بعد إيقاف عدد من المعارضين والنشطاء… تونس على وقع تحركات مدنية وسط تأزم سياسي حاد

بعد إيقاف عدد من المعارضين والنشطاء… تونس على وقع تحركات مدنية وسط تأزم سياسي حاد
روعة قاسم
خرج أنصار الاتحاد العام التونسي للشغل في مسيرات وطنية للمطالبة بإطلاق سراح السياسيين المسجونين. وأكد الاتحاد، استعداده لخوض حوار مع السلطات حول المطالب الاجتماعية، مع الإبقاء على خيار التصعيد.
تونس ـ : تعيش تونس على وقع تطورات سياسية وقضائية هامة، وسلسلة تحركات مدنية دعت إليها مكونات سياسية ومدنية معارضة احتجاجا على الأحكام الأخيرة الصادرة بحق عدد من النشطاء السياسيين والوجوه البارزة في عالم السياسة والقانون، على غرار المعارض السياسي أحمد نجيب الشابي، والناشط الحقوقي العياشي الهمامي وغيرهما. وإثر ذلك قرر الفرع الجهوي للمحامين بتونس مقاطعة عدد من الدوائر الجنائية وراسل عمادة المحامين من أجل عقد ندوة وطنية في أقرب الآجال. هذا الغليان السياسي والمدني تزامن مع تحركات مماثلة للهياكل المهنية والشغلية، دعا إليها الاتحاد العام للشغل بتونس وسط توتر متواصل بين الاتحاد والسلطة.
فقد أصدرت محكمة الاستئناف بتونس أحكاما نهائية ضد عدد من المعارضين من تيارات مختلفة وذلك في قضية «التآمر على أمن الدولة 1». ورأى معارضو النظام أن الأحكام الصادرة صادمة ولا تنبئ بحصول انفراج في الأوضاع السياسية المحتقنة وتجهض كل الأمل والتفاؤل الذي ساد بعد الإفراج عن المحامية والإعلامية سنية الدهماني، بعد سنة ونصف قضتها خلف القضبان، وتعيد البلد إلى المربع الأول حيث القطيعة التامة بين السلطة من جهة والمعارضة والأجسام الوسيطة من جهة أخرى.
وكانت محكمة الاستئناف قد قضت بعدم سماع الدعوى بحق السياسي والمحامي والوزير الأسبق الأزهر العكرمي، وبحق الإعلامي ومدير إحدى الإذاعات الهامة في تونس نور الدين بوطار. كما قضت بعدم سماع الدعوى بحق مواطن تونسي قيل أنه اعتقل وتم تتبعه في قضية التآمر على أمن الدولة بسبب ركن سيارته قرب منزل الناشط السياسي خيام التركي الذي اجتمع فيه المتهمون في هذه القضية.
وقامت المحكمة بتخفيض العقوبة الابتدائية الصادرة بحق القيادي في جبهة الخلاص والمحامي والوزير السابق أحمد نجيب الشابي إلى 12 سنة، بعد أن تم الحكم عليه ابتدائيا بـ18 سنة سجنا. وقضت المحكمة أيضا بالتخفيض في عقوبة القيادي بحزب التكتل خيام التركي إلى 35 سنة بعد أن حكم عليه في الطور الابتدائي بـ48 سنة.
كما خفّضت المحكمة عقوبة القياديين بحركة النهضة الصحبي عتيق والسيد الفرجاني إلى 10 سنوات. وتم الحط أيضا في عقوبة وزير العدل الأسبق نور الدين البحيري من 43 إلى 20 سنة.
بالمقابل تم رفع عقوبة الناشطة السياسية شيماء عيسى إلى 20 عاما سجنا، بعد أن قضت المحكمة الابتدائية بسجنها 18 عاما. وتم إيقافها وهي بصدد التظاهر في الشارع تنفيذا لهذا الحكم وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة.
كما قامت محكمة الاستئناف برفع عقوبة القيادي بحزب التيار الديمقراطي ووزير التربية الأسبق محمد الحامدي إلى 17 سنة، بعد أن قضت المحكمة الابتدائية بسجنه 13 عاما. وقامت أيضا بالترفيع في عقوبة القيادي بجبهة الخلاص جوهر بن مبارك، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، والقيادي بجبهة الخلاص رضا بالحاج إلى 20 عاما سجنا بعد أن حكم عليهم ابتدائيا بـ 18 عاما.
ونتيجة لهذه الأحكام تمّ إيقاف المحامي العياشي الهمامي من قبل أعوان الضابطة العدلية بعد إدراجه في التفتيش. وتم تنفيذ مضمون الحكم النهائي الحضوري الصادر في حقه من محكمة الاستئناف بتونس في قضية التآمر. وإزاء هذه التطورات دعا عدد من الأحزاب المعارضة بينها حزب النهضة والدستوري الحر إلى رصّ الصفوف في ظل الوضع الراهن. من جانبها وصفت منظمة العفو الدولية المحاكمة بأنها «صورية شابتها انتهاكات خطيرة لمعايير العدالة وحرمت المتهمين من حضور جلساتهم». واعتبرت المنظمة أن «تأييد محكمة الاستئناف لعقوبات قاسية في قضية التآمر يؤكد تحول القضاء إلى أداة لتصفية المعارضة».
ودعت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى إلغاء الأحكام وإيقاف التتبعات، واتخاذ مسار يحترم الدستور والمعايير الدولية. واعتبرت الرابطة في بيانها أن هذه الأحكام «جاءت نتيجة مسار قضائي افتقر كليا لشروط المحاكمة العادلة».
واعتبر حزب التيار الديمقراطي المعارض أن الساحة السياسية تشهد حلقة فارقة وخطيرة في تاريخ تونس، تمثلت في إصدار أحكام استئنافية ثقيلة بلغت عشرات السنين من العقوبات السجنية في ما يُعرف، افتراء، بقضية «التآمر على أمن الدولة»، في ظل إجراءات قضائية غابت عنها أدنى مقومات العدالة. واعتبر الحزب في بيانه أن هذه الأحكام تُعيد إلى الأذهان الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي أحكام شملت عددا من المعارضين السياسيين الذين يقبع بعضهم ظلما منذ ما يقارب ثلاث سنوات في السجون.
ودعا الحزب مختلف القوى الحية في المجتمع المدني والسياسي للوقوف على ما أسماه خطورة اللحظة الراهنة، لتوحيد النضال حول مطلب جامع بإيقاف نزيف التضييقات والتنكيل. ودعا أيضا إلى قطع الطريق أمام مسار الاستبداد الذي تنتهجه السلطة، والدفع بكل الوسائل المدنية والسلمية نحو إخراج تونس من هذا المأزق الخطير.
وعلى الصعيد النقابي، خرج أنصار الاتحاد العام التونسي للشغل في عدة مسيرات وطنية للمطالبة بإطلاق سراح السياسيين المسجونين. وفي خضم ذلك جدّد الاتحاد، التأكيد على استعداده لخوض حوار مع السلطات للتفاوض حول المطالب الاجتماعية، مع الإبقاء على خيار التصعيد في حال تواصل «رفض» الحكومة فتح باب المفاوضات.
وقرّر فرع تونس للمحامين مراسلة عميد الهيئة الوطنية للمحامين ودعوته إلى عقد ندوة وطنية لكل فروع المحاماة في الجهات في أقرب الآجال، وذلك لتعزيز جهود حماية ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع على حد تعبير البيان. كما قرر الفرع مراسلة العميد إلى ضبط برنامج عمل موحد لهياكل المهنة خلال الفترة المقبلة تنسيقا للمواقف إزاء التطورات القضائية الأخيرة.
كما أعلن الفرع إثر الاجتماع الطارئ الأخير لمجلسه عن مقاطعة عدد من الدوائر الجنائية الابتدائية والاستئنافية التي قال إنّه عاين فيها «خروقات إجرائية أو تجاوزات» تمس جوهر حقوق الدفاع وأسس المحاكمة العادلة وذلك بداية من الاثنين القادم. كما أن فرع تونس العاصمة والولايات التابعة لمدينة تونس الكبرى ترك الباب مفتوحا لمقاطعة نهائية لهذه الدوائر القضائية الابتدائية والاستئنافية..
وفي خضم هذا الغليان السياسي والمجتمعي، تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى الدعوة إلى تنقيح بعض النصوص القانونية التي عفا عنها الزمن ويتم استغلالها في عديد الفترات بصورة تؤزّم الأوضاع وتدخل البلاد في نفق مجهول. وترى الناشطة الحقوقية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن «الأحكام الأخيرة الصادرة عن محكمة الاستئناف أدخلت البلاد في دوامة صعبة ما يعرقل حصول أي حوار أو مصالحة يتم على إثرها طي صفحة الماضي والإنطلاق الفعلي في البناء المشترك».
وتضيف محدثتنا قائلة: «وبقطع النظر عن الاتهامات التي يوجهها معارضو السلطة والحقوقيون للسلطة فيما يتعلق في علاقتها بالقضاء، فإن ما هو أكيد أن النصوص الجزائية التونسية ونصوص تنظيم سير التقاضي في المادة الجزائية -والتي هي نصوص قديمة يعود الكثير منها إلى العهد الملكي- عفا عنها الزمن وبحاجة إلى تنقيحات عديدة. فهي لا تضمن الحد الأدنى من شروط المحاكمة العادلة، كما أنها تجرم أفعالا لا يراها البعض جرائم ولا تشكل خطرا على أمن الدولة، لكن النصوص تجرّمها وتقرّ لها عقوبات قاسية جدا».
كما أكدت محدثتنا على «أهمية تركيز المجلس الأعلى للقضاء أو حتى المجلس المؤقت للقضاء حتى يضطلع بدوره في الرقابة على استقلالية القضاء لأن غيابه يمثل خللا في المنظومة القضائية. فهذه الإصلاحات المتعلقة بالقوانين والجهاز القضائي ضرورية اليوم في إطار مسيرة ترسيخ استقلالية القضاء في تونس وترسيخ قضاء ناجز يؤدي دوره على الوجه الأكمل تجنبا لكل حيف أو انحراف بالسلطة».
«القدس العربي»




