مقالات
بعض من ملامح الفكر الوطني والقومي وقضية فلسطين بقلم الدكتور فؤاد الحاج -استراليا
بقلم الدكتور فؤاد الحاج -استراليا

بعض من ملامح الفكر الوطني والقومي وقضية فلسطين
بقلم الدكتور فؤاد الحاج -استراليا
كانت قضية استلاب فلسطين ذلك الجزء العزيز من الوطن العربي هاجساً يومياً عاشته وتعيشه جماهير الأمة العربية من محيطها إلى خليجها بعيداً عما يفكر فيه حكامها، وبعيداً عن كواليس السياسة ودهاليزها.
لقد فرضت عملية استلاب الصهاينة لفلسطين نفسها على الحياة اليومية العربية، وألقت بظلالها ومازالت على كل فعل واجهته وتواجهه الأمة في عصرها الراهن، فقد كانت هذه القضية هي السبب الأول للتفتت الذي تعرض له المشرق العربي، وكانت هي أيضاً السبب الأول لفرض التخلف والتبعية على الأمة، كما كانت السبب الأول والأهم والوحيد لما فرض على الأمة من معارك غير متكافئة في القرن المنصرم، وكانت هي سبب نكبة 1948 وسبب العدوان الثلاثي 1956 وسبب نكبة الانفصال 1961 وسبب كارثة حزيران/يونيو 1967. كما كانت سبب التمرد الكردي في شمال العراق وفي سرقة نصر حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وفي (كامب ديفيد 1978) وغزو لبنان 1982، وكانت سبب الحرب العراقية الإيرانية التي فرضت على العراق في أيلول/سبتمبر 1980. كما كانت أحد أهم أسباب العدوان الثلاثيني الأمريكي الأطلسي الذي تعرض له العراق في كانون الثاني/يناير من عام 1991، ومن ثم كانت هي السبب الأساسي في غزو العراق واحتلاله في آذار/مارس 2003.
لذلك وقبل أن يتم سوء تقدير وفهم لما أقصد وما أريد أن أقوله في هذا الصدد لا بد من العودة إلى تاريخ فلسطين الجيوستراتيجي لنضع النقاط على الحروف، لعلنا من بين غبار هذا التاريخ وملامح الوضع الراهن لفلسطين نستشرف عرى العلاقة التاريخية وربطه بما جرى ويجري في البلاد العربية. فإذا نظرنا للخارطة سنجد أن فلسطين وهي القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام التي تشكل بحكم موقعها الجغرافي الجسر الحقيقي للعلاقات المناطقية والوحيد بين بيئات جيوستراتيجية عديدة أهمها ما يلي:
أ – هي جسر بين الحجاز والبحر المتوسط، أي هي جسر بين الجزيرة العربية بنجدها وحجازها ويمنها وعسيرها وعمانها، وبين البحر المتوسط الذي تمثل غزة منفذه.
ب – كما أنها جسر بين بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب العربي.
ج – وهي كذلك إطلالة أمينة للعراق على جنوبي البحر المتوسط وجسره باتجاه مصر والمغرب العربي.
د – وفلسطين هي الحلقة الرابطة بين أوروبا (ومن ورائها أميركا) وجنوب بلاد الشام والجزيرة العربية والعراق.
هـ – تتمتع فلسطين نتيجة تنوع بيئتها (الساحلية، الجبلية، والصحراوية) بأهمية تنوع ثرواتها الطبيعية وكفاءة أهلها وتناغمهم مع مختلف البيئات، إذ يتمتع الفلسطينيون بما يمكن أن ندعوه بـ(الذهنية الخلاقة) مما يجعل منهم نداً للشعوب والبيئات المتقدمة، فهم ليسوا أقل منها قدرة على الإنجاز والإبداع.
و – تقع في فلسطين بقعة من أقدس بقاع الأرض التي تضم المسجد الأقصى مسرى النبي الكريم (صلعم) الذي بارك الله حوله وأرى نبيه الكريم آياته، فهي إذن قدسنا وليست أورشليمهم، وهي أقصانا وليست هيكلهم، وانطلاقاً من ذلك فليس لأحد أن ينوب عن الأمة في حمل أمانة فلسطين إلا الأمة كلها وبإجماعها وبقناعتها.
ز – تيسير الثروات الطبيعية التي حباها الله بأرض العرب التي من المفترض أن تكون لكل العرب ولا نقصد توزيعها حصص على كل فرد، بل جعلها من الأساسيات لتقدم وتطور الأمة، وهذا كانت الأمة ولا تزال بحاجة إلى القائد التاريخي أو القيادة الوطنية القومية الانتماء لرفد مسار الأمة ليحقق آمالها وإعادتها إلى مصاف الأمم كما كانت عبر التاريخ.
مما تقدم ندرك ونحن الذين نهلنا الفكر القومي العربي في بيئة أساساً هي بيئة قومية مترابطة لا تعرف للحدود معالماً، ولا للتفرقة والطائفية والمذهبية درباً، هي البيئة العربية التي تتمتع بالمزايا التالية:
أ – قومية الانتماء والنظرة.
ب – فهم واع لطبيعة الاستعمار الغربي.
ج – كره متوارث للنوايا الأجنبية المبيتة.
ومن نهلنا من نبع العروبة والفكر القومي الذي تبلور في حقبة الأربعينات، وترصن بفعل التحدي الكبير الذي شكله الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، والتآمر الكولينيالي البريطاني والفرنسي لفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والجزائر وللجزيرة العربية بشكل مباشر وغير مباشر. وكذلك الاستعمار الكولينيالي الإيطالي لليبيا والصومال وغيرهم من دول شمال إفريقيا العربية، ترسخت لدينا فكرة أن العرب أمة واحدة ومستهدفة من قوى الشر أبداً، كما ترسخت لدينا قضية عروبة فلسطين وأمانة استعادتها بعد آلاف الشهداء والجرحى والمعاقين على أرضها، كذلك ترسخ لدينا الرفض التام للمساومة على أي جزء من فلسطين وباقي الأراضي العربية المحتلة من لواء الاسكندرون وعربستان وسبتة ومليلة والجزر العربية الثلاث في الخليج العربي الذي يحاول أعداء الإنسانية سلخه وتسميته (الخليج الفارسي).
ومن أجل فلسطين تم وضع الموازنات العسكرية الضخمة، وشراء الأسلحة ومحاولة تنويع مصادرها، كما تمت الانقلابات العسكرية والمدنية في البلدان العربية، وتم وضع الدروس الخاصة في المناهج الدراسية لكافة البلدان العربية حتى بعد تجزئتها بناء على اتفاقية (سايكس – بيكو) وإلى اليوم لا زلنا نردد بأن فلسطين عربية كلها من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وهي كل واحد لا يتجزأ ولا يجوز تجزئتها أو القبول بتجزئتها مهما كانت الضغوط ومهما كانت التحديات.
من هذا المنطلق القومي والنظرة الشمولية لقومية الأهداف الوطنية على الصعيد القطري التي لا تتقاطع مع الأهداف القومية، تربينا ونشأت أجيال وأجيال لتحقيقها وبلوغها. من هذه النظرة للقدرة القومية بإطارها الشامل تجاه فلسطين، لا بما يحدث من متغيرات طارئة بفعل بعض الخونة لأنفسهم وأهلهم قبل أن يخونوا الأمة والوطن الذين تآمروا العراق وإسقاطه سنة 2003 الذي كان سنداً داعماً للقضية الفلسطينية، بالتعاون مع ملالي قم وطهران ولا يزالوا يتآمرون على الأمة في باقي الأقطار العربية.
وبما أنه من الضروري أن تبقى جذوة الصراع مشتعلة فعلينا العمل على بناء الجيل جديد يؤمن بما آمنا نحن به من خلال الواقع الملموس والمحافظة على النهج العلمي الصحيح وإعادة كتابة تاريخ الأمة بأيد عربية، وهكذا يمكن أن نسلم أجيالنا القادمة أمانة عروبة فلسطين وعروبة ووحدة العراق وكل أجزاء الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، ونحن على ثقة تامة بأن ما تحقق من إنجازات وطنية وقومية وفكرية على يد أبناء جيلنا، رغم كل ما يقال عن انكسارات وهزائم وهي في الواقع كثيرة، ولكن يبقى أننا حافظنا على استمرار النهج العربي القومي، وأن الأجيال القادمة كما أعتقد أنها ستحقق أكثر مما حققنا نحن، لأن الأجيال اللاحقة ستكمل المسيرة بأساليب مختلفة من أجل تحقيق الأهداف التي آمنا بها، وهذا هو سبب الهجمة الصهيو-أمريكية على تفتيت المجتمع العربي من خلال الفضائيات الناطقة بالعربية، والأغاني الهابطة بكل معنى الكلمة، والتحكم بالتعليم، وإلغاء المناهج التربوية الوطنية والقومية، وإلهائه بالمخدرات والجنس والفساد.
وأخيراً علينا دائماً أن نتذكر بأن قوة العدو هي نتيجة لضعفنا وفرقتنا وحتى اليوم تفرقنا يزداد عبر تكاثر الآراء وعدم الاتفاق على أننا في النهاية كلنا مستهدفون بعد أن صارت بلادنا مشاع لأعداء الإنسانية.
هذه بعض من ملامح الفكر القومي الذي آمنا به والذي سيبقى أمانة للأجيال القادمة وكلمة الفصل بما يخص الصراع العربي – الصهيوني، ونؤكد مرة أخرى إن الالتزام بالفكر القومي ووحدة المصير هو الذي سيقود الأمة للتخلص من هذا السرطان الخبيث وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، أمام كل ذلك علينا أن نبقي على جذوة العروبة مشتعلة.




