستي الأمريكي، فضلًا عن المساعدات العسكرية السنوية التي تُقدّر بمليارات الدولارات، ما يجعل قدرتها على خوض حرب واسعة من دون دعم واشنطن محدودة.
خلاف حول
الذريعة النووية
تقول إدارة ترامب إن الهدف من الهجمات هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أن منتقدين يرون أن السياسات الأمريكية نفسها أسهمت في تقويض الجهود الدولية للحدّ من الانتشار النووي.
ويشير هؤلاء إلى انسحاب ترامب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي مع إيران، رغم تأكيد الأمم المتحدة التزام طهران ببنوده آنذاك، إضافة إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
كما يلفت منتقدون إلى أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل، التي يُعتقد أنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية، بينما تدعم أيضًا تطوير برنامج نووي مدني في السعودية، وهو ما يرونه ازدواجية في المعايير.
تداعيات إنسانية متزايدة
ويؤكد منتقدو الحرب أن الضربات العسكرية الحالية، إلى جانب سنوات من العقوبات الاقتصادية، أسهمت في تفاقم معاناة المدنيين الإيرانيين.
وتشير تقارير إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين جراء القصف، بينهم أطفال، بما في ذلك ضحايا هجوم استهدف مدرسة للبنات. كما تتحدث تقارير إعلامية عن استهداف بنى تحتية مدنية مثل المستشفيات والمدارس ومراكز الشرطة، إضافة إلى أحياء سكنية.
وتحذّر منظمات حقوقية من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مع تراجع الإمدادات الغذائية والطبية في بعض المناطق.
أزمة ثقة في المفاوضات
ويرى معارضون للحرب أن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي أضعف مصداقيتها في أي مفاوضات مستقبلية، ليس فقط مع إيران بل مع دول أخرى أيضًا.
كما يشيرون إلى أن المطالب الأمريكية خلال المفاوضات مع طهران توسعت لتشمل قضايا تتجاوز البرنامج النووي، مثل برنامج الصواريخ الإيراني وعلاقات طهران الإقليمية، وهو ما اعتبره البعض تغييرًا مستمرًا في شروط التفاوض.
تصعيد عسكري متزايد في المنطقة
ويحذّر محللون من أن الوجود العسكري الأمريكي الواسع في الشرق الأوسط، بما في ذلك القواعد المنتشرة حول إيران، يعكس مستوى مرتفعًا من التوتر العسكري.
ويقول هؤلاء إن إيران لا تمتلك وجودًا عسكريًا بالقرب من الأراضي الأمريكية، في حين تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية في عدة دول في المنطقة، ما يزيد احتمالات اتساع الصراع.
انتقادات للخطاب العسكري الأمريكي
كما أثار خطاب بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين جدلًا واسعًا. فقد أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن القوات الأمريكية تتحرك «بلا رحمة»، متوعدًا بأن الولايات المتحدة ستجلب «الموت والدمار» للنظام الإيراني.
وقد أظهرت تصريحات وزير الحرب الأمريكي هيغسيث وخطب مسؤولين أمريكيين بارزين أن قيادة الجيش الأمريكي تعمل وفق رؤية دينية متطرّفة، تربط حرب إيران بنبوءة توراتية وعودة المسيح.
وأكد هيغسيث أن القوات الأمريكية ستستهدف الصواريخ والبنية العسكرية الإيرانية وقادتها بلا توقف، مستخدمين قاذفات وطائرات مسيّرة ومقاتلات لضمان «الموت والدمار من السماء».
ويشير تقرير صحافي حديث إلى أن الجيش الأمريكي يمارس تأثيرًا دينيًا داخل صفوفه، بما في ذلك اجتماعات صلاة ودراسة أسبوعية للإنجيل في البيت الأبيض، وتلقّي الجنود تعليمات بأن الرئيس دونالد ترامب «ممسوح من المسيح لإشعال هرمجدون في إيران».
كما استخدم رئيس مجلس النواب مايك جونسون خطابًا دينيًا، زاعمًا أن إيران ووكلاءها يمثلون «الشر الأكبر» ويهددون الولايات المتحدة وإسرائيل.
الكاتبة كايتلين جونستون، اعتبرت أن هذه التوجّهات تعكس إدارة الإمبراطورية الأمريكية من قبل متطرّفين دينيين وخطرين، لا يمكن الوثوق بهم في التحكم بالأسلحة النووية، وأن استمرارهم يشكّل تهديدًا للبشرية.
ويرى منتقدون أن هذا الخطاب يعكس تحوّلًا نحو نهج عسكري أكثر تشددًا، يشبه ما يُعرف في الأوساط العسكرية بعقيدة «الضاحية»، وهي استراتيجية تعتمد على استخدام قوة نارية هائلة ضد البنية التحتية المدنية لإجبار الخصم على الاستسلام.
معارضة داخل الولايات المتحدة
وتشير استطلاعات رأي إلى وجود معارضة ملحوظة داخل الولايات المتحدة للتصعيد العسكري ضد إيران. فبحسب بعض الاستطلاعات، يعارض غالبية الأمريكيين النهج التصعيدي في السياسة الخارجية، بينما يؤيد نحو ربعهم فقط توجيه ضربات عسكرية لإيران.
كما أفادت تقارير إعلامية بأن بعض الجنود الأمريكيين عبّروا عن قلقهم من طبيعة الخطاب المتشدد داخل بعض القيادات العسكرية، وسط تحذيرات من تسييس الصراع أو إعطائه أبعادًا أيديولوجية.
وفي ظل تصاعد الخسائر البشرية، يدعو ناشطون وكتاب أمريكيون إلى إنهاء الحرب فورًا والضغط على الكونغرس لاستخدام صلاحياته الدستورية للحدّ من القرارات العسكرية للرئاسة.
كما يطالب بعضهم بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن العمليات العسكرية التي تسببت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن الأيام الأولى من القصف على إيران أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني وإصابة آلاف آخرين، بينهم عدد كبير من الأطفال، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية إذا استمرت العمليات العسكرية.
ويحذّر منتقدون من أن استمرار الحرب قد يدفع المنطقة إلى تصعيد أوسع، مؤكدين أن وقف العمليات العسكرية وفتح مسار دبلوماسي جاد يبقى السبيل الوحيد لتجنب مزيد من الخسائر البشرية وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وقال محللون أمريكيون، من بينهم جونستون، إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يفوق بغبائه وجنونه غزو العراق. بينما كان بعض من دعموا حرب العراق يفعلون ذلك عن حسن نية أو اعتقادهم بإمكانية تحسين وضع العراقيين، فإن الهجوم على إيران يعتمد على أكاذيب واضحة حول الأسلحة النووية والمظاهرات والقيم الإنسانية، والكثير ممن يروّجون لهذه الحرب مجرد كاذبين يستغلون الروايات لصالح قصف إيران.
وعلى عكس حرب العراق، لا يوجد ادعاء بمحاولة بناء حكومة أفضل أو جلب الديمقراطية للشعب الإيراني. فالهدف واضح: تدمير إيران وترك الشعب يعاني من الفوضى والانقسامات، بدون أي اهتمام بالنتائج الإنسانية. فالهجوم يكرر نموذج ليبيا: تدمير الدولة وترك المواطنين لالتقاط القطع.
وتصف جونستون هذا النهج بأنه وحشية مفتوحة، وأن ترامب يمثل النسخة الأكثر تطرّفًا من السياسات الإمبراطورية الأمريكية، حيث يزداد جنون إدارة الحرب كلما تعمّقت سيطرة الإمبراطورية.
«القدس العربي»:




