كتب
بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة… كيف تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية بوصلتها؟

بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة… كيف تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية بوصلتها؟
بقلم: رئيس التحرير
تمر القضية الفلسطينية اليوم بمرحلة بالغة الخطورة والتعقيد، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد الاستيطان، وتراجع فرص التسوية السياسية، إلى جانب الانقسام الداخلي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت ثقة المواطن بالمشهد السياسي الفلسطيني، وأدخلت المشروع الوطني في حالة من القلق والارتباك.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تعود الذاكرة الوطنية إلى جيل المؤسسين الأوائل الذين حملوا القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وإنساني، لا مجرد سلطة أو إدارة حكم ذاتي. فقد آمن هؤلاء القادة بأن فلسطين قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.
وفي مقدمة هؤلاء القادة يبرز الشهيد ياسر عرفات، الذي استطاع الجمع بين الكفاح الوطني والعمل السياسي والدبلوماسي، محافظاً على حضور القضية الفلسطينية دولياً رغم شدة الضغوط. كما يبرز الرئيس محمود عباس، أحد المؤسسين الأوائل لحركة فتح، الذي تبنى نهج العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي للحفاظ على الاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية الفلسطينية في ظل اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية.
كما شكّل قادة تاريخيون مثل خالد الحسن، وصلاح خلف، وفاروق القدومي، وخليل الوزير، وغيرهم، مدارس سياسية وتنظيمية متعددة داخل التجربة الوطنية الفلسطينية، رغم اختلاف اجتهاداتهم بشأن أساليب إدارة الصراع أو اتفاق أوسلو، إلا أنهم التقوا جميعاً حول هدف مركزي يتمثل في حماية المشروع الوطني الفلسطيني والحفاظ على الهوية الوطنية ومنع تصفية القضية الفلسطينية.
واليوم، ومع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا يقف الفلسطينيون أمام استحقاق تنظيمي داخلي فحسب، بل أمام لحظة مراجعة تاريخية لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في انتخاب لجنة مركزية أو مجلس ثوري، بل في القدرة على إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد أدواته واستعادة البوصلة الوطنية.
لقد أثبتت التجربة أن إسرائيل استغلت الانقسام الفلسطيني والتحولات الإقليمية والدولية لتوسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض، فيما وجد الفلسطيني نفسه عالقاً بين مشروع ثوري فقد جزءاً من زخمه، وسلطة تواجه تحديات معقدة دون أفق سياسي واضح، ما ولّد حالة من الإحباط لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، وخاصة الشباب.
إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية، وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الشراكة والديمقراطية، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني بحيث تبقى السلطة أداة لتعزيز صمود المواطن لا بديلاً عن مشروع التحرر الوطني.
كما تفرض المرحلة الراهنة ضرورة بناء رؤية وطنية استراتيجية موحدة تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والمقاومة الشعبية السلمية، وتعزز صمود المواطن الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، إلى جانب ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام الحريات وسيادة القانون.
إن استحضار إرث القادة المؤسسين يجب أن يكون دافعاً لاستعادة الوحدة الوطنية وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني، لأن قوة الشعب الفلسطيني كانت دائماً في قدرته على التوحد حول قضيته العادلة رغم كل التحديات




