عربي دولي

ترامب يرهب القضاة: أنا القانون!

ترامب يرهب القضاة: أنا القانون!

خضر خروبي

لم يكن القضاء الأميركي، منذ اللحظات الأولى لعودة دونالد ترامب، الذي سجّل في أقلّ من شهرين رقماً ملحوظاً في عدد القرارات التنفيذية التي وقّعها – قارب الثمانين -، بعيداً من محاولات الأخير إخضاع السلطة القضائية وترهيبها خدمةً لأجندته الرئاسية.

بدأ ذلك بقرار ترامب إقالة جميع المدّعين العامّين المعيّنين في عهد الإدارة السابقة، ولا يبدو أنه سينتهي بـ«تمرّده» على قرارات محاكم أميركية رافضة لترحيل عدد من الشخصيات والطلاب بسبب «تعاطفهم» مع المقاومتَين الفلسطينية واللبنانية؛ ومن بين هؤلاء بدر خان سوري (هندي الجنسية، ومتزوّج من مواطنة أميركية)، الذي شارك في الاحتجاجات الطالبية العام الماضي، ويدرس في جامعة «جورج تاون» في واشنطن، والحاصل على الإقامة في الولايات المتحدة بموجب تأشيرة دراسية؛ والطبيبة والأستاذة المساعدة في كلية الطب في جامعة «براون» رشا علوية، الحاصلة على إقامة دائمة في الولايات المتحدة.

ترامب يصوّب على قضاة «فاسدين» و«مختلّين عقليّاً»!

وفي حين يُنظر إلى خطوة ترحيل علوية على أنّها مخالفة لقرار قاضي المحكمة الجزائية الأميركية، ليو سوروكين، المُعيّن خلال عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي يَحظر إبعاد حاملي التأشيرة الأميركية بصورة فورية من البلاد، زعمت الناطقة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلولين، أنّ سوري متّهم بـ«نشر دعاية حماس بشكل نشط والترويج لمعاداة السامية على وسائل التواصل الاجتماعي»، من دون تقديم أيّ أدلّة، مشيرة إلى أنّ قرار ترحيله اتُّخذ بالاستناد إلى مادة من «قانون الأعداء الأجانب» الصادر عام 1798 (يمكن تفعيله فقط في حالات الحرب)، والذي أعاد ترامب العمل به، لِما يمنح الرئيس من صلاحيات استثنائية في ما يتعلّق باستهداف المهاجرين وترحيلهم.

وعلى وقْع قبول القضاة لعدد كبير من الطعون في مراسيم كان وقّعها ترامب، حفِل الأسبوع الجاري بمشاحنات بين الإدارة الأميركية وبعض القضاة الفدراليين المخالفين لسياساتها – بخاصة على صعيد الهجرة -، ومن أبرزهم القاضي الفدرالي في ولاية واشنطن، جيمس بوسبرغ، الذي أمر، الأسبوع الماضي، بالشروع في إجراءات معجّلة لتعليق عمليات ترحيل نحو 200 مهاجر من السلفادور، بينما دعا الرئيس الأميركي إلى عزل الأخير، واصفاً إيّاه بـ«اليساري المجنون»، و«المتطرّف»، مع تشديده على أنّه «لا يمكن لأيّ قاضٍ أن يتولّى صلاحيات رئيس الولايات المتحدة».

أعاد ترامب العمل بـ«قانون الأعداء الأجانب»، لِما يمنح الرئيس من صلاحيات استثنائية في ما يتعلّق باستهداف المهاجرين وترحيلهم

واستكمل ترامب هجومه على بوسبورغ، بالقول: «لقد فزت بتفويض شامل لأسباب عديدة، لكنّ السبب الأول لهذا النصر التاريخي ربما هو مكافحة الهجرة غير الشرعية، وأنا فقط أفعل ما أراده الناخبون منّي». وتابع أنّ بوسبورغ مِثله مِثل العديد من «القضاة الفاسدين الذين أُجبرت على المثول أمامهم، ويجب عزْله»، مضيفاً «(أنّنا) لا نريد مجرمين عنيفين مختلّين عقليّاً في بلدنا».

وبدت لافتة مساندة رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، موقف القاضي على حساب الرئيس، علماً أن روبرتس، الذي مَثل أمامه ترامب لتأدية القسم خلال حفل تنصيبه رئيساً مطلع العام الجاري، كان أصدر حكماً أتاح للأخير الاستمرار في الترشّح للرئاسة، وتجاوز جهود بعض الولايات التي حاولت إبعاده، متذرّعة بأن الدستور يحظر على «المتمرّدين على الحكومة» تولّي المناصب العامة. وفي بيان رسمي، أوضح روبرتس أنّ «العزل، منذ أكثر من قرنين، ليس ردّاً مناسباً على قرارات القضاة»، مضيفاً أن عملية الاستئناف المعتادة موجودة لهذا الغرض.

حرب ترامب تتوسّع: ماذا بعد؟

وتعليقاً على ما سبق، تساءلت صحيفة «نيويورك تايمز»: «مَن الذي سيذود عن المدافعين عن الدستور؟»، معتبرة أن «المواجهة بين ترامب والمحاكم لن تكون في صالح الأول». وتابعت أنّ «الرئيس ومساعديه، وبالتعاون مع حلفائهم، بدأوا في تنفيذ حملة ترهيب ضدّ النظام القضائي، سواء من خلال أوامر تنفيذية ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على غرار عشرات الانتقادات اللاذعة التي وجّهها إيلون ماسك لقضاة شكّكوا في قانونيَّة سياسته على رأس وزارة الكفاءة الحكومية؛ أو من خلال تصريحات علنية، بل وحتى التماسات خطية لعزل قضاة» تقدّم بها عدد من مشرّعي الحزب الجمهوري، موضحةً أنّ «الهدف الواضح من تلك الخطوات يتركّز على نشر حالة من القلق والخوف لدى القضاة، إضافة إلى منعهم من أداء واجبهم الدستوري بإلزام إدارة ترامب العمل وفق القانون».

وأكّدت «نيويورك تايمز» أنّ إجراءات الرئيس الأميركي تنذر بـ«تقويض التوازنات والضوابط على مستوى النظام (السياسي) القائم في الولايات المتحدة، بطرق لم يألفها منذ عقود». وحذّرت من أن الحملة ضدّ القضاة «توسّعت لتطاول محامي القطاع الخاص وشركات المحاماة التي لا تروق ترامب»، معتبرة أنّ استهداف هذه الشركات بالذات له «دوافع سياسية»، على خلفية توظيفها محامين توكّلوا من قِبَل الديمقراطيين ضدّ ترامب في عدد من القضايا، فضلاً عن اشتراكهم في رفع دعاوى قضائية ضدّ مثيري الشغب في أحداث السادس من كانون الثاني/ يناير. ورأت الصحيفة أن «النتيجة الوحيدة المعقولة، من منظور ترامب، هي التأكيد أنّ الرئيس يمثّل الجهة التي يعود إليها حصراً تحديد ما هو قانوني وما هو غير قانوني، في موازاة سعي حلفائه لنزع الصفة الإنسانية عن القضاة الذين يختلفون معه، وجعل هؤلاء يعيشون حالة من القلق على سلامتهم».

وفي هذا الإطار، يتساءل متابعون للشأن الأميركي عن التحدّيات التي قد تواجهها الولايات المتحدة، إذا ما أصرّ العهد الجديد على تطبيق قراراته التنفيذية، على الرغم من أن الكثير منها بات موضع نزاع مع السلطة القضائية. وبحسب هؤلاء، فإنه من المحتمل أن يواجه كبار المسؤولين في إدارة ترامب، والذين سيعملون على تنفيذ أوامره بغضّ النظر عن القرارات القضائية، اتهامات بازدراء المحاكم، على الصعيدَين المدني والجنائي، وهي تهم قد تصل إلى حدّ تغريمهم مالياً، أو سجنهم، من دون أن تطاول بالضرورة الرئيس شخصيّاً، بسبب ما يتمتّع به من حصانة كرّسها حكم المحكمة العليا بعد «هجوم الكابيتول» في كانون الثاني 2021.

وبينما يمتلك ترامب صلاحيات دستورية تتيح له إصدار عفو عن مُدانين تطاولهم العقوبات الجنائية، كما حدث مع العديد من المتورّطين في أحداث «الكابيتول»، إلا أن المعارضين للرئيس في الكونغرس يمكنهم التصويت على عزل الرئيس، وهو سيناريو يثير مخاوف كبيرة لدى فريق البيت الأبيض، في حال أسفرت انتخابات الكونغرس المقرّرة عام 2025 عن انتصار كبير للديمقراطيين.

الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب