بريطانيا وكندا وأستراليا تعترف بفلسطين: سعي متأخّر لإنقاذ «حلّ الدولتين»

بريطانيا وكندا وأستراليا تعترف بفلسطين: سعي متأخّر لإنقاذ «حلّ الدولتين»
في خطوة ديبلوماسية منسّقة، اعترفت كل من بريطانيا وكندا وأستراليا بدولة فلسطين، بهدف إنعاش حلّ الدولتين، وزيادة الضغط على إسرائيل.
سعيد محمد
لندن | في تحوّل دبلوماسي لافت ومُنسَّق، أعلنت المملكة المتحدة وكندا وأستراليا – وهي ثلاث من القوى الغربية الكبرى – اعترافها الرسمي بدولة فلسطين. وتأتي الخطوة التاريخية، التي تمثّل تغييراً جذريّاً في سياسات هذه الدول التي طالما ربطت الاعتراف بنتيجة مفاوضات «الوضع النهائي»، في لحظة حرجة من تاريخ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي المدمّر على قطاع غزة، وتزايد الشعور الدولي بالإحباط من غياب أيّ أفق سياسي.
ويبدو أن الإعلانات المتزامنة لا تهدف فقط إلى ممارسة ضغط دبلوماسي على إسرائيل لوقف حرب الإبادة في غزة، بل تسعى بشكل رئيسي إلى إنقاذ «حلّ الدولتين» من حالة الموت السريري التي يعيشها منذ سنوات، وإعادة تأكيده كـ»أساس وحيد لأيّ سلام دائم ومستقبل آمن لكلا الشعبين». وبينما تحمل الخطوة رمزية سياسية هائلة، فإنها تصطدم بواقع معقّد على الأرض، وتثير أسئلة جوهرية حول قدرتها على إحداث تغيير حقيقي، في ظلّ ردود فعل غاضبة متوقّعة من إسرائيل، وتحفُّظ إستراتيجي من راعيتها الكبرى، الولايات المتحدة.
وبدأ الجهد الدبلوماسي المنسَّق، بإعلان كندا، الذي شكّل سابقة مهمّة؛ فقد أعلن رئيس وزرائها، مارك كارني، أن بلاده، كأول دولة في «مجموعة السبع» (G7) تُقدِم على هذه الخطوة، «تعترف بدولة فلسطين، وتعرض شراكتها في بناء مستقبل سلمي واعد لكلّ من دولة فلسطين ودولة إسرائيل». وأوضح البيان الكندي أن هذا القرار جاء نتيجة لإدراك أن احتمالية حلّ الدولتين «تتآكل أمام أعيننا»، وأن هناك حاجة ملحّة إلى تدخّل دولي للحفاظ على هذا الخيار.
بعد ذلك بوقت قصير، لحقت أستراليا بالركب؛ إذ أكّد رئيس وزرائها، أنتوني ألبانيز، أن قرار حكومته، الذي تمّ إقراره في مجلس الوزراء وأصبح سياسة رسمية نافذة فوراً، يأتي كجزء من «جهد دولي منسَّق» مع الشركاء، للدّفع نحو حلّ الدولتين. وقال ألبانيز، في بيان مشترك مع وزيرة خارجيته: «يعكس قرار الاعتراف اليوم، التزام أستراليا الطويل الأمد بحلّ الدولتين، الذي كان دائماً المسار الوحيد لتحقيق سلام وأمن دائمَين للشعبَين الإسرائيلي والفلسطيني».
أمّا الإعلان الأبرز، فجاء من لندن، نظراً إلى دور بريطانيا التاريخي في المنطقة، كأمّ للدولة العبريّة، وحليف موثوق لها في كل المراحل. ففي بيان مصوّر، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أن «المملكة المتحدة تعترف رسمياً بدولة فلسطين»، واصفاً القرار بأنه ضروري «في مواجهة الرعب المتزايد في الشرق الأوسط، وبهدف الحفاظ على إمكانية تحقيق السلام وحلّ الدولتين». وأضاف، في عبارة لافتة: «في الوقت الحالي، ليس لدينا أيّ منهما… لقد حانت الآن لحظة الاعتراف». ويمثّل هذا القرار، تحوّلاً عن السياسة البريطانية التقليدية التي كانت تشترط أن يكون الاعتراف تتويجاً لمفاوضات ناجحة، فيما دافع نائب ستارمر، ديفيد لامي، عن الخطوة، بالقول إن «الوقت قد حان للدفاع عن حلّ الدولتين».
يكمن الخطر في أن يتحوّل الاعتراف إلى غاية في ذاته
ويتّفق الخبراء على أن الأهمية الحقيقية لهذه الاعترافات تكمن في دلالاتها السياسية العميقة، أكثر من تأثيرها العملي المباشر. فهي تمثّل قطيعة مع النموذج الدبلوماسي الغربي الذي ساد لعقود، والذي كان يصرّ على أن «الاعتراف يأتي في النهاية»، وهو نموذج أثبت فشله، بل واستغلّته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كغطاء لتوسيع الاستيطان وجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً. لكنّ الخطوة الأحدث، تقلب هذه المعادلة، وتقوم على منطق أن «الاعتراف يأتي الآن»، في محاولة يزعم المجتمع الدولي أنها ستخلق واقعاً سياسيّاً جديداً يمكن أن يشكّل أساساً لمفاوضات مستقبلية أكثر جدّية.
من الناحية القانونية والدبلوماسية، يمنح الاعتراف، السلطة الفلسطينية مكانةً وشرعية إضافية على الساحة الدولية، كونه يعزّز موقفها في المنظمات الدولية من مثل الأمم المتحدة و»المحكمة الجنائية الدولية»، ويسمح لها برفع مستوى بعثاتها الدبلوماسية إلى سفارات كاملة في هذه الدول، ما يكرّس علاقات الدولة بالدولة. والأهمّ من ذلك، أنه يبعث برسالة قوية، وإنْ متأخرة، إلى الشعب الفلسطيني بأن تطلعاته الوطنية للاستقلال وتقرير المصير تحظى بدعم متزايد من قوى دولية وازنة، توازياً مع تأبيد حقّ إسرائيل في الوجود، ونزع أسلحة قوى المقاومة.
مع ذلك، لا يمكن إغفال الفجوة الهائلة بين الرمزية والواقع؛ فهذا الاعتراف لا يغيّر حقيقةً أن الأراضي الفلسطينية لا تزال تحت احتلال عسكري خانق، وأن المستوطنات الإسرائيلية تتوسّع، وأن قطاع غزة معزول ومُدمَّر، وأن هناك انقساماً سياسيّاً فلسطينيّاً داخليّاً، فيما تبدو حظوظ قيام دولة مستقلّة وقابلة للحياة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، أبعد من أيّ وقت مضى. وبالتالي، يكمن الخطر في أن يتحوّل الاعتراف إلى غاية في ذاته، أي مجرّد ورقة دبلوماسية تريح ضمير المجتمع الدولي، من دون أن تكون مقرونة بخطوات عملية ومؤثّرة لإنهاء الاحتلال ومحاسبة إسرائيل.
وفي ردود الفعل المتوقّعة، عدَّت الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، الخطوة بمثابة «مكافأة للإرهاب». وقد تتخذ إسرائيل أيضاً إجراءات دبلوماسية، من مثل استدعاء سفرائها للتشاور، أو توبيخ سفراء هذه الدول في تل أبيب. كما أعربت عائلات المحتجزين الإسرائيليين عن قلقها، معتبرة أن من شأن الخطوة أن «تصلّب» موقف «حماس» التفاوضي، «وتعقّد الجهود المبذولة لإعادة أحبائهم». وهناك خشية لدى بعض الدوائر من أن تستغلّ الحكومة الإسرائيلية الهجوم الدبلوماسي الغربي لتنفيذ خطوات أحادية لضم الضفة الغربيّة رسميّاً، أو تصعيد خطوات تهويد أجزاء منها.
في المحصّلة، يمثّل الاعتراف البريطاني والكندي والأسترالي بدولة فلسطين، لحظة فارقة في الدبلوماسية الدولية تجاه الصراع، إذ إنه اعتراف بفشل المسار القديم ومحاولة جريئة لرسم مسار جديد. لكنّ نجاح هذه المحاولة لا يعتمد فقط على عدد الدول التي تعترف بفلسطين، بل على مدى استعداد المجتمع الدولي، وهذه الدول في طليعته، لتحويل هذه الخطوة الرمزية إلى ضغط سياسي واقتصادي حقيقي يجبر إسرائيل على إنهاء احتلالها والقبول بحقّ الفلسطينيين في دولة مستقلة. ومن دون ذلك، سيبقى الاعتراف مجرّد حبر على ورق، وصرخة في وادٍ من واقع دموي مرير.




