مقالات

بين نظرية المؤامرة “الشعبية” وإنكار المؤامرة ” الإستعمارى” د.صبرى محمد خليل/استاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم

د.صبرى محمد خليل/استاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم

بين نظرية المؤامرة “الشعبية” وإنكار المؤامرة ” الإستعمارى”

د.صبرى محمد خليل/استاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم
تفسير الأحداث بين إتجاهين: إن محاولات تفسير اى حدث “سلبى” تتجه الى إتجاهين :
الإتجاه الأول” نظرية المؤامرة “: يركز على المؤمرات الخارجية كسبب رئيسى لها . وهذا الإتجاه يسود بين الشعوب – كمحصله لعوامل متعددة – وتوظفه الحكومات المحلية بغرض منح ذاتها شرعية تمثيل إرادة شعوبها.
الإتجاه الثانى”إنكار المؤامرة”: يركز على أخطاء الشعوب أو الحكومات المحلية كسبب رئيسى لها . وهذا الإتجاه تتبناه – غالبا – القوى الإستعمارية ، وأدواتها من قوى محلية عميلة لها ، بغرض تخدير الشعوب ، حتى لا تعى بما تحيكه من مؤامرات ضدها ، تهدف الى نهب ثرواتها الإقتصادية والطبيعية( مثل المخطط الإمبريالى- الصهيونى ضد الأمة، الذى أطلق عليه إسم ” مشروع الشرق الأوسط الجديد”، والذى بدأ تطبيقة فى المنطقة ، منذ العقد السابع من القرن الماضى )، ومن ثم لا تقاوم الشعوب هذه المؤمرات..
نقد الإتجاهين بين التفهم و الإدانه : رغم تقريرنا أن كلا الإتجاهين لا يعبران عن الإتجاه الصحيح ” الموضوعى”، فى تفسير الأحداث السلبية، الإ أننا نقرر فى ذات الوقت:
أولا: تفهم دوافع الإتجاه الاول: اننا نتفهم الدوافع وراء تبنى الشعوب الإتجاه الأول ” نظرية المؤامرة” ، ونرجعها إلى عوامل ” موضوعية”، تقتضى معالجه تحتاج إلى جهد مشترك ، وحيز زمانى طويل نسبيا، لأنها تشكلت عبر مراحل تاريخية طويلة. فهنا نوجه الإدانه الى هذه العوامل – وليس الى الشعوب فقط – ثم الى المثقفين ،الذين بدلا من ان يكونوا طليعه تقود شعوبهم – معرفيا- تحولو الى نخب معزوله عنها، تهدف الى تحقيق مصالحها الخاصه، واصبحوا مجرد أدوات بيد اعدائها.
ثانيا: إدانه غرض الإتجاه الثانى: وندين الغرض وراء الإتجاه الثانى ” إنكار المؤامرة”، والذى اشرنا إليه اعلاه من تخدير للشعوب وتزييف للوعى الشعبى، لتحقيق اهدافها ” غير اخلاقية”، كنهب ثروات هذه الشعوب.
اوجه النقد للإتجاهين:
بين العوامل الداخلية والخارجية : فالإتجاه الأول يركز على العوامل الخارجية” كالتبعيه والإستعمار..”، ويتجاهل العوامل الداخلية” كالجمود والإستبداد..”. والإتجاه الثانى يركز على العوامل الداخلية، ويتجاهل العوامل الخارجية . بينما الإتجاه الصحيح” التقويم الموضوعى” أن أى حدث هو محصلة تفاعل عوامل داخلية وخارجية.
الإدانة والمسئولية: كما أن الإتجاه الأول يحمل القوى الخارجية” الإستعمارية” مسئولية الحدث السلبى المعين، ويوجه الإدانه اليها ، ويعفى القوى الداخليه” الشعوب او الحكومات المحليه” من اى مسئولية او إدانه . بينما الإتجاه الثانى يحمل القوى الداخلية مسئولية الحدث السلبى، ويعفى القوى الخارجية من اى مسئولية او إدانة . بينما الإتجاه الصحيح ” التقويم الموضوعى ” ان تحمل كلا القوتين مسئولية الحدث السلبى- وتوجه لكلاهما الإدانة- ولو بدرجات متفاوتة، بدون إعفاء تام لاى منهما.
كلا الإتجاهين ذاتيان: فكلاهما يركزان على العامل الذاتى فى الحدث السلبى، سواءا كان عنصرا ذاتيا مواتيا” الشعوب اوالحكومات المحلية “، أو معاديا “التأمر الإستعمارى الخارجى” ، الذى ما كان لينجح لولا عدم الكفاءة الذاتية” والتى تشمل اساليب التفكير والسلوك التى تسود فى الوعى الشعبى واساليب حكم وادارة الدولة “..
التقويم الموضوعى والتحديد الصحيح للعوامل الذاتية: و التقويم الموضوعى لا يستبعد دور العوامل الذاتية فى الأحداث، ولكنه يرفض تضخيم هذا الدور ، بحيث يلغى دور العوامل الموضوعية ، فالتأمر الخارجى غير منكور – كما يحاول أن يصور الإتجاه الثانى – ولكنه ليس كراهية عاطفية – كما يتصور كثير من أنصار الإتجاه الأول- بل هو احباط لمحاولة الشعوب توظيف مواردها المادية والبشرية لمصلحتها، لتبقى تلك الموارد المادية والبشرية متاحة للقوى المتأمرة، فهى فعل يستند الى مبررات موضوعية تماما، ولكنها غير اخلاقية. كما ان حركة الشعوب اوالحكومات المحليه، ليس اختيارا “ذاتيا” مقطوع الصلة بالواقع” السياسى والإقتصادى والإجتماعى…”.
الجذور المعرفيه للإتجاه الأول وضرورة معالجتها: والإتجاه الإول” نظرية المؤامره” يدل على شيوع بعض انماط التفكير الخرافى والأسطورى ، لأن الذاتيه وإنتفاء الموضوعية- وهما الأساس المعرفى لهذا الاتجاة- من خصائص نمطى التفكير اللاعلمى” الخرافى”، و اللاعقلانى “الاسطورى”. لذا فان نشر الوعى العلمى و العقلانى- غير المتناقض مع ثوابت الدين، التى تشكل الهيكل الحضارى للأمة- من أهم وسائل معالجة هذه الجذور المعرفية.
تفعيل دور المثقفين : كما ان هذا الإتجاه يدل على أن ثمة عقبات موضوعية امام حركة الشعوب لم يكشف عنها المثقفون ، وبالتالى لم يستطعوا ان يقوموا بدورهم فى الكشف عن أساليب ووسائل وأدوات تخطيها، كما أشار الى ذلك الدكتور عصمت سيف الدوله ” رحمه الله تعالى”، فى كتابه ( عن العروبة والإسلام).
التاثير المتبادل: طبقا لهذا فإن التفسير الصحيح لأى حدث سلبى ، يتجاوز النظرة الأحادية، التى تركز على العوامل الداخلية فقط، أو العوامل الخارجية فقط، إلى نظرةشاملة ترى انه محصلة عوامل متعددة متفاعلة:
اولا:عوامل خارجية: تتمثل فى وجود قوى متأمرة” دولية وإقليمية متحالفة معها، ومحلية تابعه لها ، تحاول إحباط توظيف الشعوب لمورادها، لتبقى متاحة لها” مشروع الشرق الأوسط الجديد: الإمبريالى- الصهيونى كنموذج معاصر”.
ثانيا: عوامل داخلية:عدم الكفاءة الذاتية، والتى تشمل:
ا/اساليب التفكير والسلوك السلبية، التى تسود فى الوعى الشعبى” كشيوع أنماط التفكير والسلوك شبه (البدعى /الخرافى/ الاسطورى)، والجمود والتقليد…
ب/اساليب حكم وإدارة الدولة الخاطئة. ” كالاستبداد والفساد…”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب