كتب

تصريحات السفير الأمريكي وحدود المسؤولية الدبلوماسية

تصريحات السفير الأمريكي وحدود المسؤولية الدبلوماسية

(( بين القانون الدولي وحسابات الأمن الإقليمي ))

بقلم: رئيس التحرير 

أثارت التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن ما وُصف بـ“حق إسرائيل” في أراضٍ تمتد من النيل إلى الفرات، موجة واسعة من الاستياء السياسي والدبلوماسي في المنطقة. ولم يكن رد الفعل الأردني سوى تعبير عن إدراك عميق لخطورة هذا النوع من الخطاب، الذي يتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى دائرة التأثير في الأمن الإقليمي ومفاهيم السيادة والاستقرار.

الأردن، الذي يقوم نهجه السياسي على الاعتدال والالتزام بالشرعية الدولية، ينظر إلى مثل هذه التصريحات بوصفها مساساً بالأعراف الدبلوماسية، وخروجاً عن الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول، وفي مقدمتها احترام السيادة ووحدة الأراضي وعدم التلويح بأي تصورات توسعية تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

في الإطار القانوني – سيادة الدول خط أحمر فمنذ تأسيس الأمم المتحدة، ترسّخ مبدأ أساسي في النظام الدولي المعاصر، يتمثل في حظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة أو التهديد بها. وقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية على الامتناع عن استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

كما جاءت مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها إعلان العلاقات الودية بين الدول لعام 1970، لتؤكد أن الحدود المعترف بها دولياً لا يجوز تغييرها إلا بالوسائل السلمية والاتفاق المتبادل. وعليه، فإن أي حديث عن “حق تاريخي” أو “مرجعية دينية” لتبرير سيطرة جغرافية على أراضٍ ذات سيادة، يتناقض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي، التي لا تخضع لتفسيرات أيديولوجية أو دينية.

الدبلوماسية الحديثة لا تُدار بمنطق الأساطير السياسية، بل بمنطق الشرعية القانونية، وإلا فإن النظام الدولي برمته يصبح عرضة للفوضى وإعادة إنتاج منطق الصراعات التوسعية الذي عانى منه العالم في مراحل سابقة.

في البعد الدبلوماسي – التزام الخطاب المسؤول

تنظم اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الإطار الناظم لسلوك الممثلين الدبلوماسيين، وتُلزمهم باحترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية أو المساس بسيادتها. وعندما يصدر عن سفير معتمد خطاب يتضمن إيحاءات تمس جغرافيا دول أخرى في المنطقة، فإن ذلك يضع علامات استفهام حول مدى التزام المعايير الدبلوماسية المتعارف عليها.

إن الأردن ، بحكم موقعه الجيوسياسي ودوره المحوري في الحفاظ على توازنات الإقليم، لا يمكنه النظر إلى مثل هذه التصريحات بمعزل عن تأثيراتها الاستراتيجية. فاستقرار الحدود واحترام الوضع القانوني القائم يشكلان ركناً أساسياً في الأمن الوطني الأردني.

كما أن الدول المعنية مباشرة بمفهوم “من النيل إلى الفرات”، وفي مقدمتها مصر والعراق وفلسطين ، لا يمكن أن تقبل بأي خطاب يوحي بشرعنة تصورات جغرافية تمس بسيادتها المعترف بها دولياً.

في الأبعاد التاريخية والسياسية فان مفهوم “من النيل إلى الفرات” ارتبط تاريخياً بخطابات أيديولوجية لدى بعض التيارات المتشددة، لكنه لم يكن يوماً جزءاً من منظومة الشرعية الدولية أو السياسة الرسمية المعترف بها في العلاقات بين الدول. المجتمع الدولي، منذ مؤتمر مدريد وحتى المبادرات اللاحقة، تعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي ضمن أطر تفاوضية تستند إلى مبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية.

إن إدخال البعد الديني في تحديد الجغرافيا السياسية يعيد إنتاج خطاب صراعي يتناقض مع مسار التسويات، ويقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل وشامل. كما أنه يضعف الثقة بالدور الأمريكي التقليدي كوسيط في عملية السلام، ويمنح الأطراف المتشددة في الإقليم ذرائع إضافية للتصعيد.

أما بخصوص التداعيات الاستراتيجية على أمن المنطقة فان الشرق الأوسط يعيش مرحلة دقيقة تتقاطع فيها أزمات متعددة، من القضية الفلسطينية إلى التوترات الإقليمية الأوسع. في مثل هذا السياق، فإن أي خطاب يُفهم منه شرعنة لتغيير الحدود أو إضفاء غطاء أيديولوجي على مشاريع توسعية، قد يؤدي إلى:

تعميق حالة الاستقطاب الإقليمي، إعادة إنتاج سباقات اصطفاف سياسي وأمني، إضعاف الثقة بالضمانات الدولية، وتقويض مسارات الحوار السياسي. وعليه فان الاستقرار في الإقليم لا يتحقق عبر إعادة قراءة التاريخ بمنظار أيديولوجي ديني وانزلاق المنطقة نحو خطر الحرب الدينية ، بل عبر تثبيت قواعد القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وتعزيز الحلول السياسية القائمة على التفاوض.

ووفق كل ذلك إن المسؤولية الملقاة على عاتق الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تقتضي الحفاظ على خطاب متوازن ومنضبط ينسجم مع قواعد الشرعية الدولية. فالمنطقة لا تحتمل مزيداً من التصريحات التي تفتح أبواب التأويل والقلق في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.

الأردن ومعه الدول العربية  يبقى موقفهما ثابتاً على دعم حل سياسي عادل يقوم على احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويصون سيادة الدول وأمن شعوبها. وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، تظل الحكمة الدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي هما الركيزتين الأساسيتين لحماية أمن المنطقة ومنع انزلاقها نحو مزيد من عدم الاستقرار ويبقى مفتاح الامن والاستقرار الاقرار بالحقوق المشروعه للشعب الفلسطيني وحق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقله وعاصمتها القدس استنادا لقرارات الشرعية الدولية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب