ثقافة وفنون

بعد 25 عاماً… لماذا ما زال «أميلي» يجعلنا نرى العالم بشكل مختلف؟

بعد 25 عاماً… لماذا ما زال «أميلي» يجعلنا نرى العالم بشكل مختلف؟

نسرين سيد أحمد

كاتبة مصرية

 في الذكرى الخامسة والعشرين لعرضه في بريطانيا، يبدو فيلم «أميلي» Amélie للمخرج الفرنسي جون بيير جونييه، وكأنه يعود إلينا لا بوصفه عملاً سينمائياً فقط، بل كحالة شعورية كاملة، كذاكرة جمعية عن زمنٍ بدا فيه العالم أكثر خفة، وأكثر قابلية لأن يُرى بعينٍ حالمة.
الفيلم الذي أخرجه جونيه عام 2001، لا يزال يحتفظ بقدرته الغريبة على الإغواء: إغواء المشاهد للدخول في عالمه، ثم البقاء فيه، وربما إعادة تشكيل نظرته إلى الواقع من خلاله. منذ اللقطة الأولى، يضعنا الفيلم داخل منظومة بصرية ونفسية محكمة، حيث تتحول مونمارتر الباريسية إلى فضاء شبه متخيل، مدينة لا تشبه باريس الواقعية بقدر ما تشبه باريس كما تُرى في الحلم. تبهرنا ألوان الفيلم، التي يمكننا أن نصفها بأنها ساطعة مشرقة كثيفة، الأخضر والأحمر والأصفر، ليست مجرد اختيار جمالي، بل هي لغة بحد ذاتها، لغة تقودنا إلى داخل ذهن أميلي بولان، تلك الفتاة التي تعيش على هامش العالم، وتقرر فجأة أن تعيد ترتيبه، بهدوء، ومن خلف الستار.
أميلي، التي جسدتها أودري توتو بقدرٍ نادر من التوازن بين البراءة والغرابة، ليست شخصية تقليدية يمكن قراءتها بسهولة. هي ليست بطلة بالمعنى الكلاسيكي، ولا حتى شخصية درامية ذات صراع واضح ومباشر. إنها أقرب إلى وسيط، إلى عين ترى ما لا يُرى، وتتحرك في العالم كما لو كانت تكتب حكاية موازية له. هذا ما يجعل الفيلم، رغم بساطته الظاهرية، معقداً على مستوى الشعور: فهو لا يدفعنا إلى التعاطف مع أميلي بقدر ما يدفعنا إلى التفكير بها، أو ربما التفكير من خلالها.
يُبنى الفيلم على سلسلة من التفاصيل الصغيرة: صندوق ذكريات مخبأ في جدار، رجل يجمع صوراً ممزقة من آلات التصوير، وغيرها الكثير من التفاصيل المحببة. هذه التفاصيل، التي قد تبدو عابرة، تتحول تدريجياً إلى نسيج سردي كامل. هنا يكمن أحد أسرار الفيلم: قدرته على تحويل الهامشي إلى مركزي، واليومي إلى أسطوري. لا شيء كبيرا يحدث في «أميلي»، ومع ذلك، كل شيء يبدو ذا أهمية.
لكن هذه الخفة التي يتمتع بها الفيلم ليست بريئة تماماً. ثمة جانب خفي يختبئ خلف هذه الجمالية المصقولة. أميلي، في محاولتها لإصلاح حياة الآخرين، تمارس نوعاً من السيطرة الخفية، نوعاً من التدخل الذي يطرح سؤالاً أخلاقياً: هل يحق لنا أن نعيد ترتيب حياة الآخرين، حتى لو كان ذلك بدافع الخير؟ الفيلم لا يطرح هذا السؤال بشكل مباشر، لكنه يتركه يتسلل إلى ذهن المشاهد.


في هذا السياق، يمكن قراءة «أميلي» كفيلم عن العزلة بقدر ما هو فيلم عن التواصل. أميلي لا تتواصل مع الآخرين بشكل مباشر؛ هي تفضل أن تظل في الظل، أن تكون المُحرّك عن بعد لا المشارك. هذه المسافة التي تضعها بينها وبين العالم هي ما يمنحها القدرة على الرؤية، لكنها في الوقت نفسه تحرمها من التجربة. وهنا، ربما، يكمن جوهر الفيلم: ليس في الحكايات التي تصنعها أميلي للآخرين، بل في عجزها عن أن تكون بطلة حكايتها الخاصة.
العلاقة مع نينو (ماثيو كاسوفيتز) تأتي كاختبار حقيقي لهذا العجز. نينو، بدوره، شخصية غريبة، منجذبة إلى ما هو مكسور ومجزء، فحياته تبدو لنا كما لو كانت مكونة من صور ممزقة أو لحظات ضائعة. لقاؤه مع أميلي يبدو حتمياً، كأنهما وجهان لعملة واحدة، لكن هذا اللقاء لا يحدث بسهولة. الفيلم يماطل، يراوغ، يؤجل اللحظة، كما لو كان يخشى أن يفسد سحر الانتظار. وعندما يأتي اللقاء أخيراً، لا يكون انفجاراً عاطفياً بقدر ما تكون اعترافاً متردداً، خطوة صغيرة نحو الخروج من العزلة.
السرد الصوتي (voice-over) يلعب دوراً محورياً في الفيلم، ليس فقط في نقل المعلومات، بل في خلق نغمة الفيلم، ذلك الصوت الذي يبدو كأنه يحكي حكاية للأطفال، لكنه في العمق يحكي عن الوحدة، عن الرغبة في أن يُرى الإنسان ويُفهم. الموسيقى، التي وضعها يان تيرسن، لا يمكن فصلها عن تجربة الفيلم. هي ليست خلفية، بل شريك أساسي في بناء العالم. نغمات البيانو والأكورديون تمنح الفيلم إيقاعه الخاص، ونغمته الباريسية المحببة، ذلك الإيقاع الذي يتأرجح بين الحنين واللعب، بين الفرح الخفيف والحزن المكتوم. من الصعب تخيل «أميلي» من دون هذه الموسيقى؛ هي جزء من ذاكرته بقدر ما هي جزء من صورته.
بعد خمسة وعشرين عاماً، يمكن أن نطرح سؤالاً بسيطاً: هل صمد «أميلي» أمام الزمن؟ الإجابة ليست مباشرة. من جهة، يبدو الفيلم اليوم وكأنه ينتمي إلى زمن مختلف، زمن ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، حين كانت العزلة تُعاش بشكل أكثر هدوءاً، وأقل صخباً. ومن جهة أخرى، فإن موضوعاته الرئيسية، مثل الوحدة، الرغبة في التواصل، البحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة، تبدو أكثر آنية من أي وقت مضى. ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من نقاط ضعف، أو على الأقل من عناصر قد تبدو اليوم أقل إقناعاً. هناك من يرى أن مثاليته مفرطة، وأن عالمه مصطنع أكثر مما ينبغي، أن شخصياته أقرب إلى «كاريكاتير» منها إلى بشر حقيقيين. هذه الانتقادات ليست بلا أساس، لكنها ربما تغفل طبيعة المشروع نفسه: «أميلي» ليس فيلماً واقعياً، بل هو فانتازيا يومية، محاولة لخلق واقع بديل، لا ليحل محل الواقع، بل ليعكسه من زاوية مختلفة. في النهاية، يبقى «أميلي» تجربة سينمائية يصعب تصنيفها. هو ليس مجرد فيلم رومانسي، ولا مجرد كوميديا، ولا حتى مجرد دراما. هو حالة، مزاج، طريقة في النظر إلى العالم. وربما لهذا السبب تحديداً، يستمر في العيش، في العودة، في إثارة النقاش.
في زمن تتسارع فيه الصور وتتشابه، يقدم «أميلي» درساً بسيطاً، لكنه عميق: أن نبطئ قليلاً، أن ننتبه للتفاصيل، أن نرى ما وراء الظاهر. وربما، في لحظة ما، أن نجرؤ، مثل أميلي، على أن نخرج من الظل، ولو خطوة واحدة فقط، نحو حياة أكثر حضوراً.

 

 ـ «القدس العربي» :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب