تحقيقات وتقارير

بعد إيران وفنزويلا البيت الأبيض بدون استراتيجية واضحة تجاه التدخل في كوبا

بعد إيران وفنزويلا البيت الأبيض بدون استراتيجية واضحة تجاه التدخل في كوبا

حسين مجدوبي

من العوامل التي تجعل البيت الأبيض يتردد في الإقدام على إجراء للحسم النهائي في الملف الكوبي، موقف بعض دول أمريكا اللاتينية التي لا تريد أزمة كبرى في المنطقة.

 يسود الغموض حول استراتيجية البيت الأبيض تجاه كوبا بين التدخل العسكري والضغط الاقتصادي. وتكشف المؤشرات احتمال استبعاد الحل العسكري بعد تجربة إيران وكذلك بسبب احتضان الولايات المتحدة لكأس العالم علاوة على المواقف الصارمة لبعض دول المنطقة مثل البرازيل والمكسيك.

ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض، يرغب الرئيس دونالد ترامب تخليد اسمه في التاريخ الأمريكي من خلال محاولة الحسم في ملفات بقيت عالقة منذ عقود ولم يقدم رؤساء على اتخاذ مبادرات بما فيها الحربية لحلها، وعلى رأس هذه الملفات المشروع النووي الإيراني. ونجح ترامب في تغيير نسبي للنظام في فنزويلا باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو يوم 3 كانون الثاني/يناير الماضي، غير أن الجرأة العسكرية تعرضت لعطل كبير أمام إيران، وهناك تساؤلات حول الرهان العسكري ضد كوبا.
ولم تعد كوبا تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي منذ بداية الستينات خاصة في تشرين الأول/أكتوبر 1962 عندما كانت ستحتضن الصواريخ النووية السوفييتية، وقامت البحرية الأمريكية بحصار الجزيرة. وتجنبت مختلف الإدارات الأمريكية التدخل العسكري المباشر احتراما لاتفاق سري مفترض مع موسكو وقتها بعدم الاعتداء على الجزيرة. إلا أن الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب تريد إنهاء هذا الملف خلال الولاية الحالية. وقد يكون تردد البيت الأبيض في الحسم كون الملف الكوبي لا يمتلك الآن صبغة استراتيجية.
علاقة بهذا، لا تتوفر كوبا على البترول أو المعادن النادرة عكس فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي عالمي والتي كانت قد بدأت تتحول إلى منصة اقتصادية للاستثمارات الصينية والتعاون العسكري مع روسيا. كما أن كوبا لا تمتلك مشروعا نوويا عكس إيران صاحبة المشروع النووي الذي تتخوف منه واشنطن ودول الخليج العربي. وبالتالي، يبقى الملف مجرد كبرياء أمريكي. في الوقت ذاته، يوجد تأثير كبير لمستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية ماركو روبيو لأنه ابن لاجئين كوبيين في ولاية فلوريدا، ويريد الانتقام لجميع الكوبيين الذين هربوا من الملاحقات التي شنها الحزب الشيوعي الكوبي منذ اندلاع الثورة نهاية الخمسينات. ويؤكد السيناتور روب غاييغو عن ولاية أريزونا في حوار مع جريدة «الباييس» الإسبانية الجمعة من الأسبوع الجاري «أن كوبا لا تشكل خطرا على الولايات المتحدة، في حين أن ماركو روبيو مهووس بكوبا».
في غضون ذلك، تنهج واشنطن حتى الآن استراتيجية متعددة لتغيير النظام الكوبي أو دفعه إلى الليونة في أفق الانتقال الديمقراطي أو الانهيار، وتقوم على ما يلي:
أولًا، يتجلى هذا التوجه في فرض حصار اقتصادي خانق على الجزيرة، عبر الحد من التحويلات المالية الموجهة من الكوبيين في الخارج إلى ذويهم، فضلًا عن تقييد إمدادات الطاقة. وقد أدى ذلك إلى معاناة السكان من نقص مزمن في الوقود وانقطاعات متكررة للكهرباء. وتسعى واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى تعميق حالة الاستياء واليأس داخل المجتمع الكوبي، بهدف تحفيز حراك شعبي ضد السلطات الحاكمة. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تحقق النتائج المرجوة في حالة كوبا حتى الآن. وتفيد جريدة «أكسيوس» أن إدارة ترامب تستمر في هذا النهج لخلق الفوضى التامة لأن الشعب قد ينتفض في آخر المطاف، لتعد الظروف للتدخل العسكري الهادئ.
في المقام الثاني، اتهام راوول كاسترو الرئيس الكوبي السابق والذي شغل منصب وزير الدفاع بالتورط في مقتل أمريكيين من أصل كوبي سنة 1996 بإسقاط طائراتهم. وكانت هافانا قد أكدت وقتها أن الطائرة دخلت إلى الأجواء الكوبية. وتريد واشنطن من هذا الاتهام استبعاد راوول كاسترو من صناعة القرار، لأنه رغم انسحابه من السلطة المباشرة يبقى السياسي الأكثر تأثيرا في كوبا، ولا يمكن للحكومة الكوبية القيام بأي خطوة أو مبادرة بما فيها تجاه الولايات المتحدة بدون استشارته. وترى واشنطن أن راوول كاسترو هو مرادف نيكولاس مادورو في فنزويلا، حيث ترتب عن اختطاف الأخير حصول ليونة في مركزية الحكم في كاراكاس، وبالتالي فإن استبعاد راوول شقيق الرئيس الراحل فيدل كاسترو قد يقود إلى نتيجة مشابهة وسيفسح المجال أمام جيل الشباب الأكثر براغماتية لتولي التغيير الهادئ في المرحلة الأولى من دون إشراك اللاجئين الكوبيين المقيمين في أمريكا في تسيير أوضاع البلاد في المرحلة الأولى. ومن باب المقارنة، رغم احتضان ترامب للمعارضة الفنزويلية خاصة ماريا كورينا متشادو التي استقبلها في البيت الأبيض مرتين، إلا أنه يرى أن توقيت عودتها إلى فنزويلا لم يحن بعد. وبالتالي، تستمر واشنطن في التعامل مع الرئيسة ديلسي رودريغيث التي كانت نائبة الرئيس مادورو قبل اختطافه.
في المقام الثالث، يستمر العامل العسكري حاضرا لاسيما بعد إرسال البنتاغون حاملة الطائرات نيميتز رفقة فريق القتال الكامل إلى الكاريبي بالقرب من كوبا وقيام سلاح الجو الأمريكي بطلعات بالقرب من الأجواء الكوبية. إلا أن هناك تحذيرات من الرهان على الحل العسكري، وتذهب الآراء أن الغالبية من الجيش الكوبي قد تواجه التدخل الأمريكي وقد تحدث مفاجآت بحكم توفر كوبا على طائرات درون منها إيرانية، وهي آليات الحرب التي خلقت للجيش الأمريكي مشاكل في الشرق الأوسط.
في غضون ذلك، من العوامل التي تجعل البيت الأبيض يتردد في الإقدام على إجراء للحسم النهائي في الملف، علاوة على ضبابية الحل العسكري، هو موقف بعض دول أمريكا اللاتينية التي لا تريد أزمة كبرى في المنطقة. وعلى رأس الدول المعارضة لسياسة ترامب المكسيك التي لا تتردد في تقديم المساعدة لكوبا. وكذلك البرازيل، حيث أن رئيس هذه الأخيرة، لولا دا سيلفا ينبه من انزلاق في المنطقة، وهو السياسي الذي وصف ما جرى في قطاع غزة بجرائم ضد الإنسانية، ووصف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران بغير القانونية، وعلق ساخرا ما مفاده أنه «لا يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن يزرع الفوضى بشكل يومي».
ويبقى الرأي السائد أن البيت الأبيض لن يتفرغ للملف الكوبي طالما لم ينه الملف الإيراني الشائك، في حين أنه مازال غارقا في الملف الفنزويلي.

 ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب