فلسطين

تقدّم وتراجع الساحات: أولويات الكيان في الصراع الإقليمي

تقدّم وتراجع الساحات: أولويات الكيان في الصراع الإقليمي

إنّ فهم سلّم الأولويات الإسرائيلية يتطلب تحليلاً متعمّقاً للعوامل التي تحدد ترتيب التقدّم والتراجع في كل ساحة، بما يشمل التهديدات المباشرة على الجبهة الداخلية، خطورة فصائل المقاومة، قدرة العدو على تحقيق نتائج ملموسة، ومستوى الضغط الدولي والإقليمي.

نيفين قطيش

يخوض العدو الإسرائيلي حالياً حرباً متعددة الجبهات في المنطقة، تتفاوت فيها مستويات التهديد والأولوية بين ساحات المواجهة المختلفة. هذه الحرب لا تُقاس فقط بالقوة العسكرية أو الإنجازات التكتيكية، بل تتأثر بشكل مباشر بالاعتبارات السياسية، الدبلوماسية، والاقتصادية، فضلاً عن الأبعاد الاستراتيجية البعيدة المدى.

إنّ فهم سلّم الأولويات الإسرائيلية يتطلب تحليلاً متعمّقاً للعوامل التي تحدد ترتيب التقدّم والتراجع في كل ساحة، بما يشمل التهديدات المباشرة على الجبهة الداخلية، خطورة فصائل المقاومة، قدرة العدو على تحقيق نتائج ملموسة، ومستوى الضغط الدولي والإقليمي.

تستند استراتيجية العدو إلى موازنة دقيقة بين تحقيق أهداف عسكرية محدّدة، واستدامة القدرة العملياتية، مع تجنّب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة غير محسوبة النتائج. ومن هذا المنطلق، تُصنّف الساحات وفق معايير متعددة، تشمل خطورة التهديد، الإمكانية العملياتية، التكاليف العسكرية والسياسية، وتوقيت التحرك، ما يعكس إدراكاً عميقاً لتحديات إدارة صراع متعدد الجبهات في بيئة إقليمية معقّدة.

الاعتبارات الصهيونية في توزيع الأولويات
يُعدّ تقييم خطورة التهديد المباشر على الأمن القومي المعيار الأبرز، حيث تُمنح الساحات التي تهدّد حياة المستوطنين أو البنية التحتية الحيوية أولوية قصوى، خصوصاً بعد الأحداث التي شهدها السابع من تشرين الأول 2023، والتي جسّدت فشلاً أمنياً واستخباراتياً في تلك المرحلة.

إلى جانب ذلك، يراعي العدو الإسرائيلي إمكانية تحقيق نتائج حاسمة في ساحة معينة، أي قدرته على تنفيذ عمليات تكتيكية أو استراتيجية محدّدة بسرعة وكفاءة نسبية، ما يجعل توجيه الموارد إلى تلك الساحات أكثر فعالية من حيث النتائج مع الحدّ من استنزاف القوى والذخائر.

وتلعب التكاليف العسكرية، السياسية، الاقتصادية واللوجستية دوراً حاسماً في رسم سلّم الأولويات، إذ يتمّ تقييم الخسائر البشرية المحتملة، استنزاف الذخائر، كلفة إعادة الإعمار، والأثر الاقتصادي على دولة الاحتلال، بما يضمن الحفاظ على فعالية العمليات دون تجاوز الحدود المقبولة.

كما يُؤخذ في الاعتبار الضغط الدبلوماسي والعزلة الدولية، حيث يمكن أن تحدّ العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والمنظمات الدولية من حرية الحركة أو فرض قيود زمنية وعملياتية على الساحات، خاصة بعد توسيع دائرة العزلة الدولية نتيجة الانتهاكات المستمرة للخطوط الحمر الإقليمية.

بالإضافة إلى ذلك، يُراعي العدو خطر التصعيد الإقليمي وإمكانية إشراك قوى عظمى، إذ إن أي تدخل محتمل من إيران، أو روسيا، أو تركيا، أو غيرها، أو فتح جبهة ثانية، يزيد حساسية الساحة ويجعل من الضروري موازنة المخاطر العسكرية والدبلوماسية.

وتأتي الموازنة بين الاستهداف العسكري المباشر والبدائل السياسية كعنصر أساسي في تحديد الأولويات، حيث يمكن اللجوء إلى أدوات غير عسكرية مثل الدبلوماسية، الضغط الاقتصادي، أو الوساطة الدولية لتحقيق أهداف استراتيجية، بينما تُخصّص العمليات العسكرية المباشرة للساحات التي تشكل تهديداً عاجلاً أو وجودياً. ولا يمكن تجاهل عامل الزمن والفرص، إذ يُعدّ توقيت التّحرّك العسكري أو السياسي المناسب جزءاً أساسياً من تحديد الأولويات، بحيث تُستغل نوافذ الفرص الميدانية والاستخباراتية بأقصى كفاءة لتحقيق أفضل النتائج بأقلّ تكلفة.

أولوية تقدّم وتراجع الساحات
إيران
تتصدّر الأولويات، باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر، ولا سيما بسبب برنامجها النووي وقدرتها على توسيع حضورها الإقليمي، ما يفرض تخصيص موارد استخباراتية وعسكرية ضخمة لضمان منع أي تطوّرات تهدّد الأمن القومي على المدى الطويل. ويشكّل الدعم الإيراني المستمر لقوى المقاومة، ولا سيما حزب الله، تهديداً إضافياً يستدعي منعها من توفير الأسلحة والتدريب والتمويل لحلفائها.

في الوقت نفسه، يبرز فشل تل أبيب في إسقاط النظام الإيراني عبر سياسات مختلفة، رغم الدعم الأميركي، كعامل يُعيد التأكيد على خطورة التهديد، حيث يُستغل الخطاب العدائي الإيراني لتعزيز صورة إسرائيل كدولة مهدّدة.

وقد أثبتت تجربة الحرب الأخيرة مع إيران قدرتها على استهداف العمق الصهيوني بدقّة، ما دفع العدو إلى التركيز على استعادة الردع واعتبار أن أي محاولة للتعامل مع طهران تستلزم مراعاة الزمن والفرص المتاحة للعمليات العسكرية والسياسية.

في المقابل، يواجه العدو تحدّيات عدّة في التعامل مع الجمهورية الإسلامية، من بينها سرعة تكيّفها مع التطورات المستجدّة، ونتائج الحرب الأخيرة التي أظهرت قدرتها على الوصول إلى أهدافها في العمق الصهيوني، ما عزّز الحاجة إلى معالجة الثغرات التي استغلّتها إيران.

كما يلعب الدعم الدولي الذي تلقّته الأخيرة في حرب حزيران، دوراً في إجبار العدو على تحصيل المبرّر قبل أي خطوات تصعيدية، إلى جانب وجود بدائل سياسية واقتصادية، مثل العقوبات، تحدّ من قدرة إيران على دعم حلفائها دون تصعيد عسكري. هذا بالإضافة إلى أن البعد الجغرافي والتهديدات المباشرة في ساحات أخرى، يجعلان أي عملية مباشرة أكثر تكلفة، ويستوجبان توخّي الحذر.

غزة
تُعتبر ساحة ذات أولوية استراتيجية بسبب التهديد العسكري المباشر، إذ تواصل فصائل المقاومة، بقيادة حماس، تنفيذ هجمات شبه يومية.

وقد مثّلت أحداث السابع من تشرين الأول صدمة للكيان وأظهرت محدودية قدراته العسكرية، ما عزّز الحاجة إلى السيطرة على غزة لاستعادة الردع وفرض تكاليف باهظة على المقاومة. وتمثّل المساحة الصغيرة للقطاع مقارنة بالساحات الأخرى، وإمكانية استهداف البنى التحتية فرصة لتحقيق نتائج ملموسة بسرعة، بينما يسهم قربها الجغرافي في تسهيل التحرك العسكري واللوجستي.

كما تلعب الأبعاد السياسية والإعلامية دوراً في تعزيز أولوية غزة، إذ إن التصعيد فيها قد يخفّف الضغط الداخلي على الحكومة، إلى جانب قضية الأسرى الذين يُعدّ تحريرهم هدفاً محورياً للحرب.

ومع ذلك، هناك عوامل تُفضي إلى تراجع موقع غزة على سلّم أولويات العدو، أبرزها استنزاف قوات الاحتلال والموارد العسكرية، التهديدات المتزامنة في ساحات أخرى، الضغوط الدولية، وتطوّر قدرات المقاومة التي تزيد من كلفة العمليات وتحدّ من إمكانية الحسم العسكري السريع، إضافةً إلى غياب خطة واضحة لما بعد الحرب الذي قد يحوّل المكاسب إلى عبء طويل الأمد.

لبنان
تولي قوات العدو أهمية قصوى للحفاظ على التفوّق الأمني والعسكري لضمان مواجهة حزب الله ومنع استعادة قوته الكاملة. من زاوية التقدّم، يثير القلق الإسرائيلي، ترميم حزب الله لقدراته القتالية، بما يشمل الصواريخ الدقيقة والقدرات الهجومية المتطورة، ما يستلزم تعزيز الجاهزية للرد السريع واعتبار لبنان أولوية استراتيجية.

يترافق ذلك مع الضغوط الدولية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج على لبنان لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلّقة بنزع سلاح حزب الله، إضافة إلى استغلال الانقسامات الداخلية اللبنانية لتعزيز مصالح الأمن الإسرائيلي ومنع تكرار أحداث مثل السابع من تشرين الأول.

كما يسعى الاحتلال لتثبيت حرية الحركة، وتعزيز القدرات العسكرية والاستخباراتية على الحدود الشمالية، ما يمنحه السيطرة على مجريات الأحداث واستغلال بعض المواقع الجغرافية بما يتوافق مع المشروع التوسعي، في ظل استمرار جهود طهران لدعم حزب الله بالأسلحة والأموال لإعادة بناء قوته.

في المقابل، ترتبط اعتبارات التراجع بالحاجة إلى موازنة الموارد مع حجم التهديدات. فتركيز العدو على جبهات أخرى، تمثّل تهديداً مباشراً، قد يدفعه لإعادة تقييم أولوياته، هذا إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بالعمليات العسكرية في هذه الساحة، كما تراعي إسرائيل الحفاظ على قوة ردع فعّالة دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

كل هذه العوامل تجعل الحفاظ على حرية الحركة الحالية أولوية قصوى، مع تجنّب أي تصعيد قد يهدّد هذه المكاسب.

اليمن
تُصنّف الساحة ضمن الأهمية المتوسطة مع ميل واضح لارتفاع أولويتها، حيث تهدّد عمليات الحوثيين الصاروخية والمُسيّرات، الممرات البحرية الحيوية والعمق الصهيوني، بما يؤثّر سلباً على الجبهة الداخلية والتجارة الإسرائيلية مع آسيا وأوروبا. وتكمن أولوية التقدّم في اليمن، في تحييد التهديد واستمرار تثبيت الردع، لكنّ ضعف المعلومات الاستخباراتية، البعد الجغرافي، وصعوبة تحقيق تأثير ملموس، كل ذلك يجعل الساحة اليمنية أقل أولوية مقارنة بساحات أخرى.

الضفة الغربية
تُصنَّف بدرجة تهديد متوسطة، حيث توجد خلايا مقاومة نشطة، لكنّ السيطرة الأمنية الإسرائيلية والقدرة على التحرك تكتيكياً تجعلان العمليات قابلة للنجاح نسبياً.

يتركّز الاهتمام الإسرائيلي على منع توسّع خلايا المقاومة وعملياتها وتطبيق الخطط الاستيطانية بالاستفادة من الضغوط الداخلية. مع ذلك، تظلّ إمكانية تحقيق نتائج استراتيجية كبيرة محدودة، في حين يحدّ الضغط الدولي والقيود على استنزاف القوات من أولوية هذه الساحة.

سوريا
تُعدّ سوريا ساحة استراتيجية مهمّة ضمن الصراع مع إيران وحلفائها، خصوصاً مع تقلّب الأوضاع الداخلية وسقوط نظام الأسد، ما يتيح للكيان تنفيذ عمليات قصيرة وفعّالة قبل تغيّر الظروف.

وتعتمد إسرائيل على استراتيجية إدامة حالة من الاضطراب النسبي للحدّ من قدرة أي نظام سياسي معادٍ على التمركز والاستقرار، كما تستفيد من الساحة السورية كمنصة استخباراتية لجمع المعلومات وتحليلها تجاه ساحات أخرى ذات أولوية.

إضافة إلى ذلك، تضمن العمليات في سوريا تثبيت حرية العمل الجوي الصهيوني، وإعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي لمواجهة إيران، ومنع تحويل سوريا إلى عمق استراتيجي تركي، ونزع السلاح من جنوب غرب البلاد لإقامة منطقة عازلة، ومنع إعادة توحيد الخطوط الجغرافية بين العراق ولبنان بما يحدّ من تنسيق القوى المعادية، فضلاً عن السعي لتنفيذ مشروع «ممر داوود» في إطار المخطط التوسعي للكيان.

في المقابل، تُصنّف الجبهة السورية كساحة ثانوية على سلّم الأولويات الإسرائيلية، مع سقوط النظام وضعف القوات النظامية وانشغالها بصراعات داخلية، إضافة إلى استهداف العدو لقدراتها العسكرية.

ويُركّز الاحتلال بشكل أكبر على ساحات تُشكّل تهديداً مباشراً مثل إيران وغزة ولبنان واليمن، فيما يقلّل غياب التواجد الإيراني وحزب الله من أهمية سوريا الاستراتيجية، لتتحوّل عملياً إلى ساحة مراقبة وجمع معلومات أكثر من كونها جبهة مواجهة مباشرة.

كما يحدّ تضارب المصالح مع قوى كبرى كتركيا وروسيا، والسعي للحوار مع النظام السوري لتفادي التصعيد، من نطاق العمليات العسكرية، مع إمكانية أن يمهّد أي اتفاق مستقبلي لعملية تطبيع ويُوسّع هامش حرية الحركة للكيان، في ظل عدم انخراط الرئيس السوري في القضايا العربية، بما فيها فلسطين.

العراق
يُنظر إليه كساحة ثانوية، تمثّل عمقاً دفاعياً استراتيجياً لإيران، يتطلب مراقبة استخباراتية دقيقة لمنع دعم فصائل المقاومة في الحرب الإقليمية. في المقابل، أي تحرّك عسكري واسع فيه محفوف بالمخاطر السياسية بسبب تشابك القوى المحلية والدولية، بما في ذلك الوجود الأميركي، والنفوذ التركي، والانقسامات الداخلية، ما يجعل جيش الاحتلال يفضّل الضربات المحدودة إن احتاج إليها بدل المواجهة المفتوحة.

يتضح أن سلّم الأولويات لدى العدو يقوم على قاعدة استراتيجية واضحة: «التهديد المباشر أولاً، والاستنزاف البعيد المدى لاحقاً». فالساحات التي تمثّل تهديداً عاجلاً للجبهة الداخلية أو للبنى التحتية الحيوية، مثل غزة ولبنان واليمن، تُعطى الأسبقية لإعادة ترميم صورة الردع ومنع انهيار منظومة الأمن الداخلي، بينما تظل إيران الساحة الاستراتيجية المركزية التي تحدّد مسار الصراع على المدى الطويل، مع اعتماد أدوات مركّبة تتجاوز العمل العسكري المباشر لتشمل السياسات الاستخباراتية والدبلوماسية والسياسية.

في المقابل، تُدار الساحات الأخرى، مثل الضفة الغربية وسوريا والعراق، كجبهات وظيفية لموازنة الضغوط وتوزيع الموارد وفق مبدأ المرونة والبراغماتية العملياتية، بما يعكس إدراك الاحتلال لتراجع قدرته على تحقيق حسم شامل واعتماده المتزايد على إدارة المخاطر وتوزيع الأكلاف بدل السعي وراء انتصارات حاسمة ونهائية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأولويات قابلة للتغيّر تبعاً للتطورات الميدانية والسياسية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل ديناميات الحرب الإقليمية وتداخل الساحات، ما يستلزم من العدو الإسرائيلي مرونة مستمرة في التقدير والتخطيط الاستراتيجي لضمان الحفاظ على الردع وتعظيم المكاسب مقارنة بالمخاطر المحتملة.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب