بوادر حرب تجارية بين «العملاقَين» | بكين لواشنطن: سنقاتل حتى النهاية!

بوادر حرب تجارية بين «العملاقَين» | بكين لواشنطن: سنقاتل حتى النهاية!
بعد رسائل متضاربة صدرت منه ومن كبار مساعديه حول مدى استعداد الإدارة للتفاوض مع الشركاء التجاريين، حول حملة التعرفات الجمركية الأخيرة، أكّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الإثنين، أنّه «لا يتم النظر في رفع التعرفات حالياً»، مشيراً في المقابل إلى أنّه «قد يكون منفتحاً على بعض المفاوضات». وفي ما يتعلق بالصين تحديداً، أثارت تهديدات ترامب الأخيرة بزيادة الرسوم الجمركية لتتجاوز الـ100%، مخاوف من حرب تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، قد تصل إلى حدّ «الفصل» كلياً بينهما، لا سيما أنّ «الجمهورية الشعبية» لا تبدو مستعدة، بأي شكل، للتراجع في مواجهة دائماً ما اعتبر بعض صناع السياسة الصينيين أنّها «حتمية».
وأوضح ترامب، في تصريحاته، أنّ بعض الرسوم الجمركية ستكون «ثابتة»، مشيراً إلى أنه يمكن «إجراء مفاوضات مع بعض الدول، نظراً إلى أنّ هناك (أشياء) نحتاجها تتجاوز الرسوم الجمركية»، في إشارة إلى نيته «ابتزاز» بعض الدول، لانتزاع تنازلات مستقبلية منها، مثل ما يفعل مع أوكرانيا في ما يتعلق بالمعادن النادرة، إنّما، هذه المرة، من باب التعرفات الجمركية. وجاء ذلك فيما كان لافتاً حديث بعض وسائل الإعلام الأميركية، نقلاً عن مصادر، عن أنّ إيلون ماسك «ناشد» ترامب للتراجع عن «هجمة» الرسوم، خلال عطلة نهاية الأسبوع، منتقداً، في وابل من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، خطوات الرئيس الأخيرة، فيما كان للمستشار التجاري للبيت الأبيض، بيتر نافارو، الذي سبق أن لعب الدور الأكبر في وضع خطط التعرفات الجديدة، حصته من الهجوم أيضاً.
وطبقاً لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، فإنّ الخلاف الأخير بين ماسك وترامب، يمثل الشرخ الأبرز بين الرئيس وأحد مستشاريه الرئيسيين، والذي ضخ ما يقرب من 290 مليون دولار لدعمه وعدد من الجمهوريين الآخرين في انتخابات العام الماضي. ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى الضرر الهائل الذي لحق بماسك على خلفية الرسوم الأخيرة، إذ تحدثت صحيفة «فورتشن»، الإثنين، عن أنّ ثروة الأخير انخفضت بمقدار 20 مليار دولار، ليصل مجموع ما خسره، منذ بداية العام وحتى الآن، إلى «أكثر من 130 مليار دولار».
على أنّ المصادر نفسها أكّدت أنّ محاولات ماسك لا تزال تبوء بالفشل، لا سيما أنّ ترامب هدد بإضافة رسوم جمركية جديدة بنسبة 50% على الواردات من الصين، ما لم تتراجع بكين عن الرسوم الانتقامية التي فرضتها بنسبة 34%، ما سيرفع إجمالي الرسوم الأميركية عليها إلى 104%. كما هدّد الرئيس الأميركي أيضاً بـ«إنهاء جميع المحادثات مع الصين بشأن اجتماعاتها المطلوبة معنا»، مشيراً إلى أن «المفاوضات ستبدأ مع الدول الأخرى التي طلبت عقد اجتماعات، وفوراً».
وفي المقابل، ورداً على سؤال من الصحافيين بشأن ما إذا كان هناك أي اتصال أو محادثات بين الصين والولايات المتحدة على أي مستوى، بعد الإجراءات المضادة التي اتخذتها بكين، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، أمس، إنّه «لا يعتقد أنّ ما فعله الجانب الأميركي يعكس استعداداً لإجراء محادثات جادة»، مشدداً على أنّه في حال وجود نية فعلية لدى واشنطن لـ«التحدث»، فعليها «التعامل بمساواة واحترام وعلى مبدأ المعاملة بالمثل». كما أكد المسؤول الصيني أنّه «في حال تجاهل الجانب الأميركي مصالح البلدين والمجتمع الدولي، وأصر على شن حرب جمركية أو حرب تجارية، فإن الصين ستقاتل حتى النهاية». وانسحب الموقف نفسه على وزارة التجارة الصينية، والتي اتهمت ترامب بـ«ابتزاز» بلادها.
وفي حين يبدو أنّ بكين لن ترضخ للضغوط الأميركية، لفتت صحيفة «نيويورك تايمز»، في تقرير، إلى أنّه إلى جانب التصريحات العلنية الصادرة من الصين، فإنّ جملة من الوقائع السياسية والاقتصادية تجعل من غير المقبول، بالنسبة إلى الرئيس الصيني، شي جين بينغ، تقديم تنازلات لأكبر شريك تجاري منفرد لبلاده ومنافسها الرئيسي على الساحة العالمية. وعليه، ومع رفض ترامب أيضاً التراجع عن موقفه، «قد تكون الحرب التجارية المدمرة بين أكبر اقتصادين أمراً لا مفر منه»، وهي حرب «ذات عواقب مؤلمة ستشعر بها الدول في جميع أنحاء العالم».
خلصت «الحسابات» التي أجرتها بكين إلى أنّه «لا مفر» من المواجهة مع واشنطن
وأشار التقرير إلى أنّ الرئيس الصيني يظهر في موقف «المنقذ الوطني الذي يجدد عظمة بلاده»، ما يعني أنّ بكين لن تحاول، على غرار ما فعل بعض شركاء واشنطن التجاريين من مثل فيتنام، «التراجع عن محاربة واشنطن». كما نقلت الصحيفة عن جوليان غويرتز، مسؤول السياسة الصينية الكبير السابق في البيت الأبيض ووزارة الخارجية في عهد جو بايدن، قوله إنّ رد الصين حتى الآن يؤكد «ثلاثة أمور، العزم والمرونة والانتقام»، مشيراً إلى أنّ «الرسائل الرسمية من الصين تفيد بأنّهم مصممون على مواجهة الضغط الأميركي حتى في حال وجود تكاليف باهظة».
ويسهم الرأي المشار إليه في فهم سبب تقويض الصين لصفقة بيع جزء من «تيك توك» للمستثمرين الأميركيين، الأسبوع الماضي، ومقاومتها بيع الموانئ المملوكة لشركة مقرها هونغ كونغ على طول قناة بنما، جنباً إلى جنب تهديد بكين، أمس، بـ«مزيد من الإجراءات المضادة»، في حال فرض ترامب تعرفات إضافية بقيمة 50%، وفقاً لما تعهد به، وإعلانها أنّها «مستعدة لإجراء محادثات، إنما ليس تحت الإكراه». والظاهر أنّ «الحسابات» التي أجرتها بكين، أخيراً، خلصت إلى أنّه «لا مفر من المواجهة» مع واشنطن، بعدما طاولت رسوم الأخيرة كافة الدول حول العالم، بما في ذلك دول مثل فيتنام وتايلاند، حيث أقامت الشركات الصينية مصانع لتجنب التعرفات الأميركية في الماضي، ما جعل الصين تتمسك، حالياً، بفكرة أنّ الولايات المتحدة «مصممة على منع صعودها».
وفي هذا الإطار، يجادل مراقبون بأنّ «الجمهورية الشعبية» خلصت إلى أنّها «لن تكسب إلا القليل عبر الاستسلام لشروط ترامب الأخيرة»، بالنظر إلى أن الخيار المذكور لن يسهم في «معالجة التحدي الأساسي مع الولايات المتحدة»، بل سيؤدي إلى «تأجيله» فحسب، في إشارة إلى «تصميم أميركا على تدمير الاقتصاد الصيني». ويؤكد يون صن، مدير برنامج الصين في «مركز ستيمسون» بواشنطن، أنّ بكين ترى أن ترامب يركز على تقويض هيمنة الصين على الصادرات من أجل إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، فيما قد يكون «الانفصال الكامل بين الاقتصادين هو الهدف الأخير»، أو على الأقل، هذا ما تعتقده بكين، لا سيما أنّ شي حذر، بشكل مستمر، من أنّ «صعود الصين لن يمر من دون مواجهة من الغرب»، ما دفعه إلى الاستثمار بكثافة في تعزيز «الاكتفاء الذاتي الصيني».
وإذ لن تكون تبعات الحرب التجارية المشار إليها سهلة على الاقتصاد الصيني، فإنّ بعض المحللين في الصين يعتبرون أنّ ترامب هو «أكثر عرضة للاستسلام للضغوط المحلية، ما قد يدفعه إلى تغيير المسار بسبب ارتفاع تكاليف السلع وانخفاض قيمة الأسهم في الولايات المتحدة». وفي هذا السياق، يقول وانغ وين، عميد «معهد تشونغ يانغ» للدراسات المالية في «جامعة رينمين» في بكين، في حديث إلى الصحيفة الأميركية نفسها، إنّه «إذا كان الأمر يتعلق بمن يمكنه تحمل المزيد من الألم، فإنّ الصين لن تكون هي الخاسرة»، نظراً إلى أنّ «الولايات المتحدة بحاجة إلى الصين، أكثر مما تحتاج الصين إليها»، لا سيما أنّ «المصانع الصينية تصنع أجزاء ومكونات لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر في العالم».
ومن جهتها، ذكرت صحيفة «فورين بوليسي» أنّ الزراعة تبدو «هدفاً ليناً بالنسبة إلى الصين، التي فرضت رسوماً، في وقت سابق من العام الجاري، بنسبة 10 إلى 15 في المئة على الصادرات الأميركية الرئيسية في ذلك القطاع، بما فيها الدجاج وفول الصويا»، مشيرةً إلى أنّ الصين هي أكبر سوق زراعي للمصدرين الأميركيين، ما يعني أنّ التعرفات الجديدة ستكون «مؤلمة جداً لهؤلاء، ومعظمهم في الولايات ذات الميول الجمهورية، والذين يعانون بالفعل من إلغاء عقود الحكومة الأميركية وانخفاض الأسعار».
وبالتوازي، تستغل بكين «الفوضى» الناجمة عن تعرفات ترامب لمحاولة دفع بقية العالم بعيداً عن «المدار الأميركي»، وسط حديث بعض المصادر عن أنّ الرئيس الصيني يعتزم زيارة دول جنوب شرق آسيا، بما في ذلك فيتنام، الأسبوع المقبل، في وقت تحاول فيه «الجمهورية الشعبية»، أيضاً، خلق «جبهة موحدة» مع اليابان وكوريا الجنوبية ضد الإجراءات الأميركية الأخيرة.
وطبقاً لـ«فورين أفيرز»، فإنّ دول جنوب شرق آسيا، والتي كانت تحاول اعتماد سياسة «التحوط» في المنافسة بين واشنطن وبكين، قد تعمد، على الأرجح، إلى التقرب من المدار الصيني، بحثاً عن «سوق يمتص سلعها». أمّا تايوان، والتي بلغت قيمة التعرفات الجمركية الأميركية المفروضة عليها أخيراً، الـ32%، وتعرضت لانتقادات جديدة من جانب ترامب، على خلفية احتكارها لـ«رقائق الكمبيوتر وأشباه المواصلات»، فلم يعد المسؤولون فيها يمتلكون «هامشاً كبيراً للمناورة» والرد على «التدريبات العسكرية المتزايدة» التي تجريها الصين حولها.
الاخبار





