مقالات

تسليم ضمني باستحالة «النصر الاستراتيجي»: أميركا تعرض «مذكّرة تفاهم»

تسليم ضمني باستحالة «النصر الاستراتيجي»: أميركا تعرض «مذكّرة تفاهم»

يحيى دبوق

تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نحو تسوية مؤقتة عبر «مذكرة تفاهم» أميركية تمهّد لوقف إطلاق النار ومسار تفاوضي جديد. يأتي هذا فيما يعكس الطرح تراجع هدف «الاستسلام» مقابل صمود إيراني فرض معادلة احتواء متبادل.

بعد نحو سبعين يوماً من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن الحرب التي بدأت تحت سقف مرتفع من الأهداف الأميركية والإسرائيلية، بدأت تقترب من حدود تسوية مؤقتة، سيكون المنتصر فيها من استطاع الصمود، والمهزوم من فشل في تحقيق أهدافه المعلنة. فبدلًا من «الاستسلام غير المشروط» الذي لوّح به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الأسابيع الأولى، تدور النقاشات الآن حول «مذكرة تفاهم» مختصرة، مقترَحة من جانب الولايات المتحدة، تمهّد لوقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي جديد، ما يؤشر إلى تراجع أميركي واضح. ورغم أن هذا التحول لا يعكس هزيمة كاملة، لكنه يكشف حدود القوة العسكرية حين تُستخدم في مواجهة طويلة مع دولة قادرة على امتصاص الضربات والاستمرار في القتال وتحمّل الكلفة الباهظة.

صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكّنتا من توجيه ضربات مؤثرة إلى البنية العسكرية والنووية الإيرانية، واستهدفتا عدداً من القادة السياسيين والعسكريين والمنشآت الحساسة، إلا أن هذه النجاحات لم تتحوّل إلى نتيجة سياسية حاسمة، وفق ما أُريد منها. فالنظام الإيراني بقي قائماً، والقدرات الصاروخية لم تُشلّ، كما لم تختفِ البنية التقنية والمعرفية المرتبطة بالمشروع النووي. ومع انطلاق عجلة الدبلوماسية بعد المواجهة العسكرية الشاملة، ظهرت إيران، بتأثير من صمودها في الحرب، كندّ تفاوضي أمام الدولة العظمى، يطرح شروطاً ومطالب، ومن دون استعجال، خلافاً للأميركيين الذين باتت العجلة سِمة أدائهم، وهو ما يدفعهم إلى كثير من الأخطاء الميدانية والتفاوضية.

هكذا، استطاعت إيران الحفاظ على قدرتها الردعية وتثميرها، مواصِلةً في مرحلة المواجهة الشاملة – رغم الضغوط الاقتصادية والخسائر البشرية والعسكرية الكبيرة – إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وملوّحةً في مرحلة المفاوضات بإمكانية استئناف الضربات في حال عاد العدو إلى الخيارات العسكرية الواسعة النطاق. كذلك، نجحت طهران في إيجاد أداة اقتصادية فاعلة ومؤثّرة باتت في صلب الحرب وأهدافها لدى الجانب الأميركي؛ إذ إن إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة فيه انعكسا سريعاً على أسواق الطاقة العالمية وعلى الداخل الأميركي نفسه، ما أعطى إيران سلاحاً لم يكن كثيرون يظنّون أنها ستلجأ إليه.

انتقلت واشنطن من محاولة فرض الاستسلام إلى البحث عن صيغة احتواء

وبنتيجة من كلّ تلك العناصر، تبدو المذكرة المطروحة حالياً من الجانب الأميركي، والتي تنتظر رداً إيرانياً عليها، أقرب إلى صيغة «احتواء متبادل» منها إلى اتفاق استسلام روّجت له الولايات المتحدة طوال الشهرين الماضيين. فالمقترحات المتداولة حالياً تتحدّث عن تجميد طويل الأمد لعمليات التخصيب الإيرانية، وتسليم جزء كبير من مخزون اليورانيوم المخصّب، في مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وتهدئة إقليمية تشمل ساحات المواجهة. والبند الأخير، المُقترح أميركياً أيضاً، يؤكد ربط الساحات الذي رفضته واشنطن ابتداءً، ويعكس تحوّل الموقف من مطلب التفكيك الكامل لتحالفات طهران الإقليمية إلى إدارة التهديد ما أمكن.
أما المفارقة الأبرز، فهي أن كثيراً من البنود المطروحة اليوم تعيد، بصورة أو بأخرى، إنتاج أجزاء من اتفاق عام 2015 النووي الذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى. فالمخزون النووي الإيراني الكبير الذي تطالب واشنطن الآن بتسليمه، هو نتيجة مباشرة لسنوات التصعيد التي أعقبت الانسحاب الأميركي من الاتفاق؛ كما أن أزمة مضيق هرمز الحالية جاءت في سياق الحرب نفسها التي شنّها ترامب. وهذا يعني أن جزءاً مهماً من الجهد الأميركي الحالي يتعلّق، عملياً، باحتواء تداعيات سياسات سابقة قادها ترامب، لا بتحقيق تحول استراتيجي جديد.
مع ذلك، لا تبدو طهران مستعجلة لتقديم ردّ نهائي على المقترح الأميركي. فالإيرانيون يدركون أن استمرار التوتر يضغط أيضاً على ترامب داخلياً، سواء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة أو بسبب تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب؛ كما يدركون أن الإدارة الأميركية نفسها حريصة على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وطويلة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية.
ورغم رجحان السردية الإيرانية، تبقى لأنصار ترامب في الداخل الأميركي روايتهم، التي يواجهون بها – على هشاشتها – مخالفيهم. فجزء من أنصار الإدارة يعتبر أن الحرب نجحت، على الأقلّ، في إبطاء البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وتقليص جزء من القدرات العسكرية لطهران، وفرض معادلة ردع جديدة من دون الدخول في احتلال بري أو حرب شاملة طويلة الكلفة، كما حدث في العراق وأفغانستان. وبمعزل عن أن هذه الرواية تبدو بمثابة تجميل للفشل، أكثر من كونها تظهيراً للانتصار والمكاسب، فالأكيد الذي تأكّد مرة أخرى أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لصناعة انتصار سياسي. ذلك أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بحجم القوة النارية، بل أيضاً بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الوقت، وهو ما تجيده إيران حالياً.

لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأن تكون مرحلة تفاوض أكثر منها مرحلة حسم. وقد يخرج ترامب من التسوية بصورة صانع اتفاق «جيد»، فيما تحصل إيران على متنفّس اقتصادي وسياسي لا يسمح لها فقط بالحفاظ على موقعها الإقليمي، بل بتعظيمه أكثر مما كان عليه. وعلى هذه النتيجة تحديداً، يدور الصراع التفاوضي الحالي بين الطرفين، اللذين يسعى كلّ منهما إلى تحسين مكسبه النهائي، وإن كانت الغلبة الاستراتيجية، على المدى الطويل، إيرانية واضحة. ولكن المسار التفاوضي سيبقى مظلّلاً بضغوط ميدانية حتى بلوغه نهايته، من دون ترجيح استئناف الحرب الشاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب