الافتتاحيهرئيسي
بريطانيا وحكومة آندي بيرنام: هل تراجع لندن سياساتها تجاه فلسطين والشرق الأوسط؟

بريطانيا وحكومة آندي بيرنام: هل تراجع لندن سياساتها تجاه فلسطين والشرق الأوسط؟
بقلم رئيس التحرير
لم يكن وصول آندي بيرنام إلى رئاسة الحكومة البريطانية مجرد انتقال للسلطة داخل حزب العمال، بل جاء نتيجة أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة أطاحت بحكومة كير ستارمر، التي واجهت تراجعاً غير مسبوق في شعبيتها بسبب سياساتها الداخلية، إلى جانب الانتقادات الواسعة التي طالت موقفها من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. ومع هذا التغيير، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة: هل تمثل حكومة بيرنام بداية تحول في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية والشرق الأوسط، أم أن الأمر لا يعدو كونه تغييراً في الأشخاص مع بقاء الاستراتيجية البريطانية على حالها؟
هذا السؤال لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء الجديد فحسب، وإنما بطبيعة السياسة الخارجية البريطانية نفسها، التي اتسمت تاريخياً بالاستمرارية أكثر من التغيير، بغض النظر عن هوية الحزب الحاكم. فمنذ وعد بلفور عام 1917، مروراً بفترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وصولاً إلى الحكومات العمالية والمحافظة المتعاقبة، ظلت المصالح الاستراتيجية البريطانية هي العامل الحاكم في رسم سياستها تجاه الشرق الأوسط، بينما بقيت القضية الفلسطينية رهينة موازين القوى الدولية والتحالفات الغربية.
لقد تركت حكومة كير ستارمر إرثاً ثقيلاً في هذا الملف. فإلى جانب الأزمات الاقتصادية الداخلية، تعرضت لانتقادات حادة بسبب موقفها من الحرب على غزة، حيث اعتُبرت من أكثر الحكومات الأوروبية دعماً لإسرائيل، سواء من خلال استمرار التعاون العسكري، أو رفض اتخاذ مواقف أكثر حزماً تجاه الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني، أو الاكتفاء بدعوات عامة لضبط النفس دون ممارسة ضغط فعلي لوقف العدوان.
وقد انعكس هذا الموقف على المشهد السياسي البريطاني، إذ شهد حزب العمال انقسامات داخلية واستقالات لعدد من أعضائه، فيما خرجت مئات الآلاف من البريطانيين في تظاهرات غير مسبوقة للمطالبة بوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، والاعتراف بدولة فلسطين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة.
في هذا السياق، بدا آندي بيرنام أكثر إدراكاً لحجم الضرر الذي ألحقته سياسة الحزب السابقة بصورته التاريخية كحزب يدافع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. فقد أقر، قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة، بأن حزب العمال “لم يكن على صواب” في تعاطيه مع الحرب على غزة، ودعا إلى اتباع سياسة أكثر توازناً واحتراماً للقانون الدولي.
لكن، وعلى الرغم من أهمية هذا الخطاب، فإن التجربة السياسية البريطانية تعلمنا أن التغيير في اللغة لا يعني بالضرورة تغييراً في السياسة.
فالسياسة الخارجية البريطانية ليست رهناً بإرادة رئيس الوزراء وحده، وإنما تحكمها شبكة معقدة من المؤسسات والمصالح الاستراتيجية، تبدأ من وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية، ولا تنتهي عند طبيعة العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، والالتزامات داخل حلف شمال الأطلسي، والمصالح الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل ودول المنطقة.
ومن هنا، فإن قدرة بيرنام على إحداث تحول جذري ستظل محكومة بهذه المحددات، ما لم يقرر إعادة تعريف الدور البريطاني في الشرق الأوسط على أسس جديدة تقوم على احترام القانون الدولي، وليس فقط على إدارة التوازنات السياسية.
ومع ذلك، فإن البيئة الدولية نفسها لم تعد كما كانت قبل سنوات. فقد أدت الحرب على غزة إلى تغيرات عميقة في الرأي العام العالمي، وأحدثت شرخاً واضحاً بين مواقف الحكومات الغربية ومواقف شعوبها. كما عززت قرارات محكمة العدل الدولية، والإجراءات التي اتخذتها المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين، الضغوط القانونية والأخلاقية على الحكومات الأوروبية، ومنها بريطانيا، لإعادة النظر في سياساتها.
وفي الداخل البريطاني، لم تعد القضية الفلسطينية قضية تخص الجاليات العربية والإسلامية وحدها، بل أصبحت قضية رأي عام، تتبناها الجامعات والنقابات والكنائس ومنظمات المجتمع المدني، بل وقطاعات واسعة داخل حزب العمال نفسه، وهو ما يجعل تجاهل هذا التحول أمراً أكثر صعوبة بالنسبة للحكومة الجديدة.
ويبرز هنا اختباران رئيسيان أمام حكومة بيرنام.
الأول يتمثل في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وهو مطلب تتبناه غالبية متزايدة داخل حزب العمال، ويرى فيه كثيرون خطوة ضرورية لإعادة التوازن إلى السياسة البريطانية، وتأكيد الالتزام بحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.
أما الاختبار الثاني، فهو مراجعة صادرات السلاح البريطانية إلى إسرائيل، في ظل التزامات بريطانيا القانونية بموجب معاهدة تجارة الأسلحة واتفاقيات جنيف، والتي تمنع تصدير الأسلحة عندما يكون هناك احتمال كبير لاستخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
إن اتخاذ قرارات عملية في هذين الملفين سيشكل مؤشراً حقيقياً على ما إذا كانت الحكومة الجديدة بصدد إحداث تحول فعلي، أم أنها ستكتفي بإعادة صياغة الخطاب السياسي دون المساس بجوهر السياسات القائمة.
ولا يمكن إغفال أن بريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تسعى إلى إعادة تعريف دورها العالمي، وهي تدرك أن الشرق الأوسط سيبقى أحد أهم ساحات النفوذ الدولي، سواء بسبب موقعه الجيوسياسي، أو موارده، أو ارتباطه بالأمن الأوروبي. ومن هنا، فإن أي مراجعة للسياسة البريطانية تجاه فلسطين ستكون مرتبطة أيضاً بحسابات أوسع تتعلق بمكانة بريطانيا الدولية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعالم العربي.
إن حكومة آندي بيرنام تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح جزء من الإرث السياسي الذي ارتبط باسم بريطانيا منذ وعد بلفور، ليس فقط من خلال تغيير الخطاب، بل عبر تبني سياسة أكثر انسجاماً مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. غير أن نجاحها في ذلك سيظل مرهوناً بقدرتها على التحرر من القيود التقليدية التي حكمت السياسة البريطانية لعقود طويلة.
ويبقى الحكم النهائي مرهوناً بالأفعال لا بالأقوال. فإذا ترجمت حكومة بيرنام وعودها إلى سياسات تعترف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتدعم المساءلة الدولية، وتتبنى مواقف متوازنة تجاه الصراع، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة في السياسة البريطانية. أما إذا اقتصر التغيير على تحسين اللغة السياسية مع استمرار الانحياز التقليدي لإسرائيل، فإن الحكومة الجديدة لن تكون سوى امتداد لنهج قديم بوجوه جديدة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً خلال المرحلة المقبلة هو: هل تمتلك بريطانيا الإرادة السياسية لمراجعة إرثها التاريخي في فلسطين، أم أن اعتبارات التحالفات والمصالح الاستراتيجية ستظل أقوى من مقتضيات العدالة والشرعية الدولية؟ هذا هو الامتحان الحقيقي الذي سيحدد ملامح سياسة حكومة آندي بيرنام تجاه فلسطين والشرق الأوسط، ويكشف ما إذا كان التغيير قد طال الجوهر، أم اقتصر على الشكل.
