مقالات

ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية: دعم سياسي أم تحوّل في الحسابات الاستراتيجية الأميركية؟

ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية: دعم سياسي أم تحوّل في الحسابات الاستراتيجية الأميركية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يكتسب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية أهمية تتجاوز حدود المجاملة السياسية، نظراً إلى ما تحمله العلاقة الأميركية الإسرائيلية من أبعاد استراتيجية وأمنية واقتصادية، وانعكاساتها المباشرة على مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفلسطينية والمواجهة مع إيران.

وتكمن أهمية هذا الموقف في توقيته ومضمونه؛ فحين يعلن رئيس الولايات المتحدة تأييده العلني لاستمرار رئيس حكومة حليف في منصبه، فإنه يبعث برسالة سياسية تتصل بمصالح واشنطن الإقليمية وتصورها لأولويات المرحلة المقبلة. غير أن قراءة هذه الرسالة تتطلب التمييز بين استمرار الثوابت التقليدية في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وبين تفضيل إدارة أميركية لقيادة إسرائيلية ترى أنها أكثر انسجاماً مع توجهاتها.

العلاقة الأميركية الإسرائيلية وحسابات الانتخابات

لم يكن الدعم الأميركي لإسرائيل مرتبطاً بشخص رئيس حكومة بعينه، بل استند تاريخياً إلى شراكة استراتيجية ممتدة تشمل التعاون العسكري والأمني والاستخباري والتنسيق السياسي. لكن إعلان ترامب تأييده نتنياهو بصورة مباشرة يضفي على هذه الشراكة بُعداً انتخابياً، ويضع العلاقة الشخصية والسياسية بين الرجلين في صلب النقاش بشأن مستقبل القيادة الإسرائيلية.

وتشير هذه الرسالة إلى أن إدارة ترامب تنظر إلى استمرار نتنياهو من زاوية المصالح الأمنية والسياسية الأميركية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية. ومع ذلك، فإن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يحسم وحده خيارات الناخب الإسرائيلي؛ إذ تبقى النتائج الانتخابية مرتبطة بعوامل داخلية، تشمل تقييم أداء الحكومة، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والملفات الأمنية، ومستوى الثقة بالقيادة السياسية.

ومن هنا، فإن الأثر الفعلي للموقف الأميركي يتوقف على كيفية تلقيه داخل إسرائيل، ومدى توظيفه في الحملات الانتخابية، وما إذا كان سيترجم إلى سياسات عملية تتجاوز حدود التصريحات.

إيران في قلب الرسالة الأميركية

احتلت المواجهة مع إيران موقعاً بارزاً في خطاب ترامب، الذي ربط دعم نتنياهو بموقفه من التحديات الأمنية والإقليمية. ويعكس ذلك استمرار حضور الملف الإيراني في الحسابات الأميركية والإسرائيلية، في ظل تباين المواقف بشأن طبيعة التهديدات ووسائل التعامل معها.

لكن التركيز على الخيار العسكري وحده لا يقدم إجابة شاملة عن مستقبل الأمن الإقليمي. فالتجارب تؤكد أن القوة العسكرية قد تحقق أهدافاً مرحلية، لكنها لا تضمن بالضرورة تسوية مستدامة، خصوصاً عندما تتداخل المصالح الإقليمية مع اعتبارات الردع والأمن والطاقة والاستقرار الاقتصادي.

والسؤال الجوهري هنا ليس فقط ما إذا كان نتنياهو يحظى بدعم ترامب، بل ما إذا كانت واشنطن تمتلك تصوراً متكاملاً لإدارة الخلافات الإقليمية، يجمع بين متطلبات الأمن والدبلوماسية، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.

هل نحن أمام تحول في السياسة الأميركية؟

من المبكر اعتبار تصريحات ترامب تحولاً جذرياً في الاستراتيجية الأميركية؛ فذلك يحتاج إلى مؤشرات عملية تتصل بطبيعة المساعدات العسكرية، وآليات التنسيق الأمني، والموقف من إيران، والتعامل مع الاستيطان، ومستقبل التسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومع ذلك، فإن تأييد شخص رئيس الحكومة الإسرائيلية بهذه الصراحة يكشف عن تداخل واضح بين الحسابات الاستراتيجية والاعتبارات الانتخابية. كما يثير تساؤلات بشأن حدود تأثير واشنطن في المشهد السياسي الإسرائيلي، ومدى قدرة هذا التأثير على تعزيز خيارات معينة دون أن يلغي استقلال القرار الانتخابي الإسرائيلي.

فالتحالفات الدولية لا تقوم على العلاقات الشخصية وحدها، بل على المصالح المتبادلة وتقديرات الأمن القومي. وقد تتقاطع هذه المصالح في مرحلة معينة، لكنها تظل خاضعة لتغير الظروف والتوازنات الإقليمية والدولية.

القضية الفلسطينية معيار الاختبار

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تكمن أهمية الموقف الأميركي في تأييد نتنياهو أو عدم تأييده فحسب، وإنما في انعكاساته على مستقبل القضية الفلسطينية، ومصير الاستيطان، وأوضاع قطاع غزة، والقدس، وإمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة.

فأي مقاربة أميركية للمنطقة لا تضع الحقوق الوطنية الفلسطينية في صلب الحل ستبقى محدودة القدرة على إنتاج استقرار مستدام. كما أن الحديث عن السلام يحتاج إلى ترجمة سياسية عملية تحترم قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتوفر أساساً لإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ومن هذا المنطلق، فإن المعيار الحقيقي لأي تحول في السياسة الأميركية يتمثل في مدى استعداد واشنطن للانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه، والتعامل بجدية مع الاستيطان والضم، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لمسار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

الخلاصة

إن دعم ترامب لنتنياهو يمثل رسالة سياسية ذات دلالات انتخابية واستراتيجية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول شامل في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وستظل دلالته الحقيقية مرتبطة بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من قرارات ومواقف عملية، سواء في التعامل مع إيران أو في مستقبل القضية الفلسطينية.

فالاستقرار الإقليمي لا يتحقق بتعزيز التحالفات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى معالجة جذور الصراع، واحترام الحقوق الوطنية المشروعة، وتوفير أفق سياسي عادل. ومن دون ذلك، ستظل المنطقة عرضة للتوترات المتجددة، مهما تبدلت القيادات أو تغيرت التحالفات.

المحامي علي أبو حبلة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب